منذ أن هدّدت إسرائيل باستهداف طريق معبر المصنع الحدودي مع سوريا، بدأ لبنان الرسمي اتصالات دولية لتجنيب قصف الطريق، لما يحمله ذلك من آثار سلبية تتعلق بإقفال منفذ حدودي أساسي يربط لبنان بالدول المجاورة. ولعلّ أصعب ما واجهته الدولة هو وجود تهديد حقيقي بعزلها عن العالم الخارجي، في وقت تخوض فيه إسرائيل عدواناً على الأراضي اللبنانية، وحيث تزداد احتياجات هذا البلد، سواء الطبية أو الغذائية.
عملياً، يُعتبر معبر المصنع الحدودي المعبر الوحيد الذي يسمح بمرور الشاحنات وتلك المخصصة للنقل ذهاباً وإياباً، وبالتالي هو شريان حيوي أساسي يستخدمه لبنان في العبور اليومي الطبيعي العادي، أو لعبور الشاحنات لتأمين احتياجاته، لا سيما الغذائية المرتبطة باصناف الخضار والفاكهة تحديداً منها. ويمكن اعتبار ذلك من الأسباب التي
تدفع إسرائيل إلى استهداف الطريق وقطعه كنوع من تحميل لبنان جزءا من فاتورة الحرب، تماماً كما حصل في عدوان أيلول الماضي حين أقدمت إسرائيل على الأمر نفسه.
في الواقع، فإن ذريعة إسرائيل لاستهداف طريق المصنع وقطعه، والمتمثلة في استخدامه من قبل حزب الله لعمليات التهريب، ساقطة تقنياً. فلا يمكن، بأي حال من الأحوال، استخدام معبر شرعي لتهريب الأسلحة أو ما يدخل في تصنيعها، لا سيما أن المعبر البري في المصنع جرى تزويده بتقنيات حديثة للكشف، وهو ما أكدته مصادر أمنية معنية لـ"المدن". وأضافت أنه حتى لو افترضنا جدلاً أنه سبق أن استُخدم المعبر لأغراض مماثلة، كما يزعم العدو، في عمليات تهريب، فإن هذه الحجة لم تعد منطقية في الوقت الراهن، في ظل تغيّر الوضع السياسي في سوريا، وحيث توجد نقطة تابعة للأمن العام السوري في جديدة بايوس.
بعدما أطلق العدو الإسرائيلي تهديداته، عملت السلطات اللبنانية، الأمنية منها والسياسية، كخلية نحل.
فسيسياً، أجرى الرؤساء اتصالات مع جهات دولية عديدة بينها الأميركيين والفرنسيين والأتراك، كما دخل السوريون على خط، تبعا لاتصالهم عضوياً مع معبر المصنع اللبناني من خلال الفرع السوري في بلدة جديدة يابوس. وتشير المعلومات إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع تواصل مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، من أجل المساعدة. وقيل إن براك تواصل من خلال قناته مع الإسرائيليين، وسجل اتصال لوزير الخارجية السوري اسعد الشيباني يوم أمس مع رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام، لوضعه في حصيلة الاتصالات السورية، علماً أن سوريا أبلغت الجميع بتشديد إجراءاتها الأمنية والتفتيشية لمنع حصول أي عملية تهريب.
أمنياً، أمر رئيس المجلس الأعلى للجمارك، العميد مصباح خليل، العسكريين بقطع عطلاتهم والتوجّه إلى المصنع للإسراع في عملية تسريح الشاحنات المتوقفة هناك، لتفريغ المعبر والتقليل من المخاطر. في الموازاة، بدأ المدير العام للأمن العام، اللواء حسن شقير، الذي أمر بإقفال نقطة الأمن العام الحدودية استثنائياً، جولة اتصالات (واكبها بزيارة إلى المعبر) شملت دولاً عدة، من بينها العراق ومصر، في وقت كان فيه رئيسا الجمهورية والحكومة يستعينان بعلاقاتهما الخارجية لمحاولة إيقاف المخطط الإسرائيلي لاستهداف الطريق.
وفي المعلومات أن اللواء شقير بدأ بعيد تعميم التهديد الإسرائيلي جولة اتصالات، شملت عدة دول اهمها مصر، التي تبين بأنها قادرة على التواصل سريعاً مع الإسرائيليين. وبعد جولة اتصالات دامت لساعات، تمكن المصريون من الاتفاق مع الإسرائيليين على تجميد استهداف المصنع لقاء توفير ضمانة منع استخدام من قبل الحكومة اللبنانية. وقيل بأنهم تمكنوا من تجميد القرار لساعات. في الاثناء، واكبت الدولة من خلال اللواء شقير المعطى ميدانيا، من خلال زيارته إلى المصنع، وتصريحه من هناك من ان معبر المصنع البري لا يستخدم في نقل او تهريب الاسلحة.
وربّ قائل إن إسرائيل قد نجحت فعلياً في فرض حصار على لبنان من جهة المصنع، عبر تكديس السيارات على طول النقاط الحدودية البرية الأخرى، وخلق أجواء غير مستقرة توحي برغبة في تعميق الخسائر لبنانياً. وربما يكون أبرز ما حققته هو دفع الأمور نحو قرار رسمي لبناني بإقفال معبر المصنع من دون استهدافه، ما أخرجه من دورة العمل الطبيعية.
بحسب معطيات "المدن"، أبلغت الدولة اللبنانية الجهات التي عملت على تأجيل قرار الاستهداف، الذي وصل حد تجميده، بأنها ستتخذ إجراءات استثنائية إضافية عند المعبر، وهو ما فُهم كنوع من ضمانة لبنانية لعدم استهدافه لاحقاً. في المقابل، تطالب الدولة أيضاً بضمانة سياسية خارجية تضمن استمرار عمل معبر المصنع، وهو ما يجري العمل عليه حالياً.
لكن حتى الساعة لا شيء محسوم بعد. فصحيح أن اسرائيل قالت بأنها جمدت عملية القصف، لكنها لم تسحبها، في وقت لم تنجح بعد المساعي في عودة العمل إلى المصنع، وهو ما يعني بأن الاتصالات ما تزال في بداياتها، وأن المخاطر لم تُزل كلياً.




