لبنان الرسمي بين خطاب التفاوض وحدود الفعل

مصطفى علّوشالخميس 2026/04/09
Image-1775669199
لبنان الرسمي: عجز يحاول أن يتكلم بلغة المبادرة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"يبكي ويضحك لا حزنًا ولا فرحا   كعاشق خط سطرًا في الهوى ومحا

لو كنت تدرين ما ألقاه من شجن   لكنت أرفق من آسى ومن صفح" (الأخطل الصغير)

 

يعود رئيس الجمهورية في لبنان إلى طرح مسألة التفاوض مع إسرائيل في لحظة تبدو فيها الدولة اللبنانية أضعف من أن تخوض حربًا، وأفقر من أن تفرض سلمًا، وأشد هشاشة من أن تتحكم أصلًا بمسار التصعيد الدائر على أرضها. لذلك لا يبدو هذا الطرح، في صورته الحالية، تعبيرًا عن قدرة سياسية فائضة، بل عن عجز يحاول أن يتكلم بلغة المبادرة. فحين تضيق أدوات الفعل، كثيرًا ما تتضخم العناوين. وحين تعجز الدولة عن الإمساك بالداخل، تستحضر ملفات الخارج لتوحي بأنها ما زالت تمارس دورها. غير أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان لبنان ينبغي أن يتفاوض، بل ما إذا كان لبنان الرسمي يملك أصلًا الشروط التي تجعل من كلمة التفاوض سياسة، لا مجرد خطاب.

المفارقة أن لبنان ليس، من الناحية الرسمية، في حالة حرب تقليدية معلنة بقرار سيادي واضح، لكنه أيضًا ليس في حال سلم. إنه يعيش في منطقة رمادية: العدوان قائم، والغارات مستمرة، والتهجير واسع، والقرار الفعلي موزع بين أطراف عدة، بينما الدولة تحاول أن تتكلم بلسان السيادة من دون أن تحتكر وسائلها. في الأيام الأخيرة وحدها، استمرت الضربات الإسرائيلية على بيروت والجنوب ومناطق أخرى، فيما تجاوز عدد النازحين المليون، وأكدت جهات دولية ضرورة العودة إلى وقف الأعمال العدائية وتنفيذ القرار 1701. في مثل هذا السياق، يصبح الكلام عن التفاوض قبل تثبيت مرجعية الدولة أشبه بالقفز فوق أصل المشكلة.

 

والمشكلة الأساس ليست فقط أن إسرائيل تملك تفوقًا عسكريًا هائلًا، بل أن الدولة اللبنانية نفسها لا تزال موضع اختبار داخلي. صحيح أن الحكومة اللبنانية اتخذت في 2 آذار/ مارس 2026 قرارًا بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، وأن جهات دولية دعمت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لكن الفجوة بين إعلان القرار والقدرة على فرضه ما زالت كبيرة. فالسلطة التي لا تزال تكافح لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والاقتصادي والإنساني، لا تستطيع أن تتحول بجرة قلم إلى مرجعية سيادية كاملة في ملف هو الأكثر انفجارًا في لبنان. ومن هنا تحديدًا، يبدو استدعاء شعار التفاوض، في حدّه الأقصى، تعبيرًا عن رغبة في ملء فراغ سياسي أكثر مما هو تعبير عن انتقال فعلي إلى مسار تفاوضي.

لكن هذا لا يعني أن لبنان الرسمي لا يملك خيارات. المشكلة ليست في انعدام الخيارات، بل في طبيعتها. فالدولة اللبنانية لا تملك اليوم خيارات كبرى وحاسمة من طراز فرض تسوية شاملة أو الذهاب إلى حرب نظامية أو توقيع اتفاق تاريخي. ما تملكه هو خيارات دفاع سياسي ودبلوماسي وإنساني ومؤسساتي، أي خيارات إدارة الكارثة والحد من التدهور وإعادة تجميع معنى الدولة. وهذه، على تواضعها، هي الخيارات الأكثر واقعية وضرورة.

 

أول هذه الخيارات هو إعادة تعريف خطاب الدولة. فلا يجوز للبنان الرسمي أن يتكلم بلغة توحي بأنه شريك متكافئ في صناعة المشهد، فيما هو في الواقع يسعى قبل كل شيء إلى منع انهيار كامل للبلد. الخطاب المطلوب ليس خطاب بطولات لفظية ولا خطاب استسلام، بل خطاب يعلن بوضوح أن أولوية الدولة هي وقف الحرب على الأراضي اللبنانية، حماية المدنيين، منع تحويل الجنوب إلى منطقة اقتلاع دائم، ورفض أن يبقى لبنان ساحة لتصفية حسابات لا يملك قرارها. مثل هذا الخطاب أكثر فائدة من التلويح المجرد بالتفاوض، لأنه يعيد ترتيب الأولويات: حماية الكيان أولًا، لا إنتاج أوهام سيادية فوق أنقاضه. وقد شددت بيانات أوروبية وأممية أخيرًا على حماية المدنيين والبنى التحتية والعودة إلى وقف الأعمال العدائية، ما يمنح هذا المسار غطاءً دوليًا يمكن للبنان البناء عليه.

 

الخيار الثاني هو تدويل الضغط لا تدويل الوصاية. فلبنان لا يملك توازن القوة الذي يسمح له بفرض كلفة سياسية مباشرة على إسرائيل، لكنه يستطيع أن يراكم كلفة دبلوماسية وقانونية وأخلاقية عبر المؤسسات الدولية. وهذا يعني تفعيل الشكاوى أمام مجلس الأمن، وتوثيق الانتهاكات اليومية، والمطالبة بحماية المدنيين، ورفض أي محاولة لفرض منطقة عازلة أو تغيير ديموغرافي أو منع السكان من العودة إلى قراهم. أهمية هذا الخيار أنه لا يحرر الأرض فورًا، لكنه يمنع تطبيع العدوان معها بوصفه أمرًا واقعًا. وفي ظل حديث رسمي إسرائيلي عن منطقة عازلة تصل إلى الليطاني ومنع مئات آلاف اللبنانيين من العودة إلى جنوبه، تصبح المعركة القانونية والدبلوماسية جزءًا من الدفاع عن الوجود اللبناني نفسه، لا مجرد ترف خطابي.

 

الخيار الثالث هو التمسك بالقرار 1701 لا بوصفه شعارًا دوليًا بل كحد أدنى للدفاع عن الدولة.صحيح أن القرار لم يُطبق كاملًا منذ سنوات، وصحيح أن الوقائع الميدانية تجاوزته مرارًا، لكن لبنان الرسمي لا يملك اليوم إطارًا دوليًا أفضل منه ليطالب بوقف النار، وبإسناد الجيش، وبإبقاء المرجعية الحدودية في يد المؤسسات الشرعية. والأهم أن التمسك بهذا القرار لا ينبغي أن يكون مجرد استدعاء تقني لرقم أممي، بل جزءًا من مشروع سياسي عنوانه: لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار حرب خارجها، ولا تفاوض نهائي قبل استعادة حد أدنى من الاحتكار السيادي. هنا فقط يصبح 1701 ليس مجرد مطلب خارجي، بل مرآة لنقصان الدولة وضرورة استعادتها.

 

الخيار الرابع هو تعزيز دور الجيش والمؤسسات الشرعية بوصفه الخيار الوحيد القابل للحياة على المدى المتوسط. فكل كلام عن التفاوض أو التهدئة أو الترتيبات الحدودية يبقى هشًا إذا لم يترافق مع تعزيز المؤسسة العسكرية والإدارية للدولة. لقد مُدّد تفويض اليونيفيل حتى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2026 للمرة الأخيرة، مع بدء مسار الانسحاب بعدها، ما يعني أن لبنان أمام نافذة زمنية ضيقة: إما أن يستثمر هذا الوقت في تقوية الجيش وانتشار الدولة جنوبًا، أو يدخل إلى مرحلة ما بعد اليونيفيل وهو أكثر انكشافًا وعجزًا. لذلك، فإن أي سياسة رسمية جدية يجب أن تجعل من دعم الجيش وتوسيع حضوره الميداني والإداري واللوجستي أولوية قصوى، لا مجرد بند في الخطابات.

 

الخيار الخامس هو إدارة الملف الإنساني باعتباره ملفًا سياديًا لا إغاثيًا فقط.فحين يتجاوز عدد النازحين المليون، وتصبح بيروت ومناطق أخرى تحت ضغط اجتماعي وخدماتي هائل، لا يعود الأمر شأنًا إنسانيًا فحسب، بل يتحول إلى اختبار مباشر لوحدة البلد وسلمه الأهلي. وقد حذرت الحكومة اللبنانية نفسها من أزمة نزوح طويلة الأمد وسط عجز تمويلي كبير، فيما وصفت تقارير أممية وأوروبية الوضع بأنه خطر توسع إنساني واسع. لذلك، على الدولة أن تتعامل مع النزوح الداخلي بوصفه معركة منع التفكك المجتمعي: تنظيم الإيواء، تأمين الحد الأدنى من الدعم، منع التوترات المناطقية والطائفية، وتأكيد أن النازحين مواطنون لا عبء فائض على جماعات أخرى. فالدولة التي تفشل في إدارة النزوح، تفقد ما تبقى من معناها السياسي والأخلاقي.

 

الخيار السادس هو الفصل بين التفاوض التقني والتفاوض السياسي الشامل. فلبنان الرسمي قد يضطر، بل قد يكون من واجبه، أن يذهب إلى ترتيبات تقنية أو أمنية أو ميدانية عبر وسطاء أو قنوات غير مباشرة أو مباشرة محدودة، إذا كان ذلك يوقف القصف، أو يحمي المدنيين، أو يثبت خطوط الانسحاب، أو يمنع فرض أمر واقع حدودي. لكن هذا يختلف جذريًا عن تسويق الأمر وكأنه انتقال إلى سلام أو تسوية تاريخية أو خيار استراتيجي حاسم. الدولة اللبنانية، في وضعها الحالي، لا تملك ترف التفاوض الشامل، لكنها قد تحتاج إلى تفاوض محدود وضروري لمنع الأسوأ. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين سياسة إنقاذ وبين إعادة تعريف هوية البلد تحت النار.

 

الخيار السابع وهو الأهم داخليًا، يتمثل في منع الحرب من التحول إلى حرب أهلية مؤجلة. فاستمرار القصف والتهجير والتوترات بين البيئات اللبنانية المختلفة يخلق مناخًا خطرًا جدًا، وقد أظهرت التغطيات الإعلامية الأخيرة كيف بدأت الضربات الإسرائيلية والتوسع في النزوح يفاقمان الانقسامات الداخلية والمخاوف المتبادلة. لهذا فإن على لبنان الرسمي أن يفعل كل ما يستطيع لتثبيت السلم الأهلي: ضبط الخطاب التحريضي، حماية المناطق المختلطة، منع الاستثمار السياسي في الكراهية، والتمييز الصارم بين الاعتراض على احتكار طرف لقرار الحرب وبين الانزلاق إلى معاداة جماعة اجتماعية بأكملها. فأسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تنجح الحرب الخارجية في تفجير الداخل اللبناني أيضًا. وقد شدد الرئيس جوزاف عون نفسه اليوم على أن السلم الأهلي "خط أحمر".

 

الخيار الثامن هو ربط أي مبادرة خارجية بإصلاح داخلي فعلي. ذلكَ أنَّ العالم قد يتعاطف مع لبنان، وقد يضغط لمنع تدميره الكامل، لكنه لن يستثمر جديًا في دولة لا تساعد نفسها. لهذا لا يكفي أن يطالب لبنان بوقف الحرب وبحماية سيادته، بل عليه أيضًا أن يُظهر أنه يستعيد مؤسساته، ويعيد الاعتبار للقانون، ويخرج من منطق الدولة المعطلة. فالحرب لا تعفي من الإصلاح، بل تجعل الإصلاح شرطًا للبقاء. وكلما ظهر لبنان الرسمي كسلطة تستجدي الحماية من دون أن تعيد بناء نفسها، ازداد خطر أن تتحول القضية اللبنانية إلى مجرد ملف إنساني لا قضية دولة. وتشير المواقف الأوروبية الأخيرة إلى استمرار دعم الحكومة اللبنانية في المجالين الإنساني والإصلاحي، ما يعني أن الباب ليس مغلقًا، لكنه مشروط بجدية الدولة نفسها.

من هنا يمكن القول إن الخطأ في طرح مسألة التفاوض مع إسرائيل ليس في المبدأ المجرّد وحده، بل في توقيته وصيغته ووظيفته السياسية. فحين يُطرح التفاوض من موقع دولة لا تمون بالكامل على الحرب، ولا تتحكم بالكامل بالسلم، ولا تفرض وحدها القرار العسكري على أرضها، فإنه يبدو كأنه كلام لتعويض نقص آخر. أما حين يُطرح ضمن سلّة متكاملة: وقف نار، حماية مدنيين، تثبيت مرجعية 1701، دعم الجيش، إدارة النزوح، منع التفكك الداخلي، وتحصين المؤسسات، فإنه يتحول من شعار فضفاض إلى جزء من سياسة بقاء.

 

المعضلة اللبنانية ليست إذن أن الرئيس يتكلم عن التفاوض، بل أن الدولة تكاد لا تملك ما يكفي من الدولة كي تجعل من هذا الكلام سياسة. لبنان الرسمي لا يستطيع اليوم أن يغيّر موازين القوى الكبرى، ولا أن يفرض وحده نهاية الحرب، ولا أن ينتزع من إسرائيل اعترافًا أو انسحابًا لمجرد أنه أعلن رغبته في التفاوض. لكنه يستطيع أن يفعل أمرًا أكثر تواضعًا وأكثر واقعية: أن يعيد بناء موقعه بوصفه ممثل الكيان، لا مجرد أحد المتكلمين باسمه. وهذا يبدأ من الاعتراف بأن الأولوية الآن ليست إنتاج عنوان كبير، بل منع السقوط النهائي.

في النهاية، ما يحتاجه لبنان الرسمي في زمن الحرب ليس خطابًا أكبر من قدرته، بل قدرة أكبر من خطابه. لا أن يكرر عناوين السيادة فيما السيادة موزعة، ولا أن يقفز إلى التفاوض قبل أن يستعيد حقه الحصري في القرار، بل أن يثبت أولًا أنه ما زال دولة: تدافع عن شعبها، تجمع مؤسساتها، تطلب الحماية الدولية من موقع الحق لا التبعية، وتمنع أن يُختزل وجودها بين عدوان خارجي وعجز داخلي. عندها فقط يصبح السؤال عن التفاوض سؤالًا سياسيًا جديًا. أما قبل ذلك، فهو، في جانب كبير منه، مجرد كلام يقوله بلد لم يستعد بعد القدرة على أن يقول ما يفعل، لا ما يتمنى.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث