الضاحية اليوم لم تستيقظ صباحاً. خذلها الحدث. استفاقت كمن يسمع اسمه يُنادى به من بعيد، فيفتح عينيه على نصف خبر، ونصف أمل، ونصف خوف.
قالوا إن هناك اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وهنا، تحديداً هنا، بدأت الحكاية.
من كان قريباً من الضاحية، جاءها سيراً على الأقدام. رجال ونساء يمشون وهم يلتفتون شمالاً ويميناً، لا لمجرد الاستطلاع ومعاينة الأضرار، بل كأنهم يتأكدون أن الشوارع ما زالت تحفظ أسماءهم.
نساء يسرن بخطى سريعة، ثم يبطئن فجأة، كأنّ شيئاً في الداخل يشدّهن إلى الوراء، أو يذكرهن بأن العودة ليست دائماً آمنة تماماً. ورجال يقودون دراجاتهم النارية بسرعة غير مطمئنة، سرعة تشبه القلق أكثر مما تشبه العجلة.
الفانات كانت كثيرة. كما كانت دائماً قبل أيام الحرب، قبل أن تخف حركتها وتقل أعدادها مع اشتداد القصف واتساع الغياب. عادت في الصباح، لتظهر بكثرة من جديد، كأنها تستعيد دورها القديم في وصل الأحياء ببعضها، والناس ببيوتهم. بعض الناس تنزل عند مداخل الضاحية، وتنقل آخرين إلى داخل أحيائها.
سيارات كثيرة توقفت أمام الأبنية. ينزل أصحابها بسرعة، يدخلون، يختفون دقائق، ثم يخرجون. يتفقدون المنزل، يفتحون الأبواب، يطلون على الشرفات، ويعودون بوعد صغير لأنفسهم: ظن هؤلاء أن العودة قريبة.. لكن التطورات خذلتهم. أسرعوا من الضاحية الى خارجها، بمجرد أن أعلن الجيش الإسرائيلي عن أن اتفاق وقف إطلاق النار لن يشمل لبنان.. وتثبت الناس من الاختبار بعد الظهر، حين طاولت الغارات أحياء لم تكن قد قُصفت منذ مطلع الحرب، في الضاحية.
في الصباح، كان الشباب يجلسون اليوم أمام محال القهوة الصغيرة، تلك التي يسمّيها الناس ببساطة: "ناولني". حاولوا تكرار ما عاشوه في الأيام السابقة، قبل الحرب.
في المشهد الصباحي، كأن الحرب لم تمر من هنا. الأراكيل تشتعل. الضحكات ترتفع أكثر اليوم، والأحاديث عن النصر والعودة.
كلّ هذا حدث قبل الإنذار الإسرائيلي. قبل أن يعود الهواء نفسه ثقيلاً، وقبل أن تستعيد الشوارع ارتباكها.
في تلك الساعات القصيرة، كانت الضاحية تعيش بين خبرين: خبر اتفاق لا يشملها، بين الولايات المتحدة وإيران، وإنذار إسرائيلي يشملها أحيائها.
بين الخبرين، عاش الناس على التطمينات. الناس كانت متأملة. أهالي الضاحية استنفروا للعودة، لا استنفار الحرب، بل استنفار البيت.
وكانوا يقولون ببساطة الواثقين رغم كل شيء: "إذا خاب الأمل اليوم… فالأكيد غداً العودة، لن تتركنا إيران".
كانت الضاحية اليوم، تتحرك بحذر، وفي كل خطوة نحوها، كان هناك شيء يشبه الصلاة الصامتة.
مشاهد الدمار موجودة، نعم. لكن الضاحية كبيرة. كبيرة إلى حد أن الخراب نفسه يبدو متعباً من ملاحقتها كلها، كأنّه يعجز عن الإمساك بها دفعة واحدة.
فالضاحية ليست حيّاً واحداً. هي مساحة ذاكرة طويلة، تمتدّ أكثر مما تمتدّ الجغرافيا نفسها. ولذلك، حين يُصاب جزء منها، يبقى الجزء الآخر يقاوم فكرة الغياب. يبقى هذا الجزء الصامد، واقفاً مكانه، مثل شاهد على البيت… ومثل وعد بأن العودة ليست احتمالاً فقط، بل عادة قديمة لا تُترك بسهولة.
