يقف لبنان اليوم أمام اختبار صعب هو تحدي النجاة لا بالدولة فحسب، بل بالكيان نفسه. فمن الواضح أن القرار خرج عن قدرة الدولة تمامًا، وبات رهن الصراع بين القوى النافذة في الشرق الأوسط. ومع بلوغ مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران ساعاتها الأخيرة، يواجه لبنان حقيقة أنه قد لا يخرج من المأزق، سواء كان اتجاه المنطقة هو الغرق في حرب شاملة مدمرة أو الذهاب إلى تسوية. ففي الحالين، حرب لبنان مستمرة، وقد يكون هو الثمن في الحرب الإقليمية، كما في التسوية، في ظل إعلان بنيامين نتنياهو تمسكه باستراتيجية "فك الارتباط" بين حربي لبنان وإيران. فإسرائيل قررت استكمال تفكيك بنية حزب الله العسكرية في لبنان، حتى لو تم التوصل إلى صفقة كبرى بين واشنطن وطهران. وهذا المسار يعني أن لبنان قد يبقى تحت النار والاستنزاف في الوقت الذي يمكن أن تحتفل فيه المنطقة بالتسوية، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع آلة دمار تسعى إلى رسم واقع جغرافي جديد شمال الليطاني.
وفي ظل الاحتقان الإقليمي، يتنامى التوتر الداخلي اللبناني مع تصاعد حجم الدمار والنزوح الكثيف والأعداد الهائلة للمجازر والضحايا بين المدنيين. وتحاول التطمينات التي تطلقها رئاسة الجمهورية، في الأيام الاخيرة، كبح جماح التشنج، من خلال الإعلان عن إعادة انتشار الجيش في بيروت والمناطق الحساسة، وتشديد الرئيس جوزيف عون على منع الفتنة وملاحقة المحرضين. ولكن، في الموازاة، عجز الدولة عن التصدي لتحويل لبنان ساحة بريد إقليمية هو انتحار بطيء للبلد.
إذًا، التحدي الحقيقي هو: كيف ينجو لبنان من أن يكون جائزة للرابح، أو "كبش فداء" للخاسر في الإقليم، أي إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، فيما اللبنانيون أنفسهم يموتون وعاجزون.. حتى عن الصراخ؟
الجنوب يشتعل
ما يجري في الجنوب صار حربَ استنزافٍ مفتوحةً تُدار على إيقاعٍ مزدوج، عسكريًّا في الميدان، وسياسيًّا في العواصم. فقد استُشهِد عددٌ من اللبنانيّين جرّاء غاراتٍ إسرائيليّةٍ استهدفت بلداتٍ متفرّقةً في جنوب لبنان، فيما شهدت الجبهة الجنوبيّة تصعيدًا ميدانيًّا لافتًا مع إطلاق نحو 40 صاروخًا من لبنان باتّجاه شمال إسرائيل منذ صباح الثلثاء.
وفي الرواية الإسرائيليّة، تحدّثت وسائل إعلام عن رشقةٍ واحدةٍ ضمّت 10 صواريخ استهدفت مدينة نهاريا، وأدّت إلى إصابة شخصَين بجروحٍ طفيفة، وسقوط شظايا في ثلاثة مواقع، إضافةً إلى أضرارٍ مادّيّةٍ شملت اشتعال النيران في عددٍ من المركبات. كما أعلنت "القناة 12" الإسرائيليّة احتراق مركباتٍ جرّاء سقوط شظايا صاروخيّةٍ في نهاريا، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنّ فرق الإنقاذ تعمل في مواقع سقوط تلك الشظايا في شمال إسرائيل.
في المقابل، أعلن "حزب الله"، في بياناتٍ متلاحقة، استهداف بلداتٍ إسرائيليّةٍ وتجمّعاتٍ لجنودٍ وآليّاتٍ تابعةٍ للجيش الإسرائيلي في عددٍ من المناطق، وقال إنّ "المقاومة الإسلاميّة استهدفت مستوطنتَي المطلة مرّتَين، وكفاريوفال، بصلّياتٍ صاروخيّة". وبين روايةٍ تعتبر ما يجري ردًّا على العدوان، وأخرى تصفه بتهديدٍ يجب سحقه، يقف اللبنانيّون داخل مشهدٍ واحد، هو اتّساع النار وتآكل القدرة على الاحتمال.
الأخطر من تبادل النار ليس عدد الصواريخ وحده، بل ما يوحي به الانتشار الإسرائيلي من نيّاتٍ ثابتةٍ لتكريس معادلةٍ ميدانيّةٍ جديدة. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال انتشار قواته ضمن خطّ منع إطلاق القذائف المضادّة للدروع، مشيرًا إلى انضمام فرقةٍ خامسةٍ إلى العمليّات البرّيّة في جنوب لبنان، في خطوةٍ تعكس توجّهًا نحو تعزيز الحضور العسكري الميداني وتوسيع نطاق العمليّات.
هذا التطوّر لا يُقرأ كإجراءٍ تقنيّ، بل كجزءٍ من تصعيدٍ متدرّجٍ يرمي إلى فرض وقائع على الأرض، بالتزامن مع استمرار الضربات الجوّيّة والمدفعيّة على نطاقٍ واسع. إسرائيل لا تتصرّف هنا كمن يريد فقط الردع، بل كمن يريد إعادة رسم حدود النار، وتوسيع المنطقة العازلة بالنار والخراب، وربّما بالسكّان أيضًا.
ذلك يعني أنّ الحديث عن "فكّ الارتباط" بين لبنان وإيران لم يَعُد تفصيلًا سياسيًّا، بل صار عنوانًا لاستراتيجيّةٍ كاملة، مؤدّاها أنّ أيّ تسويةٍ كبرى في الإقليم لن تعني تلقائيًّا وقف الحرب على لبنان. وعلى العكس، قد تجد إسرائيل في لحظة التسوية الإقليميّة فرصةً لتصفية الحساب اللبنانيّ على نارٍ أقلّ صخبًا دوليًّا، وأكثر قسوةً ميدانيًّا.
بعبدا تُطفئ الفتنة بالكلام
في موازاة التطوّرات الميدانيّة، برزت من قصر بعبدا مواقفُ سياسيّةٌ وأمنيّةٌ عكست مسعى رسميًّا لاحتواء التوتّر الداخلي ومنع اهتزازه بفعل تداعيات الحرب. فقد أكّد رئيس الجمهوريّة جوزيف عون، أمام وفد "منتدى بيروت" برئاسة النائب فؤاد مخزومي، أنّ "الوضع الأمني الحالي ممسوك، ولا خوف من فتنةٍ أو فلتانٍ أمنيٍّ داخلي"، مشدّدًا على أنّ "مسؤوليّة الحفاظ على الأمن في الداخل اللبناني، في هذه الظروف، مشتركة، وهي تتطلّب التنسيق الكامل بين المواطنين والجيش والأجهزة الأمنيّة والبلديّات".
وأعلن عون أنّ الجيش نفّذ عمليّة إعادة انتشارٍ في بيروت ومناطق أخرى عدّة، وأنّه "سيكون أكثر حضورًا مع قوى الأمن الداخلي وباقي الأجهزة، مع التشدّد أكثر في فرض الأمن لطمأنة المواطنين الآمنين في منازلهم". وأضاف أنّ "ما يحصل من مشاكل محدود، وتتمّ معالجته بالسرعة اللازمة، إلّا أنّ هناك من يركّز على البناء على الخوف من الفتنة المذهبيّة خدمةً لمصالحه".
لكنّ المشكلة في لبنان لا تبدأ عند الفتنة الأهليّة فقط، بل عند انهيار المعنى الفعلي للدولة. فحين تحتاج السلطة إلى طمأنة الناس يوميًّا بأنّ الفوضى لن تقع، فهذا يعني أنّ الفوضى تُقيم أصلًا في الوعي العام. وحين يصبح الإنجاز هو منع الانفجار الداخلي، لا منع الحرب الخارجيّة، فهذا دليلٌ على أنّ الدولة انتقلت من موقع الفاعل إلى موقع المتلقّي، ومن دور السيادة إلى وظيفة احتواء النتائج.
وقد بدا رئيس الجمهوريّة حاسمًا عندما قال: "لن أسمح بحصول الفتنة، وكلّ من يحاول تغذية هذا المنحى، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الإعلام، يُشكّل خطرًا على لبنان، ويقوم بعملٍ أسوأ من الاعتداءات الإسرائيليّة". كما شدّد على أنّه "لن أسمح في عهدي باتّهام أيّ مواطنٍ صمد في قريته وبلدته بالعمالة أو الخيانة، لمجرّد أنّه اختار الاستمرار في العيش في مسقط رأسه". وهو موقفٌ يتجاوز البُعد الأخلاقي إلى البُعد السياسي، لأنّ التخوين، في زمن الحرب، ليس مجرّد انحرافٍ لفظيّ، بل مادّةٌ أوّليّةٌ لصناعة حربٍ أهليّة.
حصيلةٌ دامية
ليلًا، وجّهت إسرائيل إنذارًا إلى 41 بلدةً جنوبيّة، ما دفع إلى موجات نزوحٍ جديدةٍ في مناطق مكتظّةٍ بالسكان، وسط مخاوف من اتّساع رقعة الاستهداف وتكرار الضربات على مناطق مدنيّة. وفي حصيلة نهار أمس، استُشهِد 11 مواطنًا، وأُصيب 11 آخرون، جرّاء غاراتٍ إسرائيليّةٍ استهدفت بلداتٍ عدّةً في جنوب وشرق لبنان، وشملت الغارات استهداف مسعفين، ومنازل، وسيّارات، في بنت جبيل، وصور، والنبطيّة، وحاصبيّا.
وبذلك، ارتفعت حصيلة ضحايا الهجمات الإسرائيليّة منذ 2 آذار/مارس إلى 1497 قتيلًا و4639 جريحًا، وفق الأرقام الواردة في النصّ. وهذه الأرقام لا تُستخدم هنا كإحصاءٍ بارد، بل كدليلٍ على أنّ الحرب خرجت من منطق الرسائل المتبادلة إلى منطق الاستنزاف المنهجي للمجتمع والبشر والعمران.
من الليطاني إلى الزهراني
سياسيًّا وعسكريًّا، يكتسب ما أورده موقع "والا" الإسرائيلي أهمّيّةً خاصة، إذ أفاد بأنّ وزير الأمن يسرائيل كاتس "درس خياراتٍ أخرى لإجلاء اللبنانيّين من شمال نهر الليطاني إلى نهر الزهراني، وذلك لإبعاد الخطر عن جنود الجيش الإسرائيلي المتواجدين داخل لبنان". وهذا الكلام، إن صحّ، لا يعني فقط توسيع منطقة العمليات، بل يكشف عقلًا استراتيجيًّا يرى الجغرافيا اللبنانيّة فضاءً قابلًا لإعادة التنظيم القسري بالنار والنزوح.
وبحسب الموقع، يواصل الجيش الإسرائيلي تعميق القتال في جنوب لبنان، وزيادة الضغط على "حزب الله"، مع القضاء على مئاتٍ من مقاتلي "قوة الرضوان" وتوسيع العمليّات البرّيّة حتّى نهر الليطاني. كما أشار إلى أنّ قوات الهندسة العسكريّة حدّدت مواقع لبنى تحتيّةٍ تحت أرضيّةٍ عميقة، وأنّ الجيش يهدف إلى تدمير كلّ ما هو فوق الأرض وتحتها جنوب الليطاني.
الأخطر في هذا المنحى أنّه لا يكتفي بضرب القدرات العسكريّة، بل يستهدف أيضًا العمق اللوجستي والمقارّ القياديّة والبيئة الاقتصاديّة الحاضنة، وخصوصًا في مدينة النبطيّة. أي إنّ إسرائيل لا تخوض حربًا على منصّات إطلاق فقط، بل على البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج القوّة.
الساعات الأخيرة بين واشنطن وطهران
على المستوى الإقليميّ، دفع التصعيد الكبير الذي توعّد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تكثيف الاتّصالات على مستوى دول المنطقة، بحثًا عن تمديد المهلة التي منحها لإيران، أو وضع اتّفاق إطارٍ يمكن من خلاله الوصول إلى اتّفاقٍ نهائيٍّ وشامل. ووفق مصادر ديبلوماسيّةٍ غربيّةٍ وعربيّة، فإنّ تصعيد المواقف ورفع مستوى التهديد من الطرفَين قد يفضي إلى مفاجأةٍ تتوقّف على ما سينجح الوسطاء في تحقيقه.
وتكشف المعطيات عن توسّع مروحة الاتّصالات بين دول الخليج، وتركيا، وباكستان، وحتّى روسيا، للوصول إلى تصوّرٍ يُجنّب المنطقة حربًا أوسع. كما أجرى الإيرانيّون، مساء الإثنين، اتّصالاتٍ مع باكستان، وتركيا، وقطر، وروسيا، للبحث في صيغة تفاهمٍ يمكنها أن تؤسّس لاتّفاقٍ شامل، فيما تبدو سلطنة عُمان حاضرةً أيضًا في هذا المسار، مع سعيها إلى استضافة أيّ مفاوضاتٍ مباشرةٍ محتملة بين الأميركيّين والإيرانيّين.
وتتمحور البنود المطروحة حول وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، وتعهد إيران بوقف تخصيب اليورانيوم، والتعهّد بعدم امتلاك سلاحٍ نوويّ، ورفع العقوبات، وإطلاق الأموال الإيرانيّة المجمّدة لدى الولايات المتّحدة. لكنّ العقدة تبقى في الشروط المتقابلة، ترامب يتمسّك بتسليم إيران لليورانيوم العالي التخصيب، ووقف المشروع النووي نهائيًّا، فيما ترفض طهران تسليم هذا اليورانيوم، وتُصرّ على بقائه داخل أراضيها تحت رقابةٍ دوليّة، وتتمسّك بحقّها في التخصيب عبر كونسورتيومٍ دوليّ.
لبنان هو الحلقة الأضعف
عمليًّا، تبدو المنطقة معلّقةً بين احتمالَين، إمّا معجزةٌ ديبلوماسيّةٌ تُبدّل المواقف في اللحظة الأخيرة، وإمّا تصعيدٌ واسعٌ قد يطاول منشآت الطاقة والبنى التحتيّة الإيرانيّة، مع ما يعنيه ذلك من ردودٍ إيرانيّةٍ تمتدّ إلى جوارها. والمفارقة أنّ كلّ هذه الحركة ترافقت مع مساعٍ دوليّةٍ في نيويورك لإعادة طرح مشروع قرارٍ يتعلّق بمضيق هرمز، ويتضمّن صياغاتٍ تسمح بتنسيق جهودٍ دفاعيّةٍ لضمان سلامة الملاحة وردع محاولات الإغلاق أو العرقلة.
هنا تحديدًا، يظهر لبنان بوصفه الحلقة الأضعف، لأنّه البلد الوحيد تقريبًا الذي قد يخسر في الحرب كما في التسوية. فإذا فشلت المفاوضات، سيدفع ثمن اتّساع المواجهة. وإذا نجحت، قد تتركه التسوية وحيدًا في مواجهة استراتيجيّةٍ إسرائيليّةٍ تعتبر تصفية البنية العسكريّة لـ"حزب الله" مهمّةً مستقلّةً عن أيّ تفاهمٍ أميركيٍّ إيرانيّ.
وهكذا، لا تبدو أزمة لبنان اليوم أزمة جبهةٍ جنوبيّةٍ فقط، بل أزمة بلدٍ مهدَّدٍ بأن يُعاد تعريفه من الخارج، فيما دولته تُصارع فقط لمنع السقوط الداخلي. وفي هذه المسافة بين عجز الدولة، واندفاعة إسرائيل، ومساومات الإقليم، يقف اللبنانيّون في أكثر لحظاتهم قسوةً، بلا حمايةٍ كافية، وبلا قرارٍ وطنيٍّ نافذ، وبخوفٍ متزايدٍ من أن يتحوّل وطنهم، مرّةً جديدة، إلى بندٍ جانبيٍّ في صفقةٍ كبرى لا تُراعي دمهم ولا خرائطهم ولا ما تبقّى من معنى الدولة.
