هل انفرط عقد اللبنانيين؟

نزيه درويشالاثنين 2026/04/06
Image-1771523349
العقد الاجتماعي هو اتفاق بين مواطنين متساوين، يسلمون بموجبه للدولة حق إدارة شؤونهم واحتكار السلاح
حجم الخط
مشاركة عبر

في الدول الطبيعية، يُطرح سؤال "العقد الاجتماعي" في سياق فلسفي هادئ، داخل أروقة الجامعات أو على طاولات النقاش النخبوي. أما في لبنان، فالسؤال يُطرح بين حرب مؤجلة وأخرى معجَّلة، بين دولة تتبخر وأخرى لا تولد. هنا، العقد الاجتماعي ليس نظرية… بل جثة تُفحَص يوميًا لمعرفة ما إذا كانت لا تزال تتنفس.

في الكتب، العقد الاجتماعي هو اتفاق بين مواطنين متساوين، يسلّمون بموجبه للدولة حق إدارة شؤونهم واحتكار السلاح مقابل حمايتهم وضمان حقوقهم. أما عندنا، فيمكن اختصار الفكرة أكثر: هو اتفاق على ألّا ينفرد أحد بتقرير مصير الآخرين.

 

عقدنا..عقدتنا

لم يتشكل العقد الاجتماعي في لبنان كما في الدول الحديثة، بل وُلد كتركيبة قسرية، أشبه بهدنة طويلة بين جماعات متجاورة خائفة من بعضها البعض، أكثر مما هي راغبة في العيش معًا. منذ التأسيس، بُنيَ "الاتفاق" على إغراء تقاسم النفوذ لا على بناء دولة، وعلى إدارة التوازن لا على إرساء العدالة. ثم جاءت الحروب لتُعيد تعريف هذا الاتفاق: ليس كعقد، بل كوقف إطلاق نار دائم… قابل للانفجار في أي لحظة.

بعد انتهاء الحرب، قيل لنا إن العقد جُدّد. أعادت الطبقة السياسية توزيع الحصص بحسب موازين القوى الجديدة. أعادوا ترتيب السلطة، وأعادوا إنتاج أنفسهم مع بعض التعديلات التجميلية. عادت الدولة شكليًا، لكن السيادة بقيت خارجها، والقرار ظل رهينة موازين قوى لا علاقة لها بإرادة المواطنين. باختصار: العقد لم يُرمَّم، بل جرى ترقيعه، كمن يصلح سفينة مثقوبة بقطعة قماش. ومع مرور الوقت، بدأت الرقعة تتمزق.

 

المهنة: خاطِف

المشكلة اليوم ليست في هشاشة هذا العقد فحسب، ولا في حاجته الملحّة للإصلاح، بل في أن أحد الأطراف قرّر ببساطة الخروج عليه… مع إبقاء الآخرين داخله كرهائن.

ففي قلب هذه الهشاشة، تقف معضلة السلاح خارج الدولة، لا كمشكلة من بين مشاكل، بل كالمشكلة الأم التي تُعطّل أي إمكانية لحل باقي المشاكل. فمهما بلغت فداحة الفساد، والانهيار المالي، وغياب الخدمات، تبقى هذه الأزمات نظريًا، قابلة للمعالجة داخل إطار دولة طبيعية. يمكن إصلاح نظام، وتغيير طبقة سياسية، وإعادة بناء اقتصاد، لكن لا يمكن فعل أي من ذلك في ظل وجود قوة مسلحة تفرض مشيئتها على الآخرين وتستأثر بقرار السلم والحرب، وتربط مصير البلد بمشاريع خارج حدوده.

وهنا تصبح السخرية أكثر سوادًا: يُطلب من اللبنانيين الاتفاق على إصلاح الدولة، فيما الدولة نفسها مُختطفة. يُطلب منهم الثقة بمؤسسات لا تملك قرارها. وإعادة بناء اقتصاد، بينما القرار الذي يحدّد إن كانوا سيستيقظون غدًا على حرب شاملة أو على هدنة غامضة، ليس بأيديهم أصلًا. كأنك تحاول طلاء منزل أو ترميمه، فيما أحد نزلائه يحتفظ بحق إضرام النار فيه متى شاء.

فالدولة ليست غائبة فقط. بل هناك من يمنع وجودها أصلًا؛ ليس كقانون ومؤسسات فحسب، وإنما كمرجعية نهائية. لأن المرجعية الفعلية في القرارات الوجودية ليست الدولة ولا الحكومة ولا البرلمان، بل حزب واحد مسلح يحتفظ بهذا الحق لنفسه، ويستخدمه وفق حساباته الخاصة.

والذريعة معروفة وممجوجة: "المقاومة"، "التحرير"، ومؤخرًا الطامة الكبرى "الإسناد". لكن النتيجة واحدة: لبنان يُستدرج إلى مواجهات لا يملك قرارها، ولا يملك حتى رفاهية إبداء رأيه فيها. والأسوأ، أن هذه المواجهات لم تعد تُخاض دفاعًا عنه بقدر ما تُوظّف في سياقات إقليمية أبعد، حيث يتكرّس البلد مرة جديدة "كساحة"، ويصبح شعبه تفصيلًا غير ذي شأن.

 

هانوي وهيروشيما

في التسعينات، قيل للبنانيين إن الخيار أمامهم هو بين "هانوي" و"هونغ كونغ": بين اقتصاد الحرب واقتصاد الازدهار. يومها، بدا الخيار نظريًا. أما اليوم، فيبدو الخيار أكثر قسوة وأقل رومانسية. لم نعد أمام مفاضلة بين نموذجين اقتصاديين أو سياسيين، بل بين مسارين وجوديين: إما البقاء في دوامة الصراع المفتوح، أو المخاطرة بانفجار شامل. إما العيش في دولة، أو في حالة تعبئة دائمة، حيث الحرب والشقاء ليسا استثناءً بل احتمالًا يوميًا.

لكن في الحقيقة، حتى هذا الخيار لم يعد مطروحًا فعليًا. لأن طرفًا واحدًا قرّر الحسم نيابة عن الجميع. وكأن الحزب الذي بدأ نشاطه في الثمانينات بخطف الطائرات ينهيه اليوم باختطاف البلد بأكمله، وأخذنا جميعا رهائن لحروبه المستمرة غبّ طلب "مشغِّله" في طهران. 

 

هل كُتبَ علينا هذا القدر المشؤوم؟

قد نغامر نظريًا في تحميل السلطة الحالية مسؤولية تضييع فرصة كبح هذا القدر. ليس توهمًا بجهوزيتها وكفاءتها، أو قوتها في وجه الحزب المسلّح المدعوم ماليًا وعسكريًا لعقود طويلة جعلت منه "بطل الطائفة" وسرديتها الأسطورية الصعبة التفكيك، ولكن للزخم الشعبي والدولي غير المسبوق الذي جاء بها في ظروف وهنٍ غير مسبوق أصاب "الأسطورة" نتيجة الحرب الماضية.

فوتت "الدولة" عليها لحظة نادرة لتحييد قوى الأمر الواقع بضربة واحدة، عندما استهلّت عهدها الجديد بمساومات من داخل اللعبة السياسية القديمة نفسها التي يتقنها جيدًا هؤلاء. فتنفّس الحزب الصعداء واستعاد بهدوء وصبر وذكاء ما توهمنا أنه قد يفقده. بل واستفاد، بصحبة شريكه و"أخيه الأكبر"، من "جرعات الأوكسجين" التي أمّنتها الدولة الناشئة لهما أملا ساذجًا منها بكسب الوقت، سواء في البرلمان، أو في "الدعسات الناقصة" أمنيًا وإداريًا، أو عبر تغطية "الزعبرة" في تنفيذ الخطة الأمنية، وصولا إلى "بلف" المجتمع الدولي.

فأضاعت فرصة توحيد اللبنانيين خلف خيار واضح: قيام الدولة يكون بشموليتها وعدالتها ولكن ليس بالتراضي أو بالمحاباة. خيارٌ، معطوفًا على أفعالٍ حقيقية ولو قليلة وليس على خطابات، كان ليلقى دعمًا دوليًا إضافيًا يشكّل شبكة حماية وأمان معقولة في ظروف عاصفة غير معقولة.

 

عاصفة تهبّ مرتين

أعتبرتُ تحميل الدولة المسؤولية مغامرةً، لأنني في الحقيقة لستُ واثقًا، ككثيرين، من أن الحزب كان سيمنع العاصفة من أن تهبّ علينا مرّتين. 

لقد بات لدى شريحة واسعة من اللبنانيين شعورٌ بأنهم مغلوبون على أمرهم، يعيشون داخل كيان بلا نظام. وأنهم شركاء شكليًا، مهمّشون فعليًا. و لم يعد هذا الشعور مقتصرًا على "الطوائف الأخرى"، بل بدأ يتسرّب بصمت وبطء إلى داخل البيئة الحاضنة للحزب نفسها، وخصوصًا في المناطق التي تدفع الكلفة المباشرة من دمار وتهجير ومستقبل مُعلّق على إيقاع جولات سحقٍ لا تنتهي.

وهنا، نصل إلى النقطة التي يتجنّبها كثيرون: العقد الاجتماعي لا ينهار فقط عندما تختلف أطرافه، بل عندما يفرض أحدها شروطه بالقوة. عندها، لا يعود هناك عقد شراكة… بل "عقد إخضاع".

وهذا ما يفسّر تصاعد السؤال المحرَّم: إذا كان العيش المشترك يعني قبول جزء من اللبنانيين بأن يُساقوا إلى حروب لا يريدونها، فهل ما زال هذا "عيشًا مشتركًا" أم أصبح "موتًا مشتركًا"؟

 

المجذوم

وحده تحوّل دراماتيكي قد ينقذ "الزواج" من الفشل النهائي. وهو مناطٌ بأبناء وبنات البيئة الحاضنة تحديدًا. برئيس "حركة أمل" الشيعية نبيه بري وبفعاليات الطائفة المنكوبة بحزبها "العاق". إن نبذ الخيارات الانتحارية من داخل الطائفة قد يكون المدخل لمنع "هروب" الآخرين منها وتركها تواجه مصيرها القاتم وحدها.

نعلم جيدًا صعوبة تمرّد "الرهينة" على خاطفها. مواجهته بأخطائه ومحاسبته على ما جنت يداه عليها وعلى لبنان وعلى نفسه. ونعرف ميكانيزم "الطوائف"، اختلافها وعدم ثقتها ببعضها البعض، بل وأحيانًا كرهها لبعضها البعض. ندرك أن "الموت بين الأهل نعاس" في بلد فشل إلى الآن في خلق مواطنية حقيقية. فكيف إذا أُعجبت الرهينة بخاطفها؟ بالفتات الذي يمنّ عليها به، أو إذا صدّقت روايته على الرغم مما تقاسيه؟

في الماضي، مارست أوروبا نبذًا قاسيًا على مرضى الجذام وصل إلى حد اعتباره "وصمة اجتماعية" قبل أن تكتشف علاجًا له. فرضت عزلة تامة على المصابين ولو كانوا من أقرب المقرّبين. وأحيانًا أُقيمت لهم جنائز وهمية وهم أحياء، لإعلان موتهم "مدنيًا" وإفقادهم حقوقهم في الممتلكات والزواج. ووصل الأمر أحيانًا أخرى إلى اعتقال المرضى وحرق بعضهم...

أقلّه لدينا اليوم فكرة عن العلاج! 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث