الحرب على لبنان: نتيناهو فتح باب المفاوضات.. لكن حربه مستمرة

المدن - سياسةالخميس 2026/04/09
Image-1775725307
حجم الخط
مشاركة عبر

في تطوّرٍ سياسيٍّ لافتٍ، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو أنّه أصدر تعليماته إلى مجلس الوزراء لبدء مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع لبنان "في أقرب وقتٍ ممكن"، وذلك، وفق قوله، "في ضوء المطالبات المتكرّرة من لبنان ببدء مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل".

وقال نتنياهو إنّ هذه المفاوضات ستركّز على "نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقاتٍ سلميّةٍ بين إسرائيل ولبنان"، مضيفًا أنّ إسرائيل "تثمّن دعوة رئيس الوزراء اللبنانيّ اليوم إلى نزع سلاح بيروت".

في المقابل، نقلت "بي بي سي" عن مصدرٍ مقرّبٍ من رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة أنّ الخيار الرسميّ للبنان هو المفاوضات، لكنّ "الأساس في البداية هو وقف إطلاق النّار". 

وأشارت تقارير إعلاميّةٌ أميركيّةٌ إلى دخول واشنطن على خطّ ضبط الإيقاع الميدانيّ. فقد نقلت "القناة 13" الإسرائيليّة عن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّ نتنياهو "سيخفّف وتيرة قصف لبنان".

كذلك، أفاد تقريرٌ لشبكة "NBC" بأنّ ترامب طلب من نتنياهو تقليص الهجمات في لبنان، من أجل المساعدة في إنجاح المفاوضات مع إيران.

دخل لبنان، اليوم، في حال حدادٍ عامٍّ وتنكيسٍ للأعلام على أرواح ضحايا الهجمات الإسرائيليّة، بعدما تصاعد الجدل حول استثناء لبنان من اتّفاق وقف إطلاق النّار الذي تمّ التوصّل إليه بوساطةٍ باكستانيّة بين إيران والولايات المتّحدة.

وأعلن مندوب باكستان بمجلس الأمن "لا أعلم لماذا ظهر التباس بشأن شمول لبنان بالاتفاق لأنه كان جزءا من البيان بشكل واضح".

وفي هذا السّياق، عقد مجلس الوزراء جلسةً في قصر بعبدا، أعلن في أعقابها رئيس الحكومة نواف سلام أنّه تقرّر "تقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي عن تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية، ولا سيّما ما حصل أمس في لبنان، خصوصًا في العاصمة بيروت، وهو ما أدّى إلى وقوع ضحايا بين المدنيين".

وأضاف سلام: "تقرّر الطلب إلى الجيش والقوى الأمنيّة المباشرة فورًا في تعزيز بسط سيطرة الدولة في العاصمة بيروت وحصر السلاح فيها".

 

إنذاراتٌ جديدةٌ للضّاحية

ميدانيًّا، جدّد المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، عصر اليوم، إنذاره إلى الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، مهدّدًا منطقة الجناح للمرّة الأولى. وجاء في التحذير توسيع نطاق الإنذار ليشمل: حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدث، برج البراجنة، تحويطة الغدير، الشياح، والجناح.

ويأتي هذا التهديد في وقتٍ تتواصل فيه الهجمات الإسرائيليّة بكثافة على مناطق مختلفةٍ في لبنان، مسفرةً عن سقوط عددٍ من الشهداء والجرحى، في ظلّ غاراتٍ جوّيّةٍ متواصلةٍ طاولت مساحاتٍ واسعةً خلال السّاعات الأخيرة. ويعقب ذلك يومًا دامياً شهد مئات القتلى والمصابين جرّاء غاراتٍ مكثّفة، فيما استمرّ القصف منذ ساعات الصباح بوتيرةٍ مرتفعة.

