في مشهدٍ إقليميٍّ شديد الهشاشة، حضر لبنان في الخطاب الإيرانيّ الصّادر اليوم بوصفه معيارًا مباشرًا لصدقيّة أيّ اتّفاقٍ لوقف إطلاق النّار، لا مجرّد ساحةٍ جانبيّةٍ في الحرب. فمن رئاسة الجمهوريّة الإيرانيّة إلى رئاسة مجلس الشورى، وصولًا إلى وزارة الخارجيّة، بدا الموقف الإيرانيّ موحّدًا على قاعدةٍ واحدة: لا تهدئة قابلةً للحياة إذا بقي لبنان خارجها.
وفي هذا السّياق، أشارت الخارجيّة الإيرانيّة إلى أنّ توجّه بعثة إيران إلى باكستان يبقى مشروطًا بوقف الهجوم الإسرائيليّ على لبنان، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أنّ طهران تربط بين مسار التفاوض ومسار الميدان ربطًا مباشرًا لا يحتمل الالتباس.
من جهته، أعلن مكتب رئيس الوزراء الباكستاني أنّ رئيس الوزراء اللبناني طلب دعم إسلام آباد لوقف فوري للهجمات التي تستهدف لبنان.
ونقلت صحيفة "طهران تايمز" عن مصدر أمني إيراني إنّه "إذا لم تتوقف الهجمات على لبنان فلن تكون هناك أي مفاوضات".
جهودٌ دبلوماسيّةٌ
تتواصل اليوم، الخميس، الجهود الدبلوماسيّة لإنقاذ وقف إطلاق النّار بين الولايات المتّحدة وإيران، في ظلّ تصاعد التوتّرات عقب الهجمات الإسرائيليّة المتزايدة على لبنان، واتهاماتٍ إيرانيّةٍ بخرق التفاهمات، ما يضع المسار التفاوضيّ برمّته أمام اختبارٍ حاسمٍ خلال السّاعات المقبلة.
وبحسب مصادر إيرانيّةٍ مطّلعةٍ تحدّثت إلى "العربي الجديد"، فإنّ الوسيط الباكستانيّ وأطرافًا أخرى يجرون "جهودًا دبلوماسيّةً مكثّفةً" لاحتواء التّصعيد، فيما يستمرّ تبادل الرّسائل بين طهران وواشنطن عبر إسلام آباد، مع تركيزٍ إيرانيٍّ على ضرورة التزام الولايات المتّحدة بكامل بنود تفاهم وقف إطلاق النّار المؤقّت.
طهران: لا مشاركة فعليّةً
وفي ظلّ هذه الأجواء المتوتّرة، أعلنت إيران أنّ وفدها سيتوجّه إلى محادثات السّلام في إسلام آباد اليوم، لكنّه لن يشارك فعليًّا في المفاوضات المقرّرة في نهاية الأسبوع ما لم تتوقّف الهجمات الإسرائيليّة على لبنان، بحسب ما أكّد المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الإيرانيّة إسماعيل بقائي.
وأضاف بقائي أنّ "أيّ سلامٍ في المنطقة يجب أن يشمل لبنان"، معتبرًا أنّ السّاعات المقبلة ستكون "حاسمةً" لمعرفة ما إذا كان بالإمكان "كبح جماح إسرائيل" في ظلّ التّصعيد المستمرّ. وأشار إلى أنّ إيران "كانت على وشك الرّدّ الليلة الماضية"، لكنّها امتنعت عن ذلك لإتاحة المجال أمام جهودٍ دبلوماسيّةٍ إضافيّة.
وتكشف هذه الرّسالة أنّ طهران لا تنظر إلى لبنان بوصفه ملفًّا ثانويًّا، بل باعتباره شرطًا تأسيسيًّا لأيّ تهدئةٍ إقليميّة، وأنّ أيّ تجاهلٍ للسّاحة اللبنانيّة قد يقود إلى تعثّر المفاوضات من أساسها.
وقال مستشار مجلس الشورى الايراني في الشوؤن الاستراتيجيّة مهدي محمدي إنّه و"من دون كبح الكيان الإسرائيلي في لبنان فلن يكون هناك أي وقف لإطلاق النار أو مفاوضات والصواريخ على أهبة الإطلاق" وأضاف: "يجب تثبيت معادلة "مصير واحد لكل أجزاء جبهة المقاومة" كجزء من النظام الإقليميّ الجديد بعد انتصار إيران"، وختم بالقول: :إن ثبتت معادلة "مصير واحد لكل أجزاء جبهة المقاومة" بالحسنى كان به وإلا فبالحرب".
بزشكيان: التّفاوض يفقد معناه
من جهته، قال الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان إنّ "اعتداء الكيان الصهيونيّ المتكرّر على لبنان هو انتهاكٌ صارخٌ لاتّفاق وقف إطلاق النّار الأوّليّ، ومؤشّرٌ خطيرٌ على الخداع وعدم الالتزام بالاتّفاقات المحتملة. ومواصلة هذه الاعتداءات ستجعل التفاوض بلا معنى، وأيدينا ستبقى على الزّناد، ولن تتخلّى إيران عن إخوتها وأخواتها اللبنانيّين قطّ".
وبهذا الموقف، وضع بزشكيان الملفّ اللبنانيّ في صدارة اختبار النّيّات السّياسيّة، معتبرًا أنّ أيّ مسارٍ تفاوضيٍّ لا يوقف الاعتداءات على لبنان يفقد جوهره ومعناه.
قاليباف: لبنان جزءٌ لا يتجزّأ
بدوره، شدّد رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ محمد باقر قاليباف على أنّ "لبنان وجبهة المقاومة بأكملها حلفاء لإيران، وجزءٌ لا يتجزّأ من وقف إطلاق النّار، وهي النّقطة الأولى من النّقاط العشر".
وقال قاليباف إنّ رئيس الوزراء الباكستانيّ شهباز شريف طرح هذه المسألة "بوضوحٍ وعلانيّة"، مؤكّدًا أنّه "لا مجال للإنكار أو التراجع" بشأن إدراج لبنان ضمن الاتّفاق. وأضاف أنّ خروق وقف إطلاق النّار "تحمل كلفةً واضحةً وتستدعي ردودًا قويّة"، داعيًا إلى "إطفاء النّار فورًا"، ومحذّرًا من تداعيات استمرار الانتهاكات على مسار التهدئة.
وفي موقفٍ آخر، أكّد قاليباف أنّ خرق ثلاثة بنودٍ رئيسيّةٍ من الإطار المتّفق عليه مع واشنطن يجعل وقف إطلاق النّار والمفاوضات "بلا معنى"، محدّدًا هذه الخروق في استمرار الهجمات على لبنان، وانتهاك الأجواء الإيرانيّة، ورفض الاعتراف بحقّ طهران في تخصيب اليورانيوم.
قلقٌ إيرانيٌّ من واشنطن
وأوضحت مصادر "العربي الجديد" أنّ طهران تربط مشاركتها في مفاوضات باكستان بوقف الهجمات على لبنان، والحصول على التزامٍ أميركيٍّ فعليٍّ ببنود الاتّفاق، مشيرةً إلى أنّها تلقّت "وعودًا" في هذا السّياق، لكنّها تراقب التّطوّرات ميدانيًّا قبل اتّخاذ قرارها النّهائيّ بشأن الانخراط في المحادثات.
وأكدت المصادر أنّ السّاعات المقبلة "حاسمة" في تحديد ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم وقف إطلاق النّار في لبنان، محذّرةً من أنّ إيران "عازمةٌ على الرّدّ" في حال استمرار الخروق، في وقتٍ طلب فيه الوسيط الباكستانيّ مهلةً إضافيّةً لمحاولة احتواء الموقف ومنع انهيار التفاهم.
وفي السّياق نفسه، أشارت المصادر إلى أنّ التّصريحات الأميركيّة الأخيرة ساهمت في تعميق انعدام الثّقة لدى طهران، وزادت من شكوكها بشأن جدوى المفاوضات، خصوصًا في ظلّ التباين بين المواقف المعلنة والتفاهمات التي جرى التوصّل إليها عبر الوساطة.
كما كشف مصدرٌ رفيعٌ في الخارجيّة الباكستانيّة أنّ موقف الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي استثنى لبنان من اتّفاق التهدئة، كان "صادمًا جدًّا" للوسيط الباكستانيّ، موضحًا أنّ إسلام آباد طرحت مرارًا ضرورة شمول لبنان ضمن الاتّفاق، وأنّ طهران رفضت أيّ تفاهمٍ لا يشمل جميع الجبهات، بما فيها لبنان واليمن.
وبيّن المصدر أنّ الوسيط الباكستانيّ كان قد تلقّى تأكيداتٍ أميركيّةً سابقةً بشمول لبنان في وقف إطلاق النّار لمدّة أسبوعين، إلّا أنّ واشنطن "تنصّلت بشكلٍ مفاجئ" من هذا البند، وربّما من بنودٍ أخرى، ما أثار استغراب الجانب الباكستانيّ وهدّد مسار الوساطة.
تهديدٌ بالرّدّ
من جانبه، توعّد قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوريّ الإيرانيّ إسماعيل قاآني بـ"عقوبةٍ صعبةٍ باعثةٍ للنّدم تنتظر العدو"، في إشارةٍ إلى الهجمات على لبنان، معتبرًا أنّ "المجاهدين" في جبهة المقاومة "لقّنوا أعداء البشريّة دروسًا تجعلهم نادمين"، وفق تعبيره.
ويعكس هذا الخطاب أنّ التهديد بالرّدّ لا يزال حاضرًا في خلفيّة التفاوض، وأنّ الدبلوماسيّة الجارية لا تلغي منطق القوّة، بل تؤجّله ريثما تتّضح نتائج السّاعات الحاسمة.
إسلام آباد تستعدّ..
وفي وقتٍ سابقٍ اليوم، حذف سفير إيران لدى باكستان، رضا أميري مقدّم، منشورًا له على منصّة "إكس" حول وصول وفدٍ إيرانيٍّ إلى إسلام آباد مساء الخميس تمهيدًا لمحادثاتٍ مع الولايات المتّحدة، إذ وصفت هذه الخطوة بأنّها سابقةٌ لأوانها، وفق ما قاله مسؤولٌ في السّفارة لوكالة "فرانس برس".
وكان السفير قد كتب صباح الخميس عبر "إكس": "على الرغم من تشكيك الرأي العامّ الإيرانيّ بسبب انتهاكات وقف إطلاق النّار المتكرّرة من جانب النّظام الإسرائيليّ بهدف تخريب المبادرة الدبلوماسيّة التي دعا إليها رئيس الوزراء شهباز شريف، يصل الوفد الإيرانيّ الليلة إلى إسلام آباد لإجراء محادثاتٍ جادّةٍ بناءً على النّقاط العشر التي اقترحتها إيران".
وأفاد مسؤولٌ في السّفارة الإيرانيّة في إسلام آباد بأنّ المنشور أزيل "بسبب مشاكل"، مضيفًا، ردًّا على استفساراتٍ أخرى، أنّ "التوقيت... لم يكن يجدر بنا بثّه"، في إشارةٍ إلى حساسيّة اللحظة السياسيّة والدبلوماسيّة.
في موازاة ذلك، أقرّت واشنطن وطهران وقفًا لإطلاق النّار، على أن تعقدا محادثاتٍ اعتبارًا من الجمعة في باكستان بغية التوصّل إلى اتّفاقٍ طويل الأمد. وأعلن البيت الأبيض أنّه كلّف نائب الرئيس الأميركيّ جاي دي فانس بالمفاوضات في إسلام آباد "في نهاية هذا الأسبوع".
كما أعلنت السلطات الباكستانيّة يومي الخميس والجمعة عطلةً رسميّةً في إسلام آباد. ولم تقدّم أيّ مسوّغاتٍ لقرارها، غير أنّ مثل هذه التّدابير تتّخذ غالبًا لدواعٍ أمنيّةٍ تمهيدًا لانعقاد فعاليّاتٍ دبلوماسيّةٍ مهمّة.
خلاصة الخطاب الإيرانيّ اليوم أنّ طهران لا ترى في لبنان مجرّد تفصيلٍ تفاوضيٍّ، بل تعتبره معيارًا لجدّيّة أيّ وقفٍ لإطلاق النّار، وحدًّا فاصلًا بين هدنةٍ قابلةٍ للبقاء وهدنةٍ مهدّدةٍ بالانهيار منذ يومها الأوّل. وفي هذا الإطار، يبدو أنّ لبنان بات، في الحسابات الإيرانيّة، في قلب الاشتباك السّياسيّ والدبلوماسيّ، لا على هامشه.
