لم تكن زيارة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي "إيال زامير" إلى قرية رأس الناقورة في أقصى جنوب لبنان، يوم 5 نيسان 2026، مجرد تفقد ميداني لقوات تتوغل داخل الأراضي اللبنانية، وكانت في الوقت نفسه رسالة سياسية وعسكرية واضحة. في تلك الزيارة، قال زامير إن تفكيك سلاح حزب الله يمثل هدفًا أعلى وإن العمل ضد الحزب سيحتاج إلى وقت وإن إسرائيل ستواصل هذا المسار. وقبل ذلك بأيام كان وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد صرح - في 24 آذار 2026 - بأن إسرائيل تريد السيطرة على جنوب لبنان حتى نهر الليطاني ضمن ما سماه منطقة أمنية عازلة. بين هذين التصريحين تتكشف ملامح المقاربة الإسرائيلية الحالية، كما يتحدد السؤال الأهم، ماذا حققت إسرائيل حتى الآن في هذه الحرب وما الذي تريد أن تبلغه فعلًا من استمرارها؟
ما يظهر من الخطاب الإسرائيلي ومن السلوك الميداني معًا هو أن إسرائيل لا تدير حربًا هدفها توجيه ضربة موضعية لحزب الله فقط، وإنما تعمل على هندسة واقع جديد في الجنوب اللبناني. فهي تسير في مسارين متوازيين، الأول يرتبط بإضعاف الحزب واستنزافه على المدى الطويل، والثاني يتعلق بإعادة تشكيل الحيز الحدودي أمنيًا وجغرافيًا وسكانيًا بما يبدل قواعد الاشتباك التي حكمت الحدود طوال السنوات الماضية. بهذا المعنى، تنظر إسرائيل إلى الجنوب اللبناني بوصفه مجالًا تريد إعادة إنتاجه على نحو يخدم تصورها الأمني لسنوات مقبلة.
ولهذا تتحرك على أكثر من مستوى في الوقت نفسه. فهي تسعى إلى إقامة منطقة أمنية واسعة تخضع للمراقبة والسيطرة الدائمة، وهذا الهدف في التصور الإسرائيلي، يتطلب تهجير السكان من هذا الحيز ومنع عودتهم، إلى جانب هدم القرى والمزارع الحدودية وفق ما طرح معهد القدس للاستراتيجات والامن. كما تواصل بالتوازي، سياسة الاغتيالات واستهداف البنية العسكرية والمالية لحزب الله. وفي خطابها المعلن، تربط إسرائيل بين حزب الله وإيران بوصفهما جزءًا من ساحة حرب واحدة بما يمنحها مبررًا لتوسيع العمليات وإطالة أمدها وربط الجبهة اللبنانية بالسياق الإقليمي الأوسع.
سياسيًا، تحاول إسرائيل أن تحول الضغط العسكري إلى مكاسب أبعد من الميدان. لذلك طرحت أفكارًا من قبيل المفاوضات المباشرة مع لبنان وتحميل الدولة اللبنانية وجيشها المسؤولية الكاملة عما يجري في الجنوب، وربط أي تسوية مقبلة بمسألة نزع سلاح حزب الله. هنا تسعى إسرائيل إلى دفع معادلة سياسية داخلية جديدة في لبنان، تضع الحزب في موقع المساءلة والضغط وتعيد صياغة العلاقات الداخلية اللبنانية. وفي هذا المسار تحديدًا، تحاول إسرائيل أن تفصل سياسيًا بين حزب الله وإيران، رغم أنها تواصل الجمع بينهما عسكريًا في خطاب الحرب وتبريرها.
أما على مستوى ما تعتبره إسرائيل إنجازًا حتى الآن، فيمكن رصد أكثر من مسار: أول هذه الإنجازات يتمثل في استمرار استهداف حزب الله واستنزافه عبر ضرب بنيته القيادية وقدراته العسكرية. ومن الواضح أن إسرائيل تنظر إلى هذا المسار بوصفه نجاحًا تراكميًا، لأنه يربك الحزب ويضعه في حالة استنزاف مستمرة. لكن هذا النجاح ما زال دون السقف الذي ترفعه إسرائيل نفسها، إذ لم يتحول إلى حسم كامل ولم يؤد إلى نزع سلاح الحزب أو إنهاء وجوده العسكري. وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين ما استطاعت إسرائيل تحقيقه بالحرب وبين ما تطرحه في خطابها السياسي والعسكري بوصفه غاية نهائية للحرب.
ومن داخل هذا التناقض يتشكل النقاش الإسرائيلي الحالي؛ فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت الحرب تضعف حزب الله وإنما ما إذا كانت قادرة أصلًا على إنتاج النتيجة التي تعلنها إسرائيل، أي نزع سلاحه. ووفق التقديرات الأكثر حذرًا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - كما أشارت صحيفة هآرتس - فإن هذا الهدف لا يبدو قابلًا للتحقيق بالقوة العسكرية وحدها في ظل المعطيات القائمة وأن الوصول إليه قد يفرض احتلالًا واسعًا للبنان، وهو خيار بالغ الكلفة عسكريًا وسياسيًا وأمنيًا. وهذا التقدير يكشف أن إسرائيل رغم كثافة عملياتها ما زالت تتحرك داخل حدود القوة الممكنة.
الإنجاز الثاني الذي تسعى إسرائيل إلى تثبيته يتمثل في السيطرة الميدانية على مناطق جديدة في جنوب لبنان. فهي تريد التمركز داخل نطاق حدودي متقدم، وبناء حزام عازل يمنع عودة التهديد المباشر إلى المستوطنات الشمالية. وهنا محاولة لإعادة ترتيب الجغرافيا على طول الحدود بحيث تتحول المنطقة الواقعة بين الحدود والليطاني إلى مجال مفرغ عمليًا من أي حضور لبناني فعلي، سواء كان سكانيًا أو سياسيًا أو عسكريًا. لكن هذا المسار لا يتقدم بوتيرة واحدة على كامل الجبهة ويتفاوت بحسب طبيعة الأرض وشدة المقاومة وحجم المخاطر العملياتية. لذلك يظهر التوغل الإسرائيلي بطيئًا ومتدرجًا، وهذا البطء يعكس حذرًا عسكريًا وإدراكًا لصعوبة تحويل التقدم الموضعي إلى إنجاز استراتيجي شامل.
أما الإنجاز الثالث، فيتعلق بفرض وقائع قسرية على الأرض عبر هدم القرى الحدودية وتهجير سكانها ومنع عودتهم لخدمة الإنجاز الثاني. وهذا المسار يحاكي نموذج الخط الأصفر في غزة، أي إنتاج حدود جديدة. وإلى جانب ذلك، يوجد إنجاز رابع تسعى إسرائيل إلى استثماره وهو تعميق الانقسامات الداخلية اللبنانية حول الحرب وسلاح حزب الله ودفع هذا الملف إلى قلب الاشتباك السياسي الداخلي بما يضاعف الضغط على الحزب من خارج الميدان وداخله في الوقت نفسه.
لكن ما لم تحققه إسرائيل حتى الآن يبدو أكثر أهمية من حيث الدلالة الاستراتيجية. فهي لم تحسم هدفها المركزي في الجبهة اللبنانية، أي القضاء على حزب الله بوصفه قوة قادرة على التعافي وإعادة بناء نفسها. كما أنها لم تنجح حتى الآن في تحويل التوغل الحدودي إلى واقع أمني دائم ومستقر. فالمنطقة العازلة التي تحاول فرضها قد تقلص جانبًا من الخطر وقد تعيق بعض أشكال التموضع لكنها لا تعالج جوهر المشكلة التي تقول إسرائيل إنها تخوض الحرب من أجلها. ذلك أن التهديد لا يرتبط فقط بالجغرافيا القريبة من الحدود وإنما يرتبط بطبيعة الحزب نفسه وبالبيئة الإقليمية التي يتحرك فيها وبقدرته على التكيف مع الضربات وإعادة إنتاج أدواته.
وعلى المستوى السياسي، ما زال العائد الإسرائيلي محدودًا قياسًا بحجم التصعيد. فإسرائيل لم تنجح حتى الآن في فتح مسار سياسي مع الحكومة اللبنانية ومسألة نزع سلاح حزب الله. وهذا يعني أن الحرب لم تترجم إلى مكسب سياسي فعلي.
انطلاقًا من ذلك، يبدو أن السلوك الإسرائيلي في المرحلة المقبلة سيتجه نحو ثلاث مسارات مترابطة: المسار الأول هو تعميق تثبيت المنطقة العازلة في الجنوب مع استمرار التقدم البطيء وتوسيع الحيز الذي تفرضه إسرائيل تدريجيًا تبعًا لإيقاع المواجهة والخسائر وحتى بلوغ الليطاني. والمسار الثاني هو مواصلة استهداف حزب الله على امتداد الجغرافيا اللبنانية وعدم حصر المعركة في الجنوب فقط بما يبقي الحزب تحت ضغط دائم ومتعدد المستويات. أما المسار الثالث فيرتبط بتكثيف الضغط السياسي والاجتماعي داخل لبنان، عبر استثمار التوترات الداخلية وتعزيز صورة حزب الله باعتباره عبئًا على الدولة والمجتمع مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسار سياسي غير مباشر تسعى إسرائيل إلى فصله قدر الإمكان عن المسار الإيراني الأوسع بما ينسجم مع المقاربة التي يروج لها معهد دراسات الأمن القومي.
لهذا لا تبدو إسرائيل متجهة نحو إنهاء سريع للحرب وتتجه أكثر إلى إدارة حرب ممتدة بأهداف متدرجة ومتبدلة تتكيف مع مسار المواجهة ونتائجها. فهي تريد أن تحول ما راكمته بالقوة إلى ترتيب أمني وسياسي جديد مع لبنان، لكنها لم تصل بعد إلى هذه النقطة. وما حققته حتى الآن مهم في حساباتها ومؤثر في الميدان لكنه ما زال يمثل مرحلة تأسيسية في مشروع أطول.
