واضح أن طهران قرّرت أن تواجه الضغوط الأميركية ومهلة ترامب الوشيكة باعتمادها استراتيجية "اللعب صولد". فهي أوعزت إلى حلفائها في لبنان واليمن والعراق بفتح المعركة إلى حدّها الأقصى. وتهدف هذه "الانتفاضة" إلى تطويق التصعيد الأميركي، الإسرائيلي المتوقّع، خصوصًا عبر استهداف أمن الطاقة في الخليج العربي، بهدف تحويل عواصم القرار الإقليمي منصّات ضغط على واشنطن، لعلّها تكبح جماح الحرب. وهذا يعني أن إيران اليوم قرّرت استخدام "وحدة الساحات" إلى الحدّ الأقصى، كدرع بشري وجغرافي لحماية قدراتها الثمينة من ضربات وشيكة.
على المقلب الآخر، ترجمت إسرائيل قرارها بـ"الصولد" أيضًا، من خلال فتح الحرب على مداها هذا الأسبوع بعنف غير مسبوق تجاوز الخطوط الحمر الجغرافية والديموغرافية في لبنان. فلم يعد الهدف جنوب الليطاني فحسب، على ما يبدو، بل انتقل الثقل العسكري إلى البقاع الغربي وصولًا إلى معبر المصنع. والإنذار بالإخلاء هناك، الذي طال شريان الحياة مع سوريا، والذي فرملته ضغوط واشنطن مؤقّتًا، كما تردّد، يكشف نيّة إسرائيلية لوضع لبنان في غرفة عمليات مغلقة، ربما تمهيدًا لجراحة عسكرية تستأصل العمق اللوجستي للحزب، وتضعه بين فكّي كماشة: الحدود السورية المهدّدة شرقًا، والالتفاف من جبل الشيخ جنوبًا.
وسط هذه المناخات العاصفة، لا يبدو أن لبنان يملك ترف الوقت أو المناورة. فهو يقف في لحظة التصعيد الكبرى، حيث تتشابك جغرافيا الخردلي والمصنع مع حسابات أمن الطاقة وترسانات الصواريخ ومفاعلات النووي بين واشنطن وطهران والخليج العربي. ولبنان يساق الآن نحو المجهول المعلوم، ربما. وهو يبدو مجرّد ورقة على طاولة "البوكر" الإقليمي. وفيما تحترق الأرض تحت أقدام اللبنانيين، في انتظار تسوية لا يعرف موعدها، هم لا يسمعون تبريرًا لما يجري سوى فلسفات الاحتراق والموت، مجّانًا.
اتصال قطريّ - فرنسيّ بشأن لبنان
على الصعيد الدبلوماسيّ، تلقّى سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، اتّصالًا هاتفيًّا من الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة. وجرى خلال الاتّصال بحث تطوّرات الأوضاع في المنطقة، إثر استمرار العدوان الإيراني على دولة قطر، وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليميّين والدّوليّين.
كما تبادل الجانبان وجهات النّظر بشأن تأثيرات التّصعيد على إمدادات الطّاقة العالميّة، وأهميّة تعزيز الجهود الدّوليّة لضمان استقرارها واستمراريّة تدفّقها.وأشاد الرّئيس الفرنسي بحكمة إدارة دولة قطر للأزمة، مثمّنًا مواقفها الدّاعية إلى التّهدئة، ومؤكّدًا دعم بلاده ووقوفها إلى جانب دولة قطر.
وشدّد ماكرون على أهميّة خفض التّصعيد، لا سيّما في ظلّ تداعياته على أمن الطّاقة العالمي، كما تناول الاتّصال تطوّرات الأوضاع في لبنان، مع التّأكيد على ضرورة تكثيف الجهود لخفض التّصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
حرب مفتوحة
لا يختلف ليل لبنان عن نهاره. الغارات تتنقّل من الجنوب إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية، وترمي الأحياء والمنازل الآهلة بوابل النيران التي لا تميّز بين مدنيّ ومقاتل، ولا بين قرية حدودية وحيّ سكنيّ مكتظ. المشهد لم يعد يوحي بعملية عسكرية موضعية، بل بحرب مفتوحة تدار بمنطق التدمير المنهجي، وبقرار سياسي واضح يقضي برفع الكلفة إلى أقصاها على لبنان كله، لا على "حزب الله" وحده.
بلغ إجمالي عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ بداية الحرب وحتى مساء أمس الأحد 1461 شهيدًا و4430 جريحًا، فضلًا عن أكثر من مليون نازح. غير أن الأهمّ من الأرقام نفسها هو ما تقوله سياسيًا: إسرائيل لا تدير معركة حدودية، بل تبني مشهدًا ضاغطًا يهدف إلى تبديل البيئة السياسية والداخلية اللبنانية تحت وطأة النار.
فالغارات لم تتوقّف طوال الليل، وتواصلت على الجنوب، ما أدّى إلى سقوط مزيد من الضحايا. وشنّ الطيران الحربي الإسرائيلي 8 غارات على مناطق متفرّقة في الضاحية الجنوبية منذ صباح الأحد، مستهدفًا أحياء الرويس وبئر حسن والمشرفية وحي ماضي، إضافة إلى منطقة الجناح. وتوزّعت الاعتداءات بين غارات جوية مكثّفة، وقصف مدفعي، واستهدافات بالطائرات المسيّرة، وطالت عشرات البلدات والمناطق السكنية.
تركّزت الغارات الجوية بشكل واسع على بلدات الجنوب، حيث استهدف الطيران الحربي المعادي كفردونين، باتوليه، كفرا، وادي الحجير، النبطية، دير قانون رأس العين، برعشيت، بيت ياحون، شقرا، كونين، صديقين، كفرحتى، الخيام، الزرارية، عين بعال، عيتيت، تولين، حاريص، المطرية، جسر القاسمية، الشعيتية، الحنية، الطيري، مجدل سلم، الصرفند، طيردبّا، يانوح، بنت جبيل، جويا، محرونة، الشهابية، تول، القصير، صفد البطيخ، زوطر الشرقية، حداثا، معروب، مرتفعات الريحان، صير الغربية، صريفا، الدوير، حاروف، عبّا، وعريض دبين. كما طالت الغارات الضاحية الجنوبية لبيروت وأطراف العاصمة، مستهدفة المشرفية، بئر العبد، حي ماضي، مجمّع سيّد الشهداء، الرويس، الجناح، إضافة إلى عين سعادة.
في موازاة ذلك، نفّذت الطائرات المسيّرة ضربات استهدفت بلدات كفرجوز، العباسية، والحوش، فيما طال القصف المدفعي مناطق وادي الحجير، عريض دبين، بلاط، دبين، حاريص، عيتا الجبل، صفد البطيخ، تبنين، بيوت السيّاد، باتوليه، الخيام، رشكنانية، صديقين، كفرشوبا، وكفرحمّام.
أمّا هذه الخريطة الواسعة من النيران فهي رسالة سياسية: لا منطقة آمنة، لا خطّ تماس ثابتًا، ولا قدرة للدولة اللبنانية على حماية جغرافيتها أو وظائفها الحيوية. وهذا بالضبط ما تحتاجه إسرائيل لتقول للبنانيين، وللعالم، إن لبنان كلّه صار ساحة ضغط.
بداية خنقٍ منظّم
هنا تحديدًا تظهر خطورة التحذير الإسرائيلي لمعبر المصنع. فاستهداف الطريق الحيوي والأساسي الواصل بين لبنان وسوريا لا يمكن قراءته كجزءٍ من خريطة النيران المتوسّعة يوميًّا، ولا كجزء من مطاردة خطّ إمداد عسكري مزعوم. الهدف أبعد وأوضح: عزل لبنان عن عمقه السوري، والبدء بفرض حصار برّي تدريجي لا يقتصر على السلاح، بل يطاول الغذاء والاقتصاد والتجارة والتنقّل والقدرة على التنفّس.
ذلك أن المعبر الرسمي لا يمثّل مجرّد نقطة عبور. إنه شريان حياة. ومن هنا، فإن تعطيله أو التلويح بتعطيله هو قرار سياسي بحصار بلد، لا مجرّد قرار أمني بملاحقة شحنة. ولذلك، يصعب التعامل مع التحذير الإسرائيلي على أنه "تفصيل ميداني". إنه خطوة تأسيسية في مشروع تطويق شامل، يراد منه وضع لبنان تحت ضغط داخلي خانق، ودفعه، دولةً ومجتمعًا، إلى مواجهة الحزب من الداخل.وما يخشى منه أكثر أن يكون المصنع مجرد بداية. فالمعابر الأخرى مع سوريا تبدو مرشّحة بدورها للدخول في بنك الأهداف، ما يعني انتقال إسرائيل من سياسة الضربات إلى سياسة العزل الجغرافي. وإذا أضيف إلى ذلك مسارٌ بحري ضاغط، يصبح لبنان أمام حصار مزدوج، برّي وبحري، في لحظة هو الأضعف فيها اقتصاديًا وماليًا ومؤسّساتيًا.
تحوَّلَت جولةُ المدير العامّ للأمن العامّ، اللّواء حسن شقير، في معبر المصنع إلى رسالةٍ سياسيّةٍ تتجاوز المعنى الإداريّ والأمنيّ المباشر، ومفادُها أنّ الدَّولة اللبنانيّة ما زالت تُمسك بالمعبر الشَّرعيّ، أمنيًّا وإجرائيًّا، في مواجهة الرّواية الإسرائيليّة الّتي تحاول تقديمَه بوصفه ثغرةً لتهريب السِّلاح. ومن هناك، سعى شقير إلى تثبيت معادلةٍ مزدوجة، نفيُ الذّرائع الإسرائيليّة من جهة، وتشديدُ الانضباط الأمنيّ من جهةٍ أخرى، عبر التّأكيد أنّ الإجراءات "منضبطة وتحت السَّيطرة"، وأنّ جميع الشّاحنات تخضع لتفتيشٍ دقيق، فيما تبقى أولويّةُ المؤسّسة حمايةَ العناصر والمركز، ورفعَ مستوى الجهوزيّة والتّنسيق مع الجيش والجمارك.
لكنّ المصنع لم يعد ملفًّا حدوديًّا صرفًا، بل صار عقدةَ ضغطٍ سياسيّ وإقليميّ مفتوحة. فبالتوازي مع التّشدّد الأمنيّ، انطلقت وساطةٌ مصريّة مدعومةٌ بحضورٍ أميركيّ لاحتواء التّهديد الإسرائيليّ، فيما دخلت دمشق بدورها على الخطّ، أمنيًّا وسياسيًّا، باعتبار المعبر شريانًا مشتركًا لا يحتمل المغامرة. وفي هذا السّياق، جاء الاتّصال الهاتفيّ بين وزير الخارجيّة السّوريّ أسعد حسن الشّيباني ورئيس الحكومة اللّبنانيّة نوّاف سلام ليمنح الملفّ بُعدًا سياسيًّا أوضح، إذ أكّد الشّيباني وقوف سوريا إلى جانب لبنان، واتّفق الجانبان على استمرار التّشاور والتّنسيق لمواجهة التحدّيات الرّاهنة. وهكذا، بدا أنّ تعليق الضّربة الإسرائيليّة، حتّى الآن، لم يكن نتيجةَ تراجعٍ إسرائيليّ بقدر ما كان ثمرةَ شبكة اتّصالاتٍ متسارعة هدفت إلى تجميد الاستهداف، من دون انتزاع ضماناتٍ نهائيّة، ما جعل معبر المصنع نقطةَ اختبارٍ لسيادة الدَّولة اللّبنانيّة وحدود قدرتها على حماية مرافقها من الابتزاز الأمنيّ والخنق الاقتصاديّ.
من الجنوب إلى البقاع
التحذير من المصنع يكتسب أبعادًا مضاعفة إذا وضع في سياق الميدان الأوسع. فإصرار إسرائيل على تهجير قرى وبلدات في البقاع الغربي، وسعيها الميداني للتقدّم باتجاه هذه القرى من القطاع الشرقي في الجنوب، يكشفان أن المعركة لم تعد محصورة في شريط حدودي جنوب الليطاني، بل دخلت مرحلة رسم خريطة فصل وتقطيع وربط ناريّ بين الجبهات.
ومن هنا، تبدو إسرائيل وكأنها تمهّد لمرحلة تالية أكثر خطورة: حركة التفاف من جهة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، باتجاه زحلة أو نحو نقاط تماسّ تسمح بالاقتراب من الحدود اللبنانية وفرض فصل فعلي بين سوريا ولبنان، وبين الجنوب والبقاع. وإذا تحقق هذا السيناريو، تكون تل أبيب قد نقلت المعركة من "إبعاد الخطر" إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية للبنان بما يخدم حصار الحزب وإخضاع البلد.
"هآرتس" تكشف ما تخفيه السياسة الإسرائيلية
في هذا السياق، يكتسب ما نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية أهمية خاصة، لأنه يكشف جانبًا من النقاش الحقيقي داخل المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية. فالصحيفة أشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي يبدي قلقًا من أنه إذا واصلت الولايات المتحدة حربها ضد إيران لفترة مطوّلة، فقد تجد إسرائيل صعوبة في إنهاء المعركة في لبنان بمبادرة ذاتية، ما سيزيد من اعتمادها على منظومة الاحتياط التي تعاني أصلًا من أعباء كبيرة.
وبحسب التقرير، تمركزت القوات حتى الآن على مسافة نحو 10 كيلومترات من نهر الليطاني، في مسعى لاحتواء إطلاق النار نحو الشمال وتفادي الانجرار إلى مواجهات أكثر تعقيدًا. وتستعدّ قيادة المنطقة الشمالية لتعزيز القوات في جنوب لبنان، غير أن الجيش يؤكّد أنه لا توجد نيّة في المرحلة الراهنة للتقدّم شمالًا إلى عمق الأراضي اللبنانية. ووفق مصادر عسكرية، وصلت القوات إلى ما يعرف بـ"الخطّ الأمامي" المحدّد في الخطط العملياتية المقرّة.