 

حزب الله يردّ: الصّواريخ تعود بعد الهدنة

في المقابل، أعلن حزب الله، الخميس، إطلاق أولى دفعاته الصاروخيّة باتّجاه إسرائيل، في أوّل هجومٍ منذ إعلان اتّفاق وقف إطلاق النّار بين الولايات المتّحدة وإيران. ودوّت صافرات الإنذار في مناطق من الجليل عقب رصد إطلاق صاروخٍ من الأراضي اللبنانيّة، بحسب الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة.

وأكد حزب الله تبنّيه للهجوم، مشدّدًا على أنّ الرّدّ جاء على "خرق العدو لاتفاق وقف إطلاق النار"، في إشارةٍ إلى الغارات الإسرائيليّة المكثّفة، ومتوعّدًا بمواصلة الرّد "حتى يتوقّف العدوان الإسرائيلي والأميركي على لبنان وشعبه".

 

حصيلةٌ ثقيلةٌ 

وكانت إسرائيل قد كثّفت غاراتها، الأربعاء، مستهدفةً نحو 100 موقع خلال عشر دقائق فقط، ما أدّى إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، وفق ما أعلن الدفاع المدنيّ اللبنانيّ، الذي قال إنّ حصيلة الاعتداءات منذ 2 آذار/مارس حتى 8 نيسان/أبريل بلغت 1739 شهيدًا و5873 جريحًا.

وفي هذا الإطار، أعلن رئيس الحكومة اللبنانيّة نواف سلام يوم الخميس يوم حدادٍ وطنيٍّ على ضحايا الهجمات، في وقتٍ يتواصل فيه الجدل بشأن شمول لبنان في الهدنة، بين تأكيدٍ إيرانيٍّ، لبنانيٍّ على ذلك، ونفيٍ إسرائيليٍّ، مع استمرار العمليّات العسكريّة.

أمّا أمس، فقد عاش لبنان واحدًا من أصعب أيّامه، إذ لفّه العدوان الإسرائيليّ بسلسلة غاراتٍ عنيفةٍ اتّهمت باتّباع منهجيّة تدمير المباني فوق قاطنيها، بذريعة استهداف عناصر من حزب الله. وكانت بيروت صاحبة النصيب الأكبر من هذا العدوان، الذي توزّع أيضًا على البقاع والجنوب، وأسفر، في حصيلةٍ غير نهائيّة، عن 254 شهيدًا و1165 جريحًا، بينهم 92 شهيدًا و742 جريحًا في بيروت، و61 شهيدًا و200 جريحٍ في الضّاحية الجنوبيّة.

 

نتنياهو يصعّد وطهران تحذّر

في المقابل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو تصعيدًا جديدًا، قائلًا اليوم: "سنواصل ضرب حزب الله في كل مكان مطلوب حتى نعيد الأمن الكامل إلى سكان الشمال". وأضاف: "قتلنا في بيروت علي يوسف خرشي، السكرتير الشخصي للأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، وأحد أقرب الناس إليه".

ومن جهته، قال الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان إنّ "اعتداء الكيان الصهيونيّ المتكرّر على لبنان هو انتهاكٌ صارخٌ لاتفاق وقف إطلاق النار الأوّليّ، ومؤشّرٌ خطيرٌ على الخداع وعدم الالتزام بالاتفاقات المحتملة. مواصلة هذه الاعتداءات ستجعل التفاوض بلا معنى، وأيدينا ستبقى على الزّناد، ولن تتخلّى إيران عن إخوتها وأخواتها اللبنانيّين قطّ".

 

الجيش الإسرائيليّ: هكذا فشلت عملية حصر السلاح

نشر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، عبر منصّة "إكس"، بيانًا قال فيه إنّ عمليّة حصر السّلاح جنوب نهر اللّيطاني التي أعلن عنها الجيش اللّبنانيّ "فشلت"، وذلك "بالأرقام والوقائع"، بحسب تعبيره.

وقال إنّه في 8 كانون الثاني 2026 أعلن الجيش اللّبنانيّ "إنجاز المرحلة الأولى من عمليّة حصر السّلاح"، وادّعى أنّه "أكمل تجريد المنطقة الواقعة جنوب نهر اللّيطاني من السّلاح بنجاح"، مضيفًا: "كنّا نشكّ في مصداقيّة هذا الإعلان، واليوم بات واضحًا أنّ هذا الإعلان لم يكن إلّا كذبًا مطلقًا".

