حصرُ السّلاح في بيروت: اختبار الدولة في خضم المجزرة

بتول يزبكالخميس 2026/04/09
Image-1772451852
لا أحد في لبنان يستطيع أن يعترض على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يُمكن تجاهل ما صدر اليوم عن مجلس الوزراء. فالقرار المُتخذّ هو قرار سياسيّ ثقيل الوطأة بكلّ ما للكلمة من معنى. ففي لحظةٍ تتعرّض فيها بيروت لضرباتٍ إسرائيليّة دامية، قرّرت الحكومة أن تفتح، من داخل الجلسة، ملفًّا من أكثر الملفّات حساسيّة: حصر السّلاح في محافظة بيروت الكبرى.

القرار في ظاهره سياديّ، وهذا لا نقاش فيه. لكنّ السّياسة لا تُقرأ من ظاهرها فقط. فالتّوقيت، والصّياغة، والخلفيّة، والاعتراضات الّتي رافقته، كلّها جعلت منه أكثر من مجرّد تثبيتٍ لمبدأ احتكار الدّولة للسّلاح. إنّه، في الجوهر، إعلان انتقال إلى مرحلةٍ جديدة من إدارة العاصمة أمنيًّا، تحت سقف ضغطٍ خارجيّ معروف، وفي مناخٍ داخليّ غير متّفقٍ عليه.

فقبل أن تستقرّ الصّيغة على "حصر السّلاح"، كان النقاش قد لامس طرحًا أكثر حساسيّة، هو إعلان بيروت مدينةً منزوعة السّلاح. وعند هذه النّقطة تحديدًا، ظهر الانقسام داخل الجلسة. وزيرا "الثّنائيّ" راكان ناصر الدّين ومحمّد حيدر اعترضا بوضوح، فيما سجّل الوزير ياسين جابر جملة ملاحظات وتحفّظات. وهذا وحده يكفي للقول إنّ القرار لم يولد من توافقٍ حكوميّ كامل، بل من تسويةٍ غير مكتملة، مرّت تحت عنوان الدّولة، لكنّها بقيت معلّقةً على حوافّ الاشتباك السّياسيّ.

 

ضغطٌ قديم يعود من بوّابة الحرب

في خلفيّة القرار ما هو أبعد من جلسة بعبدا نفسها. فقبل تجدّد الحرب على لبنان في مطلع آذار، كان ثمّة ضغطٌ دوليّ يتصاعد لسحب سلاح حزب الله، وتردّدت يومها معطيات جدّيّة عن خطّةٍ لدخول الجيش اللّبنانيّ إلى الضّاحية الجنوبيّة وبسط السّيطرة عليها. المشروع لم يُنفّذ آنذاك، لكنّه لم يسقط. بقي مؤجّلًا، إلى أن أعادت الحرب، والضّغط الخارجيّ، فتحه من زاويةٍ جديدة، وفق معلومات "المدن". 

من هنا، لا يمكن فصل القرار الحكوميّ عن هذا المسار. فحين يُطلب من الجيش والقوى الأمنيّة "تعزيز بسط سيطرة الدّولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السّلاح فيها بالقوى الشّرعيّة وحدها"، فإنّ الكلام هنا يصبح تكليفًا سياسيًّا، قابلًا لأن يُترجم في الميدان، وقابلًا أيضًا لأن يُقرأ في الخارج كإشارةٍ إلى بدء التزامٍ رسميّ بمسارٍ كانت العواصم الدّوليّة تضغط في اتّجاهه منذ أسابيع.

 

ماذا قالت الحكومة فعلًا؟

في الصّياغة الرّسميّة، جمعت الحكومة بين مسارين. الأوّل خارجيّ، عبر التقدّم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدّوليّ على خلفيّة تصاعد الاعتداءات الإسرائيليّة، ولا سيّما ما جرى في بيروت يوم 8 نيسان، وما خلّفه من ضحايا مدنيّين. والثّاني داخليّ، عبر الاستناد إلى وثيقة الوفاق الوطنيّ، وقرارات مجلس الوزراء ذات الصّلة، لطلب تعزيز بسط سيطرة الدّولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السّلاح فيها بالقوى الشّرعيّة، والتشدّد في تطبيق القوانين واتّخاذ الإجراءات بحقّ المخالفين وإحالتهم إلى القضاء المختصّ.

وهذه الصّياغة، على وضوحها السّياسيّ، بقيت مفتوحةً على التّأويل التنفيذيّ. فالقرار قال ماذا يريد، لكنّه لم يقل كيف سيُنفّذ، ولا بأيّ وسائل، ولا بأيّ حدود، ولا تحت أيّ سقفٍ زمنيّ أو أمنيّ. وهنا بالضّبط تبدأ المنطقة الرّماديّة التي ستحدّد لاحقًا ما إذا كنّا أمام قرارٍ تنفيذيّ فعليّ، أم أمام عنوانٍ سياسيّ كبير لم تتشكّل بعد أدواته.

 

عمليًّا، ما الذي يمكن أن يحصل؟

من الناحية العمليّة، لا يمكن قراءة القرار خارج مجموعة إجراءاتٍ يفترض أن تتوالى إذا كانت الحكومة جادّةً في ترجمته. أوّل هذه الإجراءات هو رفع مستوى الانتشار الأمنيّ في بيروت الكبرى، وتكثيف حضور الجيش والقوى الأمنيّة في النقاط الحسّاسة ومحيطها. وثانيها تشديد الحواجز والتّفتيش والدّوريات والرّقابة على السّلاح الظّاهر وغير المرخّص. وثالثها، عند توافر معطياتٍ محدّدة، تنفيذ مداهماتٍ أو مصادراتٍ أو توقيفاتٍ بإشاراتٍ قضائيّة. أمّا رابعها، فهو وضع القضاء، ولا سيّما القضاء العسكريّ، في قلب مسار المتابعة، عبر تلقّي الإحالات والتشدّد في التّعاطي مع المخالفات.

