تحت وطأة "الهدنة الباردة" بين واشنطن وطهران، يجد لبنان نفسه في قلب الجحيم، وكأنّه "الاستثناء الذي يثبّت قاعدة" الاتّفاق. ومن الواضح أنّ التفاهم المبدئيّ الأميركيّ، الإيرانيّ على الهدنة قد صيغ بنفس براغماتيّ شديد الحذر، فيما قرّر طرفا الهجوم، واشنطن وتل أبيب، عزل جبهة لبنان عن مسار التهدئة الإقليميّة. وهذا الفرز سمح لإسرائيل بتحويل ثقلها النّاريّ بالكامل نحو لبنان، في محاولةٍ لفرض وقائع لا تشملها قيود الهدنة مع طهران. فهل يثبّت لبنان وظيفته مجدّدًا كمساحةٍ يفرغ فيها الجميع ضغوطهم لتمرير صفقاتٍ أكبر؟
تجد القوى الإقليميّة، وعلى رأسها إيران، نفسها أمام اختبارٍ عسيرٍ لـ"وحدة السّاحات". فمن جهةٍ، هي تحتاج إلى التقاط الأنفاس، وتأمين استقرار النّظام، والإمساك بمضيق هرمز ومحطّات الطّاقة والملفّ النّوويّ والصّواريخ البالستيّة، وتجنيبها دمارًا قال ترامب إنّه "ينسف حضارتها بالكامل"، ومن جهةٍ أخرى، هي تقف أمام التزامٍ أخلاقيّ واستراتيجيّ تجاه حزب الله، الحليف الذي ذهب إلى أقصى مدى في المواجهة من أجلها.
السّؤال هو: هل يكفي التلويح بإغلاق الممرّات المائيّة كأداة ضغطٍ لشمول لبنان بالهدنة، أم أنّ ثمن هذا الخرق سيكون باهظًا إلى حدٍّ تحاول طهران تجنّبه؟ وهل يمكن أن يعود الزخم الصّاروخيّ الإيرانيّ لمساندة الجبهة اللبنانيّة، أم أنّ الضّرورة السّياسيّة ستفرض صمتًا استراتيجيًّا يترك فيه الميدان اللّبنانيّ ليحلّ مشكلاته بنفسه؟
في أيّ حالٍ، يكشف الواقع الحاليّ في لبنان فجوةً سياديّةً هائلةً. فبينما تتفاوض القوى الكبرى، يظلّ لبنان الرّسميّ في وضعيّة الانتظار. والرّغبة اللّبنانيّة في أن تنسحب مفاعيل وقف النّار الإيرانيّ على لبنان، من دون وجود مسارٍ تفاوضيّ وطنيّ مستقلّ، تضع دور الدّولة على المحكّ. ولهذه الغاية، اتّصل رئيس الحكومة نواف سلام، اليوم، بنظيره الباكستانيّ، داعيًا إيّاه إلى العمل على شمول لبنان في اتّفاق الهدنة، عشيّة المفاوضات المقرّرة بين الوفدين الأميركيّ والإيرانيّ في إسلام آباد.
فهل ينجح لبنان في انتزاع مقعدٍ له على طاولة الهدنة في اللحظات الأخيرة، إذا كان فعلًا مشمولًا بها؟ وهل ستكتفي طهران بدعم حزب الله عن بعد، حفاظًا على اتّفاقها مع واشنطن، أم أنّ مشهد انهيار التوازنات في لبنان سيجبرها على قلب الطاولة والعودة إلى المربّع الأوّل؟ وأيّ سيناريو سيسبق الآخر: الانفجار الشّامل الذي يطيح بالهدنة، أم تحوّل السّاحة اللّبنانيّة إلى "ثمنٍ اضطراريّ" لاستقرارٍ أكبر؟
طهران تفاوض بلبنان أم عنه؟
في مشهدٍ إقليميّ شديد الهشاشة، لم يعد لبنان في الخطاب الإيرانيّ تفصيلًا جانبيًّا أو هامشًا تابعًا لحربٍ أكبر، بل تحوّل إلى معيارٍ مباشرٍ لاختبار صدقيّة أيّ اتّفاقٍ محتمل. من رئاسة الجمهوريّة الإيرانيّة إلى رئاسة مجلس الشّورى، وصولًا إلى وزارة الخارجيّة، بدا الموقف الإيرانيّ موحّدًا على قاعدةٍ واحدة: لا تهدئة قابلةً للحياة إذا بقي لبنان خارجها.
هذه ليست مجرّد لغة تضامنٍ سياسيّ، بل محاولة إيرانيّة واضحة لتحويل الجبهة اللبنانيّة إلى شرطٍ تفاوضيّ، لا إلى بندٍ مؤجّل. ولهذا اكتسبت إشارة الخارجيّة الإيرانيّة إلى أنّ توجّه بعثة طهران إلى باكستان يبقى مشروطًا بوقف الهجوم الإسرائيليّ على لبنان دلالةً تتجاوز المجاملة الدبلوماسيّة. فالمعنى السّياسيّ المباشر هو أنّ طهران تربط بين مسار الميدان ومسار التفاوض ربطًا صريحًا، وتقول لواشنطن والوسيط الباكستانيّ إنّ أيّ تفاهمٍ لا يمرّ بلبنان لن يمرّ أصلًا.
وفي الإطار نفسه، نقلت "طهران تايمز" عن مصدرٍ أمنيّ إيرانيّ قوله: "إذا لم تتوقّف الهجمات على لبنان، فلن تكون هناك أيّ مفاوضات". أمّا مستشار مجلس الشّورى الإيرانيّ في الشّؤون الاستراتيجيّة، مهدي محمّدي، فذهب أبعد من ذلك حين قال إنّه "من دون كبح الكيان الإسرائيليّ في لبنان، فلن يكون هناك أيّ وقفٍ لإطلاق النّار أو مفاوضات، والصّواريخ على أهبة الإطلاق"، داعيًا إلى تثبيت معادلة "مصيرٍ واحدٍ لكلّ أجزاء جبهة المقاومة" باعتبارها جزءًا من النّظام الإقليميّ الجديد.
هنا، تبدو طهران كأنّها ترفع السقف في التفاوض كي لا يفهم صمتها المرحليّ على أنّه تخلٍّ عن الحليف اللّبنانيّ. لكنّ هذا الرّفع للسقف لا يلغي حقيقة أخرى أكثر برودة: إيران تريد حماية أوراقها الكبرى، من مضيق هرمز إلى المنشآت الحيويّة، وهي لذلك تفاوض من موقع الحذر الشّديد، لا من موقع الاندفاع إلى مواجهةٍ مفتوحة.
بزشكيان وقاليباف: التفاوض يفقد معناه
الرّئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان وضع المسألة بعباراتٍ مباشرة، معتبرًا أنّ "اعتداء الكيان الصّهيونيّ المتكرّر على لبنان هو انتهاكٌ صارخٌ لاتّفاق وقف إطلاق النّار الأوّليّ، ومؤشّرٌ خطيرٌ على الخداع وعدم الالتزام بالاتّفاقات المحتملة"، مضيفًا أنّ مواصلة هذه الاعتداءات "ستجعل التفاوض بلا معنى". وبهذا الكلام، لم يكتف بزشكيان بإدانة الهجمات، بل نقل الملفّ اللّبنانيّ إلى صدارة اختبار النّيّات السّياسيّة.
بدوره، شدّد رئيس مجلس الشّورى الإيرانيّ، محمّد باقر قاليباف، على أنّ "لبنان وجبهة المقاومة بأكملها حلفاء لإيران، وجزءٌ لا يتجزّأ من وقف إطلاق النّار". وذهب أبعد حين تحدّث عن ثلاثة خروقٍ رئيسيّة تجعل وقف النّار والمفاوضات "بلا معنى"، محدّدًا إيّاها في استمرار الهجمات على لبنان، وانتهاك الأجواء الإيرانيّة، ورفض الاعتراف بحقّ طهران في تخصيب اليورانيوم.
المغزى هنا واضح: إيران لا تريد أن تفاوض على الهدوء في مكانٍ وتقبل بالحريق في مكانٍ آخر. لكنّها، في الوقت نفسه، تدرك أنّ التهديد بالانسحاب من المسار التفاوضيّ ليس تفصيلًا مجانيًّا، لأنّ كلفة الانفجار الشّامل قد تكون أعلى بكثير من كلفة التشدّد الكلاميّ.