وأضاف أنّ "حزب الله أطلق منذ بداية الحرب ما يقارب 3000 قذيفةٍ صاروخيّةٍ وصاروخٍ من المنطقة الواقعة جنوب نهر اللّيطاني".

وأشار إلى أنّ "أبرز القرى الجنوبيّة التي استخدمها عناصر حزب الله منصّةً لإطلاق الصواريخ والقذائف" هي: ياطر، القليلة، كفرا، برعشيت، جويا، خربة سلم، الطيري، شقرا، مجدل زون، وبنت جبيل.

وتابع أنّ هذه المعطيات "تعتبر أكبر دليلٍ على الفشل الفادح لعمليّة حصر السّلاح في نزع سلاح حزب الله وفي تطهير المنطقة من بناه التحتيّة".

وقال أيضًا إنّ "حزب الله واصل خداع الدولة اللّبنانيّة والجيش اللّبنانيّ، وهو يجرّ الدولة اللّبنانيّة إلى معركةٍ خدمةً للمصالح الإيرانيّة".

وأضاف أنّ ما يدلّ، بحسب قوله، على "الفشل الفادح للجيش اللّبنانيّ" هو أنّه "فشل في منع انتقال مخربي حزب الله إلى جنوب نهر اللّيطاني، حيث عبروا النهر بحرّيّة عبر الجسور والمعابر الرئيسيّة التي استخدموها سواءً للانتقال إلى الجنوب أو لنقل الوسائل القتاليّة من شمال لبنان إلى جنوبه".

وختم المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بالقول إنّ "جيش الدفاع سيواصل أعماله الحازمة والقويّة في المنطقة ضدّ حزب الله الإرهابيّ وضدّ بناه التحتيّة الإرهابيّة".

 

ضغطٌ إنسانيٌّ وتحذيراتٌ دوليّة

إنسانيًّا، ندّدت اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر بـ"الموت والدمار" في مناطق ذات كثافةٍ سكانيّةٍ في لبنان، بعد ضرباتٍ عنيفةٍ شنّتها إسرائيل، مشيرةً في بيانٍ إلى أنّ أسلحةً متفجّرةً ثقيلةً ذات آثارٍ واسعة النطاق أصابت أحياءً سكنيّةً مكتظّة، بما فيها العاصمة بيروت، من دون إنذاراتٍ مسبقة.

وجاء في بيان اللجنة: "أي اتفاق شامل بشأن المنطقة يجب أن يأخذ في الاعتبار سلامة المدنيين في لبنان وحمايتهم وكرامتهم"، لافتةً إلى أنّ الناس يحتاجون "بإلحاح إلى متنفّس من العنف بعد أكثر من خمسة أسابيع من الأعمال القتالية".

وأشارت اللجنة إلى أنّ الصليب الأحمر اللبنانيّ أرسل 100 سيّارة إسعافٍ لإجلاء الشهداء ونقل الجرحى إلى المستشفيات في أنحاء البلاد، موضحةً أنّ المرافق الطبيّة المكتظّة أصلًا اضطرّت إلى التّعامل مع تدفّق المصابين، فيما لا يزال بعض الأشخاص محاصرين تحت الأنقاض.

بدورها، قالت منظّمة "أطبّاء بلا حدود" إنّ فرقها تستجيب لتدفّقٍ جماعيٍّ للمصابين، من بينهم أطفال، في مستشفى رفيق الحريري الحكوميّ الجامعيّ في بيروت.

وقال كريستوفر ستوكس، منسّق الطوارئ في المنظّمة: "يصل أشخاص مصابون بشظايا ونزف حاد. وصل شخص إلى المستشفى وقد فقد ساقيه. الوضع فوضوي مع وصول المزيد من الأشخاص". وأضاف: "هذه الضربات العشوائية على مناطق مأهولة بعدد كبير من السكان غير مقبولة بتاتًا". وتابع: "يجب أن تتوقف الهجمات المستمرة على المدنيين، ويجب أن يتوقف التهجير القسري المتكرر للسكان، وهو أمر يعدّ جريمة حرب".

 

فشل الاتّفاق أم سقوطه في الامتحان اللبنانيّ؟

سياسيًّا، لم يكن وضع لبنان أفضل حالًا. فبينما بدت السلطة غائبةً عن الاتّفاق وآخر من علم ببنوده، جاءت المفاجأة بإعلان إسرائيل أنّ الاتّفاق بين إيران والولايات المتّحدة لا يشمل لبنان، وكرّست ذلك عمليًّا بتنفيذ أكثر من مئة غارةٍ خلال عشر دقائق، ثمّ واصلت عدوانها ليلًا ليطال الضّاحية الجنوبيّة وقرى وبلدات قضاء النبطيّة.

وفي هذا السّياق، أعلن حزب الله استهدافه مستوطنة المنارة بصليةٍ صاروخيّة ردًّا على خرق الجيش الإسرائيليّ اتّفاق وقف إطلاق النّار، متوعّدًا باستمرار الرّد إلى حين توقّف العدوان على لبنان. كما أعلنت وكالة "تسنيم" الإيرانيّة ليلًا إعادة إغلاق مضيق هرمز، مشيرةً إلى أنّ أعدادًا هائلةً من السّفن عالقةٌ في المضيق، ومهدّدةً بخروج إيران من الاتّفاق إذا استمرّ العدوان الإسرائيليّ على لبنان.

 

خريطة الغارات

وشنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ سلسلة غاراتٍ واسعةٍ استهدفت مناطق متعدّدةً في جنوب لبنان، ولا سيّما بنت جبيل والنبطيّة وقرى قضائها، إضافةً إلى صيدا وصور ومحيطهما، حيث طالت الضربات بلدات كفررمان، جبشيت، حاروف، زبدين، عربصاليم، وأنصار، وصولًا إلى الساحل في القليلة، عدلون، والحنية.

وامتدّت الغارات لتشمل مناطق في البقاع وبعلبك، بينها دورس، شمسطار، الهرمل، سهل طاريا، سحمر، ومشغرة، في وقتٍ لم تسلمْ فيه الضّاحية الجنوبيّة لبيروت من الاستهداف، إذ طالت الغارات الأوزاعي، بئر حسن، حيّ السّلم، برج البراجنة، إضافةً إلى أحياءٍ في بيروت مثل المصيطبة، البسطة، وعين التينة.

وفي جبل لبنان، استهدفت مناطق الشويفات، عرمون، بشامون، وسوق الغرب، وسط تصعيدٍ لافتٍ في وتيرة القصف واتّساع رقعته الجغرافيّة.

وبالتوازي، نفّذ الطيران المسيّر غاراتٍ على عددٍ من البلدات الجنوبيّة، أبرزها صيدا، قانا، صديقين، والقاسميّة، فيما تواصل القصف المدفعيّ على مناطق حدوديّةٍ عدّة، بينها عيتا الجبل، تبنين، الخيام، ووادي الحجير.

 

في ضوء هذا المشهد، يتقدّم سؤالٌ داخليٌّ ملحٌّ حول ما إذا كانت الحكومة اللبنانيّة، برئاسة نواف سلام، ستذهب إلى ما هو أبعد من الشكوى أمام مجلس الأمن، نحو مسارٍ قضائيٍّ دوليٍّ لملاحقة إسرائيل على ما يوصف بأنّه جرائم حربٍ ارتكبت بحقّ لبنان واللبنانيّين.

وبين الحداد الرسميّ، والتصعيد العسكريّ، والضغوط الدبلوماسيّة، يبدو أنّ لبنان يقف اليوم عند مفترقٍ بالغ الخطورة: إمّا أن يفرض شموله بأيّ تهدئةٍ مقبلة، وإمّا أن يبقى ساحةً مفتوحةً للنّار، خارج الحسابات المعلنة وداخل وقائع الحرب اليوميّة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث