تتّجه المؤشّرات السّياسيّة والميدانيّة إلى تكريس فصل الجبهة اللّبنانيّة عن اتّفاق وقف إطلاق النّار المُعلَن بين إيران من جهة، والولايات المتّحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى، في وقتٍ تتواصل فيه الضّربات الإسرائيليّة على لبنان، وسط مواقف أميركيّة توحي بأنّ هذا المسار لا يُعدّ، حتّى الآن، تهديدًا مباشراً للتفاهم الأوسع.
ونقل موقع "أكسيوس" عن المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، تأكيدها أنّ لبنان ليس جزءًا من اتّفاق وقف إطلاق النّار مع إيران، في موقفٍ حاسمٍ حيال استبعاد السّاحة اللّبنانيّة من التفاهم المُعلَن.
وفي مقابلةٍ أجرتها الصّحافيّة ليز لاندرز مع الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لصالح "هيئة البثّ الأميركيّة"، سألته عن استمرار قصف لبنان، وما إذا كان قد اطّلع على ذلك، فأجاب: "نعم، لم يتمّ إدراجه في الاتّفاق".
وعند سؤاله عن سبب ذلك، وما إذا كان ينبغي أن يكون لبنان ضمنه، قال ترامب: "بسبب حزب الله، لم يتمّ إدراجه في الاتّفاق، سيتمّ التّعامل مع ذلك أيضًا، لا بأس".
كما سألته لاندرز عمّا إذا كانت واشنطن توافق على استمرار الضّربات الإسرائيليّة، فردّ بالقول: "هذا جزء من الاتّفاق، الجميع يعلم ذلك، هذا اشتباك منفصل".
وأضاف البيت الأبيض: "موضوع لبنان سيُبحث بين ترامب ونتنياهو ولكن حتى الآن لبنان ليس مشمولاً بالاتفاق".
وأشار مراسل القناة 12 الإسرائيلية، عبر حسابه على منصة "إكس": "خلف الكواليس: أفاد مسؤول أمريكي رفيع بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أثار ملف لبنان خلال اتصال هاتفي مع الرئيس دونالد ترامب، وذلك قبيل الإعلان عن وقف إطلاق النار. وأشار مسؤول أمريكي وآخر إسرائيلي إلى أن ترامب ونتنياهو اتفقا خلال الاتصال على إمكانية استمرار القتال في لبنان".
وأضاف: "أوضح المسؤول الأمريكي أن البيت الأبيض لا يبدي في الوقت الراهن قلقًا من أن يؤدي الوضع في لبنان إلى انهيار وقف إطلاق النار مع إيران."
وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن: "الإيرانيون ظنوا أن اتفاق وقف إطلاق النار يشمل لبنان وهو ليس كذلك".
في المقابل، رفع وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي سقف الموقف الإيرانيّ، مؤكّدًا أنّ على واشنطن أن تختار بين وقف إطلاق النّار أو استمرار الحرب عبر إسرائيل، وأنّه "لا يمكنها الجمع بينهما"، في تصريحٍ يعكس تمسّك طهران بترابط مسارات المواجهة في المنطقة.
كما أكّد البيت الأبيض أنّ "الخطّة المؤلّفة من عشر نقاط" التي نشرتها إيران ليست هي نفسها الخطّة التي يجري بحثها مع الولايات المتّحدة، في إشارةٍ إلى تباينٍ واضح بين ما يُتداوَل إعلاميًّا وما يُناقَش فعليًّا في القنوات السّياسيّة.
مضيق هرمز يدخل على خطّ التّصعيد
وفي تطوّرٍ يعكس ترابط الجبهات الإقليميّة، أفادت وسائل إعلامٍ إيرانيّة بتوقّف حركة ناقلات النّفط في مضيق هرمز عقب الضّربات الإسرائيليّة التي استهدفت لبنان، قبل أن يُعاد فتح الممرّ جزئيًّا مع دخول وقف إطلاق النّار حيّز التّنفيذ.
ونقلت وكالة "فارس" شبه الرّسميّة، المرتبطة بالحرس الثّوريّ الإيرانيّ، أنّ حركة عبور ناقلات النّفط عبر المضيق توقّفت يوم الأربعاء على خلفيّة الهجمات الإسرائيليّة على الأراضي اللُّبنانيّة. وأشار التّقرير إلى أنّ حركةً محدودةً للسّفن عادت صباح اليوم، بعد إعلان الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب التوصّل إلى اتّفاقٍ مؤقّتٍ لوقف إطلاق النّار، إذ سمحت طهران لناقلتَين فقط بالمرور الآمن عبر المضيق.
"أكسيوس": تفاهم أميركيّ - إسرائيليّ
وفي السّياق نفسه، نقل "أكسيوس" عن مسؤولٍ أميركيّ وآخر إسرائيليّ أنّ ترامب ونتنياهو اتّفقا، خلال مكالمةٍ هاتفيّة، على إمكانيّة استمرار القتال في لبنان، بما ينسجم مع المواقف المعلنة بشأن الفصل بين الجبهتَين الإيرانيّة واللّبنانيّة.
كما نقل الموقع نفسه عن مسؤولٍ أميركيّ قوله إنّ البيت الأبيض "ليس قلقًا حاليًّا" من أنّ الوضع في لبنان سيؤدّي إلى انهيار وقف إطلاق النّار مع إيران، في ما يعكس تقديرًا أميركيًّا بأنّ التّصعيد على الجبهة اللّبنانيّة لا يزال، من وجهة نظر واشنطن، ضمن حدود الاشتباك المنفصل.
وفي موازاة ذلك، أكّد البيت الأبيض أنّ "الخطّة المؤلّفة من عشر نقاط" التي نشرتها إيران ليست هي نفسها الخطّة التي يجري بحثها مع الولايات المتّحدة، في إشارةٍ إلى تباينٍ واضح بين ما يُتداوَل إعلاميًّا وما يُناقَش فعليًّا في القنوات السّياسيّة.
إسرائيل تُشدّد على فصل جبهتَي لبنان وإيران
من جهته، قال وزير الأمن الإسرائيليّ إنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصرّ على فصل جبهتَي لبنان وإيران، بما يُكرّس المقاربة الإسرائيليّة القائمة على إبقاء السّاحة اللّبنانيّة خارج أيّ تفاهمٍ مرتبطٍ بالمواجهة مع طهران.
وأضاف يسرائيل كاتس أنّ "مئاتٍ من عناصر حزب الله" استُهدفوا "بضربةٍ مفاجئة" داخل مقرّاتٍ في أنحاء لبنان، واصفًا العمليّة بأنّها "أكبر ضربةٍ مركّزة" يتعرّض لها الحزب منذ "عمليّة البيجر".
وتابع: "لقد حذّرنا نعيم قاسم من أنّ حزب الله سيدفع ثمنًا باهظًا جدًّا على مهاجمة إسرائيل بتكليفٍ من إيران، وسيأتي أيضًا دوره الشّخصيّ".
وفي تصعيدٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ موازٍ، هاجم وزير الخارجيّة الإسرائيليّ المسؤولين اللّبنانيّين في منشورٍ على منصّة "إكس"، متّهمًا رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة بالعجز عن التّصدّي لـ"حزب الله"، ومعتبرًا أنّ إسرائيل تقوم بما كان يفترض بالدّولة اللّبنانيّة أن تقوم به.
وقال الوزير الإسرائيليّ: "لا يخجل رئيس لبنان ورئيس حكومته من مهاجمة إسرائيل بسبب قيامها بما كان ينبغي عليهما القيام به، توجيه ضربة إلى حزب الله".
وأضاف: "فبعد آلاف الهجمات التي انطلقت من أراضيهما ضدّ إسرائيل، لا يقدّمان أيّ اعتذار، بل يطرحان مطالب".
وتابع متّهمًا السّلطات اللّبنانيّة بالتّقصير في تنفيذ التزاماتها: "لم يقوما بنزع سلاح حزب الله، ولم يفعلا شيئًا لمنعه من إطلاق النّار على إسرائيل. لقد كذبا حين ادّعيا أنّهما قاما بنزع السّلاح في المنطقة حتّى نهر الليطاني".
وفي لهجةٍ تصعيديّة، قال: "والآن، يتعيّن علينا أن نقوم بذلك بدلًا منهما".
كما هاجم مشاركة وزراء من "حزب الله" في الحكومة اللّبنانيّة، مشيرًا إلى استمرار الحضور الإيرانيّ في بيروت، وقال: "ولا يزال وزراء من حزب الله يشاركون في الحكومة اللّبنانيّة، فيما يواصل السّفير الإيرانيّ وجوده في بيروت، متحدّيًا علنًا قراراتهم".
وختم منشوره بدعوةٍ مباشرةٍ إلى السّلطات اللّبنانيّة للتحرّك، قائلًا: "لقد حان الوقت لبدء التّحرّك ضدّ حزب الله، بالأفعال لا بالأقوال. وإن كنتم غير قادرين على ذلك، فعلى الأقلّ لا تعرقلوا الطّريق".
"القناة 14": استهداف مقرّب من نعيم قاسم
ميدانيًّا، أفادت "القناة 14" العبريّة بأنّ الجيش الإسرائيليّ شنّ غارةً في بيروت استهدفت السّكرتير الشّخصيّ، وابن شقيق الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، في مؤشرٍ إلى اتّساع بنك الأهداف ليشمل شخصيّاتٍ مقرّبة من القيادة العليا للحزب.
وفي تطوّرٍ سياسيٍّ لافت، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ أنّ نتنياهو سيدلي بتصريحاتٍ لوسائل الإعلام عند السّاعة 8:15 مساءً بتوقيت بيروت، ما عزّز الترقّب حيال الموقف الإسرائيليّ الرّسميّ بعد التّصعيد العسكريّ الواسع.
"الظّلام الأبديّ" يعيد خلط الأوراق
وتأتي هذه المواقف بعد إعلان وقف إطلاق نار صباحًا بين إيران من جهة، والولايات المتّحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى، في إطار تفاهمٍ جرى التّرويج له عبر وساطةٍ باكستانيّة. وكان رئيس الوزراء الباكستانيّ شهباز شريف قد أشار إلى أنّ الاتّفاق، بحسب الطّرح الذي نُقل، يشمل لبنان أيضًا، انسجامًا مع الشّرط الإيرانيّ القاضي بضمّ الجبهة اللّبنانيّة إلى أيّ تهدئةٍ شاملة.
غير أنّ المعادلة تبدّلت سريعًا مع ساعات الصّباح، إذ أعلن نتنياهو أنّ الاتّفاق لا يشمل لبنان، قبل أن يُنفّذ الجيش الإسرائيليّ ضربةً حملت اسم "الظّلام الأبديّ"، ما أعاد خلط الأوراق ميدانيًّا، وفتح الباب أمام استمرار التّصعيد على الجبهة اللّبنانيّة خارج إطار التفاهم المُعلَن.
وأعلن الجيش الإسرائيليّ تنفيذ أوسع هجومٍ له في لبنان منذ بدء الحرب، وقال إنّه استهدف نحو "100 مقرّ وبنية تحتيّة عسكريّة تابعة لحزب الله" في أنحاء بيروت والبقاع والجنوب.
وزعم الجيش أنّ غاراته استهدفت "مقرّات استخبارات وهيئات مركزيّة استخدمها عناصر حزب الله لتوجيه وتخطيط عمليّات ضدّ قوّات الجيش وإسرائيل، وبنى تحتيّة لمنظومات النّيران والبحر التابعة له، والمسؤولة عن إطلاق الصّواريخ نحو قوّات الجيش في البرّ والبحر ونحو أراضي إسرائيل، وأصولًا تابعة لوحدة الرّضوان والوحدة الجويّة 127 في حزب الله".
في المحصّلة، تُظهر المعطيات السّياسيّة والتّصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة أنّ لبنان بات، في هذه المرحلة، خارج مظلّة التهدئة المُعلَنة مع إيران، فيما يبدو أنّ إسرائيل حصلت على هامشٍ واسعٍ لمواصلة عمليّاتها العسكريّة ضدّ "حزب الله"، في ظلّ قناعةٍ أميركيّة بأنّ هذا المسار لا يُسقط، حتّى الآن، وقف إطلاق النّار على الجبهة الإيرانيّة.