إسلام آباد بين الوساطة والصدمة
في موازاة الموقف الإيرانيّ، برز الدّور الباكستانيّ كوسيطٍ يحاول منع انهيار المسار قبل أن يبدأ. فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء الباكستانيّ أنّ رئيس الوزراء اللّبنانيّ طلب دعم إسلام آباد لوقفٍ فوريّ للهجمات التي تستهدف لبنان. لكنّ الأهمّ سياسيًّا هو ما تسرّب عن شعورٍ باكستانيّ بالصدمة من الموقف الأميركيّ الذي استثنى لبنان من اتّفاق التهدئة.
ووفق المعطيات المتداولة، فإنّ الوسيط الباكستانيّ كان قد تلقّى سابقًا تأكيداتٍ أميركيّةً بشمول لبنان في وقف النّار لمدّة أسبوعين، قبل أن تتنصّل واشنطن، بشكلٍ مفاجئ، من هذا البند، وربّما من بنودٍ أخرى. وإذا صحّ ذلك، فنحن أمام أكثر من مجرّد تباينٍ تقنيّ. نحن أمام خللٍ بنيويّ في هندسة الاتّفاق نفسه: تفاهمٌ يسوّق باعتباره تهدئةً إقليميّةً، فيما يترك أحد أكثر الميادين اشتعالًا خارج مظلّته.
شكوى إلى مجلس الأمن وعجزٌ على الطاولة
في المقلب اللّبنانيّ، بدت الصّورة أكثر قسوة. الدّولة، التي يفترض أن تكون طرفًا أصيلًا في حماية أرضها وسكّانها، ظهرت وكأنّها تنتظر ما يقرّره الآخرون بشأنها. صحيح أنّ مجلس الوزراء اجتمع في قصر بعبدا، وصحيح أنّ رئيس الحكومة نواف سلام أعلن التوجّه إلى تقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدوليّ بسبب تصاعد الاعتداءات الإسرائيليّة، لكنّ ذلك لم يبدّل في أصل المشهد: لبنان يحاول أن يدرج نفسه في تفاهمٍ لم يكن شريكًا في صياغته.
ولعلّ العبارة الأكثر دلالة كانت في إعلان سلام أنّه تقرّر الطلب إلى الجيش والقوى الأمنيّة المباشرة فورًا في تعزيز بسط سيطرة الدّولة في العاصمة بيروت وحصر السّلاح فيها. ففي لحظة القصف المفتوح، يعود النّقاش إلى وظيفة الدّولة وحدود قدرتها، وإلى الفجوة الهائلة بين قرار السّيادة وواقع السّلاح والحرب.
المشكلة، هنا، ليست فقط في العدوان الإسرائيليّ، بل أيضًا في عجز لبنان عن فرض نفسه رقمًا تفاوضيًّا مستقلًّا. فهو يطلب الشمول بالهدنة، لكنّه لا يملك مقعدًا فعليًّا على طاولة إنتاجها.
الميدان يحكم: إنذارات، غارات، وردّ صاروخيّ
ميدانيًّا، واصلت إسرائيل توسيع بنك أهدافها ورسائلها معًا. فقد جدّد المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ إنذاره إلى الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، وهدّد منطقة الجناح للمرّة الأولى، موسّعًا نطاق التحذير ليشمل حارة حريك، والغبيري، والليلكي، والحدث، وبرج البراجنة، وتحويطة الغدير، والشّياح، والجناح. وهذه ليست مجرّد إنذارات، بل سياسة ضغطٍ ناريّ ونفسيّ تهدف إلى تكريس واقعٍ يقول إنّ لبنان ليس مشمولًا بأيّ سقفٍ ردعيّ جديد.
في المقابل، أعلن حزب الله إطلاق أوّل دفعاته الصّاروخيّة باتّجاه إسرائيل منذ إعلان اتّفاق وقف إطلاق النّار بين الولايات المتّحدة وإيران، مؤكدًا أنّ الرّدّ جاء على "خرق العدوّ لاتّفاق وقف إطلاق النّار"، ومتوعّدًا بمواصلة الرّدّ "حتّى يتوقّف العدوان الإسرائيليّ والأميركيّ على لبنان وشعبه".
بهذا المعنى، لم تعد المسألة محصورةً بسجالٍ ديبلوماسيّ حول ما إذا كان لبنان مشمولًا بالهدنة أم لا، بل دخلت مرحلة الاختبار العمليّ: إسرائيل تتصرّف على أنّ السّاحة مفتوحة، وحزب الله يتصرّف على أنّ خرق الاتّفاق يبرّر العودة إلى النّار.
نتنياهو يرفع السقف
رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لم يترك مجالًا كبيرًا للتأويل، إذ أعلن صراحةً أنّ إسرائيل "ستواصل ضرب حزب الله في كلّ مكانٍ مطلوب حتّى تعيد الأمن الكامل إلى سكّان الشّمال". هذا الكلام لا يعبّر عن ردّ فعلٍ ميدانيّ فحسب، بل عن قرارٍ سياسيّ باستخدام لحظة الهدنة الأميركيّة، الإيرانيّة لشنّ حربٍ أكثر تركيزًا على لبنان.
وفي موازاة ذلك، نشر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بيانًا عبر منصّة "إكس" زعم فيه أنّ عمليّة حصر السّلاح جنوب نهر اللّيطاني، التي أعلن عنها الجيش اللّبنانيّ سابقًا، "فشلت بالأرقام والوقائع". والهدف من هذا الخطاب واضح: سحب أيّ شرعيّة عن السّرديّة اللّبنانيّة الرّسميّة، وتبرير استمرار العمليّات العسكريّة على قاعدة أنّ الدّولة فشلت، وبالتالي فإنّ إسرائيل ستتولّى فرض الوقائع بنفسها.
تهديدٌ بالرّدّ: لكنّ القرار لم يحسم
من جانبه، لوّح قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوريّ الإيرانيّ، إسماعيل قاآني، بـ"عقوبةٍ صعبةٍ باعثةٍ على النّدم تنتظر العدوّ"، في إشارةٍ إلى الهجمات على لبنان. غير أنّ هذا التهديد، مهما ارتفع منسوبه، لا يعني بالضّرورة أنّ طهران اتّخذت قرارها بالانتقال إلى مواجهةٍ مباشرة. الأغلب أنّ إيران تبقي التهديد حيًّا في خلفيّة المشهد، كي لا تفهم مرونتها التفاوضيّة على أنّها ضعف.
وهذا تحديدًا ما يجعل السّاعات المقبلة شديدة الحساسيّة. فإمّا أن ينجح الضغط الإيرانيّ، الباكستانيّ، وربّما اللّبنانيّ المتأخّر، في فرض إدراج لبنان ضمن صيغةٍ ملزمةٍ للتهدئة، وإمّا أن يتحوّل الاستثناء اللّبنانيّ إلى فجوةٍ ناسفةٍ تسقط الاتّفاق من داخله.
السّؤال المركزيّ لم يعد ما إذا كانت الهدنة قد وقّعت، بل ما إذا كانت قابلةً للحياة من دون لبنان. فإذا كانت إسرائيل قد نجحت في فرض معادلة "تهدئةٌ مع طهران، وحربٌ على بيروت"، فإنّ معنى ذلك أنّ لبنان ليس خارج الاتّفاق فحسب، بل هو الثّمن العمليّ له. أمّا إذا صحّ أنّ طهران تعتبر شمول لبنان شرطًا تأسيسيًّا، فإنّ استمرار الهجمات سيعني أنّ الاتّفاق لم يفشل بعد توقيعه، بل سقط في امتحانه الأوّل.
في الخلاصة، يقف لبنان اليوم في أكثر مراحله انكشافًا: مجزرةٌ في الميدان، غيابٌ على طاولة التفاوض، ودولةٌ تبحث عن موقعها بين النّار والوساطات. وليس أخطر ما في المشهد أنّ إسرائيل تواصل عدوانها، بل أنّ العالم يتصرّف، مرّةً جديدة، وكأنّ لبنان قابلٌ دائمًا لأن يستثنى من السّلام ويدرج وحده في الحرب.
ذلك هو جوهر المأزق: بلدٌ يقتل على الهامش كي تستقرّ التفاهمات في المركز. وإذا لم ينتزع لبنان مكانه السّياسيّ في معادلة الهدنة، فسيبقى، مرّةً أخرى، السّاحة التي تدفع لتسديد فواتير الآخرين.