لكنّ كلّ هذا يبقى، إلى الآن، استنتاجًا منطقيًّا من مضمون القرار، لا خلاصةً لخطةٍ معلنة. فلا مجلس الوزراء عرض آليّةً تنفيذيّةً مفصّلة، ولا الجلسة ناقشت، بحسب ما تسرّب، الخطوات العمليّة بندًا بندًا. وهذا ليس تفصيلًا. 

الاعتراض الأوضح على القرار جاء من وزير العمل، الذي قال في حديثه إلى "المدن" إنّ توقيت اتخاذه، بعد سقوط الضّحايا والشّهداء والأبرياء في الاعتداء الإسرائيليّ، يوحي وكأنّ الحكومة تقول للإسرائيليّ إنّ بيروت مدينةٌ مفتوحة، وفي قلبها سلاح، وهذا، بحسب تأكيده، "أمر غير صحيح إطلاقًا".

فبرأيه، حين يُقال "حصر السّلاح في بيروت"، يصبح المعنى الضّمنيّ أنّ العاصمة فيها واقعٌ مسلّح شبيهٌ بما هو قائمٌ على الحدود أو في مناطق الاشتباك، وهذا توصيفٌ لا يطابق الواقع. والأخطر، أنّ العبارة نفسها توحي، بنظره، وكأنّ الجيش والقوى الأمنيّة، المنتشرين أصلًا في بيروت بأعدادٍ كبيرة، لا يقومون بدورهم، وهو استنتاجٌ خاطئ ومجحف بحقّ المؤسّسات الأمنيّة، وفق قول حيدر. 

ويذهب أبعد من ذلك حين يسأل عن الشّقّ العمليّ: ما المقصود بالحصر؟ هل المقصود مداهمات؟ هل المقصود مصادرة سلاح؟ هل المقصود توقيف كلّ من يُضبط معه سلاح؟ أم أنّ المقصود مجرّد إعادة توصيفٍ لما تقوم به القوى الأمنيّة أصلًا؟ بالنسبة إليه، لم يُطرح داخل الجلسة أيّ إجراءٍ عمليّ واضح، ولم تُناقش الآليّات التنفيذيّة، ما يجعل القرار، بهذه الصّيغة، أقرب إلى رسالةٍ سياسيّة ملتبسة منها إلى خطّة أمنيّة متكاملة، كما يُشير في حديثه لـِ"المدن". 

ولهذا لم يكتفِ الوزير بإبداء الملاحظات، بل أكّد بوضوح أنّه لا يوجد رضًى عن القرار بهذه الصّيغة من جانب "الثّنائيّ"، وأنّ اعتراض الوزيرين محمّد حيدر وراكان ناصر الدّين سُجّل رسميًّا، إلى جانب ملاحظات وتحفّظات الوزير ياسين جابر.

 

وزير العدل: تثبيت سلطة الدّولة

في المقابل، يقرأ وزير العدل عادل نصّار القرار من زاويةٍ مختلفة. ففي حديثه إلى "المدن"، وضعه في إطار "تعزيز سلطة الدّولة في مدينة بيروت"، معتبرًا أنّ التّفاصيل ستتبلور أكثر في الأيّام المقبلة، مع متابعة القرارات الّتي يمكن أن تصدر لاحقًا.

لكنّ اللافت في كلام نصّار أنّه يربط المسار الأمنيّ بالمسار القضائيّ مباشرةً، مشيرًا إلى أنّ القضاء العسكريّ سيكون أمام دورٍ أساسيّ في تلقّي الإحالات والتّعاطي معها، "ربّما مع اجتهاداتٍ جديدة". وهذه الإشارة ليست هامشيّة، لأنّها توحي بأنّ القرار لا يُراد له أن يبقى في مستوى الإعلان، بل أن يفتح أمام السّلطة القضائيّة بابًا أوسع للتشدّد في ضبط المخالفات المرتبطة بحمل السّلاح أو تخزينه أو استخدامه خارج الأطر القانونيّة.

أي إنّ وزير العدل يرى القرار بوصفه نقطة انطلاقٍ لا نقطة نهاية، عنوانها: الضّبط، ثمّ الحصر، ثمّ المتابعة القضائيّة.

 

المفارقة أنّ أحدًا في لبنان لا يستطيع، علنًا على الأقلّ، أن يعترض على مبدأ حصر السّلاح بيد الدّولة. فهذا مبدأ مؤسّس في اتّفاق الطّائف، وفي أدبيّات السّلطة، وفي جوهر فكرة الدّولة نفسها.  ففي لحظةٍ تتعرّض فيها بيروت لعدوانٍ إسرائيليّ دامٍ، بدا للبعض أنّ الحكومة ترسل إلى الخارج، بقصدٍ أو من دونه، إشارةً قابلةً لأن تُستخدم ضدّ لبنان نفسه، عبر الإيحاء بأنّ العاصمة تحتاج أصلًا إلى "حصر سلاح"، بما يوفّر مادّةً سياسيّةً إضافيّةً للسّرديّة الإسرائيليّة. وفي المقابل، رأى آخرون أنّ هذه هي اللحظة الأكثر ملاءمةً لتأكيد أنّ الدّولة وحدها صاحبة الصّلاحيّة، وأنّ أيّ تراجعٍ عن هذا المبدأ تحت ضغط الحرب يعني تكريس واقعٍ لا يمكن أن يستقيم معه أيّ مشروع دولة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث