معبر المصنع، تحوّل في ذروة التصعيد، إلى اختبارٍ سياسيّ وأمنيّ مباشر للدولة اللبنانيّة، وإلى مساحةٍ تتقاطع فيها الضغوط الإسرائيليّة مع الوساطات العربيّة والدوليّة، والهواجس اللبنانيّة من انزلاق الاستهداف من "الرسالة الأمنيّة" إلى الخنق الاقتصاديّ الصريح. وتحت هذه الفكرة وفي مدارها، شهدت الساعات الأخيرة سباقًا بين احتمال الضربة واحتمال تجميدها، وبين رفع الجهوزيّة الميدانيّة من جهة، وتكثيف الاتصالات السياسيّة من جهةٍ أخرى. وما رشح من المعطيات يوحي بأنّ المعبر دخل، ولو مؤقّتًا، في منطقة "التعليق"، لا في منطقة الأمان النهائيّ، وهو ما يفسّر الحذر اللبنانيّ الرسميّ، والتشدّد الأمنيّ المتصاعد، وغياب أيّ حديثٍ عن ضماناتٍ حاسمة حتّى الآن.
شقير في المصنع
وفي هذا السياق، وصل المدير العام للأمن العام، اللواء حسن شقير، إلى معبر المصنع الحدوديّ، يرافقه مستشاره العميد عامر الميس، وكان في استقباله عددٌ من ضبّاط المنطقة، إلى جانب رئيس نقابة الشاحنات المبرّدة في لبنان أحمد حسين.
الجولة حملت رسالةً سياسيّة وأمنيّة واضحة، مفادها أنّ الدولة حاضرة في المعبر، وأنّها تُمسك به أمنيًّا وإجرائيًّا، وتُحاول في الوقت نفسه أن تُسقط الرواية الإسرائيليّة الّتي تُسوّق المعبر بوصفه ممرًّا محتمَلًا لتهريب السلاح. وقد اطّلع شقير على الإجراءات المتّخذة لحماية المعبر، مؤكّدًا أنّ "التدابير الأمنيّة المعتمدة منضبطة وتحت السيطرة".
وأكّد شقير أنّ "الأولويّة المطلقة هي الحفاظ على أرواح العناصر والتجهيزات داخل معبر المصنع الحدوديّ"، مشدّدًا على أنّ "المعبر شرعيّ، ولا يمكن أن يُستخدم لتهريب السلاح". وأضاف شقير أنّ "جميع الشاحنات تخضع لإجراءات تفتيشٍ دقيقة"، واصفًا ما يُتداول عن عمليّات تهريب بأنّه "ادّعاءات غير صحيحة، لا سيّما في ظلّ الواقع السياسيّ في سوريا الّذي لا يسمح بذلك". كما دعا العناصر الأمنيّة إلى "رفع مستوى الجهوزيّة واليقظة والتنسيق الكامل مع الجيش والجمارك"، مؤكدًا أنّ "حماية العناصر والمركز تبقى الأساس".
الوساطة المصريّة، وواشنطن على الخطّ
لكنّ التشدّد الأمنيّ لم يكن وحده كافيًا. فالمسار السياسيّ اشتغل بالتوازي، وبكثافة، لمنع انتقال التهديد الإسرائيليّ من مستوى التلويح إلى التنفيذ. وفي هذا الإطار، كشف شقير أنّ "الاتصالات مستمرّة عبر المبادرة المصريّة، إلى جانب جهودٍ دوليّة، لا سيّما مصريّة وأميركيّة، تهدف إلى تحييد المعبر وإعادة فتحه في أقرب وقتٍ ممكن". وأشار أيضًا إلى أنّ "الاتصالات مستمرّة بين مجلس الوزراء ورئيس الجمهوريّة مع الجانب المصريّ، على أن تُحسم نتائجها خلال ساعات، في إطار جهودٍ لتحييد المعبر عن أيّ استهداف"، لافتًا إلى أنّ السلطات السوريّة تعمل بدورها في الاتّجاه نفسه.
وتقاطعت هذه المعطيات مع ما أوردته هيئة البثّ الإسرائيليّة عن أنّ واشنطن طلبت من تل أبيب تعليق الهجوم على المعبر. كما تحدّثت مصادر وزاريّة لبنانيّة عن أنّ مصر تولّت وساطةً مباشرة لدى إسرائيل لحثّها على العدول عن الاستهداف. ووفق هذه المصادر، فإنّ التواصل تمّ بتوجيهاتٍ من رئيسَي الجمهوريّة والحكومة، بهدف تجميد الضربة على المصنع، غير أنّ لبنان لم يحصل، حتّى اللحظة، على ضماناتٍ نهائيّة.
دمشق أيضًا: تُشدّدٌ واتصالاتٌ مع الأميركيّين
في المقلب السوريّ، لم تتعامل دمشق مع الملفّ بوصفه شأنًا لبنانيًّا صرفًا، بل كقضيّةٍ تمسّ شريانًا حدوديًّا واقتصاديًّا مشتركًا، وتفتح الباب على مزيدٍ من الاختلال في المشهد الحدوديّ بين البلدَين. وتشير المعطيات إلى أنّ البحث تناول ملفّ المصنع من زاوية تشديد الرقابة والإجراءات، والمساعي الّتي بُذلت لتفادي الضربة الإسرائيليّة، فيما تحدّثت المعلومات عن أنّ سوريا أجرت بدورها اتصالاتٍ مع الأميركيّين، في محاولةٍ لمنع استهداف المعبر، بالتوازي مع رفع مستوى التشدّد على جانبي الحدود. تجلى ذلك في اتصالٍ هاتفيّ بين وزير الخارجيّة والمغتربين السوريّ، أسعد حسن الشيباني، ورئيس الحكومة اللبنانيّة نوّاف سلام. وقالت وزارة الخارجيّة السوريّة، عبر معرّفاتها الرسميّة، الإثنين، إنّ الاتصال تناول المستجدّات المتسارعة في المنطقة وانعكاساتها على الأمن الإقليميّ، في ظلّ التحدّيات الراهنة.
وشدّد الشيباني، خلال الاتصال، على وقوف سوريا إلى جانب لبنان في هذه الظروف، فيما أكّد الجانبان استمرار التشاور والتنسيق بين البلدَين، بما يُسهِم في تعزيز الأمن والاستقرار، واتّفقا على ضرورة تطوير أواصر التعاون المشترك لمواجهة التحدّيات الراهنة. وهذا البعد ليس تفصيلًا، لأنّه يربط ملفّ المعبر مباشرةً بمسار إعادة تنشيط القنوات السياسيّة والأمنيّة بين بيروت ودمشق، تحت ضغط التهديد الإسرائيليّ.
إسرائيل تُهدّد
وكانت إسرائيل قد وجّهت تهديدًا بقصف معبر المصنع الحدوديّ مع سوريا، في خطوةٍ تتجاوز البعد العسكريّ المباشر إلى معنى سياسيّ أوضح، إذ إنّ المعبر يخضع لسيطرة الأجهزة الأمنيّة الرسميّة في لبنان وسوريا، ويُعَدّ شريانًا اقتصاديًّا حيويًّا للبنان. لذلك، فإنّ وضعه على بنك التهديدات لا يمكن فصله عن سياسة الضغط على الدولة اللبنانيّة، ومحاولة ضرب ما تبقّى من مفاصلها الاقتصاديّة واللوجستيّة.
وقد كرّرت إسرائيل تحذيراتها مرّتَين، لكنّها لم تُقدِم، حتّى الآن، على تنفيذ أيّ غارة على المعبر. في المقابل، تحرّكت القوى الأمنيّة اللبنانيّة لإخلاء مراكزها الواقعة في تلك المنطقة الحدوديّة، فيما أكّد وزير الأشغال العامّة والنقل فايز رسامني إخراج عددٍ كبيرٍ من الشاحنات الّتي كانت عالقة في المنطقة.
وفي مواجهة المزاعم الإسرائيليّة بشأن وجود عمليّاتٍ عسكريّة لنقل الأسلحة عبر المصنع، جاء الردّ اللبنانيّ حاسمًا، مع تأكيد وجود رقابةٍ شاملة من قِبَل الأجهزة الأمنيّة على هذا المعبر وغيره من المعابر الحدوديّة. كما نسّقت السلطات اللبنانيّة مع نظيرتها السوريّة، واتّفقتا على إغلاق المعبر بشكلٍ كامل، في خطوةٍ يمكن قراءتها كإجراءٍ وقائيّ، لكن أيضًا كرسالةٍ سياسية تقول إنّ الدولة مستعدّة للذهاب بعيدًا في سحب الذرائع، ولو على حساب حركة العبور والتجارة.
"جديدة يابوس" مغلق
على الضفّة السوريّة، كشف مدير العلاقات في الهيئة العامّة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، في حديثٍ لـ"المدن"، عن إغلاق معبر جديدة يابوس الحدوديّ مع لبنان بشكلٍ مؤقّت، كإجراءٍ احترازيّ في ظلّ التهديدات الإسرائيليّة الّتي طالت المنطقة الحدوديّة، مؤكّدًا أنّ القرار يهدف إلى ضمان سلامة المدنيّين والمسافرين.
وقال علوش إنّ "قرار الإغلاق يأتي في إطار الحرص على الأمن العام، خصوصًا في ظلّ التصعيد الإقليميّ القائم، رغم عدم تسجيل أيّ استهدافٍ فعليّ للمنطقة حتّى الآن"، مشيرًا إلى أنّ المعطيات الحاليّة تعكس جدّيّة التهديدات. وأوضح أنّ "معبر جديدة يابوس يُستخدم حصرًا للأغراض المدنيّة، ولا يُسمَح باستخدامه لأيّ نشاطٍ خارج الأطر القانونيّة"، لافتًا إلى استمرار التنسيق مع الجانب اللبنانيّ لضمان إدارة الوضع الحدوديّ بمسؤوليّة، والحدّ من أيّ تداعياتٍ محتملة.
وبيّن علوش أنّ المعبر يُعَدّ من أهمّ الشرايين الاقتصاديّة بين سوريا ولبنان، وأنّ توقّفه المؤقّت أدّى إلى تأثّر حركة التبادل التجاريّ بين البلدَين. وفي السياق نفسه، أشار إلى أنّ "منفذ جوسية الحدوديّ يُعَدّ حاليًّا المنفذ البرّيّ الوحيد العامل بين البلدَين، ويشهد ازدحامًا متزايدًا في حركة المسافرين"، مؤكّدًا أنّ إدارة المنفذ رفعت جهوزيّتها التشغيليّة عبر تعزيز الكوادر البشريّة وفرق العمل لتسريع الإجراءات وتحقيق انسيابيّةٍ في حركة العبور.
وأضاف أنّ العمل في منفذ جوسية مستمرّ على مدار الساعة، مع اتّخاذ كلّ التدابير التنظيميّة واللوجستيّة للتعامل مع الضغط المتزايد وتقديم التسهيلات اللازمة للمسافرين. وختم بالتأكيد على أنّه "لا يوجد حاليًّا تاريخٌ محدّد لإعادة افتتاح معبر جديدة يابوس، نظرًا إلى ارتباط ذلك بتطوّرات الحالة الأمنيّة، وسيُستأنَف العمل فور استقرار الأوضاع وزوال المخاطر المحتملة".