هذا الكلام مهمّ جدًا، لأنه يقول بوضوح إن إسرائيل تعرف حدود قدرتها، وتخشى التورّط أكثر. لكنها، في المقابل، تحاول تعويض عجز التوسّع البرّي المفتوح بتوسيع الحصار، وتكثيف النيران، ورفع السقف السياسي. أي إنها تدير معركة ضغط واستنزاف، لا معركة حسم سريع.
تناقض إسرائيلي
التقرير نفسه يظهر فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والتقدير العسكري. فالمصادر العسكرية الإسرائيلية أشارت إلى أن نزع سلاح "حزب الله" بالكامل ليس هدفًا مطروحًا في هذه المرحلة، قبل أن يتراجع الجيش عن هذا الموقف بعد ساعات في بيان رسمي بالتنسيق مع وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس. وهذه ليست تفصيلًا في الصياغة، بل علامة على ارتباك حقيقي في تعريف هدف الحرب.
فحين يقول رئيس الأركان إيال زامير إن الجيش لن يغادر المنطقة حتى إزالة التهديد المباشر، مؤكّدًا أنه لن يتخلّى عن هدف تفكيك سلاح الحزب، ثم يعود ويحدّد عمليًا هدف نزع السلاح في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، فإن ذلك يعني أن إسرائيل تتحدّث بأكثر من لسان: لسان سياسي يريد سقفًا عاليًا، ولسان عسكري يعرف أن السقف الواقعي أدنى بكثير.
وتنقل "هآرتس" عن مصادر عسكرية قولها إن الفجوة بين التقديرات الاستخباراتية وتصريحات القيادة السياسية لا تزال قائمة، وإنها "تؤدّي إلى تآكل ثقة الجمهور". وهذا الاعتراف شديد الدلالة، لأنه يكشف أن المعركة، حتى من داخل إسرائيل نفسها، ليست محسومة الأهداف ولا واضحة الأفق.
ترابط ساحتي إيران ولبنان
الأخطر في التقرير هو الحديث عن مخاوف إسرائيلية متزايدة من ترابط ساحتي إيران ولبنان. فالمؤسّسة العسكرية تدرك أن استمرار المواجهة مع إيران بالتوازي مع الحرب في لبنان سيعمّق الاعتماد على قوات الاحتياط العاملة عبر مختلف الجبهات، وهي تعاني أساسًا من ضغط كبير. ومنذ بدء العملية، جرى نشر جميع الألوية النظامية في لبنان، مدعومة بقوات احتياط، فيما تعمل هناك حاليًا أربع فرق عسكرية. في المقابل، يطلب من قوات الاحتياط سدّ النقص في الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى الحدود السورية.
بكلمات أخرى، إسرائيل تخوض حربًا فوق قدرتها المريحة، وتعرف أن فتح الساحات جميعها يضعها تحت ضغط متعدّد المستويات. وهذا تحديدًا ما تراهن عليه طهران. فهي لا تريد بالضرورة الانتصار العسكري المباشر، بل تريد توزيع العبء، وتوسيع الاشتباك، ورفع كلفة أي ضربة أميركية أو إسرائيلية عليها عبر ربط الجبهات بعضها ببعض.
هنا يعود معنى "وحدة الساحات" الذي ورد في المقدّمة. إنها ليست شعارًا دعائيًا فقط، بل آلية دفاع استراتيجية: كلما اقترب الخطر من إيران، اشتعلت هوامش الإقليم حولها. وكلما حاولت إسرائيل قضم ساحة بعينها، انفتحت ساحات أخرى لابتلاع جزء من قدرتها ووقتها واحتياطها.
الخلاصة أن إسرائيل وسّعت مدى الحرب، وضيّقت الخناق على لبنان، وفتحت مسارًا جديدًا في المعركة مع "حزب الله" يتجاوز الضربات المباشرة إلى رسم خريطة تطويق وحصار. وهي، بذلك، لا تستهدف الحزب فقط، بل تستهدف لبنان كله، وسوريا أيضًا، بوصفهما جزءًا من بيئة الإسناد والربط والتنفّس.
أما إيران، فتردّ بمنطق الساحات المفتوحة، وبمحاولة تحويل أمن الطاقة والممرّات الحيوية والجبهات المتعدّدة إلى أوراق ردع متبادلة. وبين هذا وذاك، يقف لبنان في قلب العاصفة، لا كطرفٍ مقرّر، بل كأرضٍ يراد لها أن تتحمّل فاتورة الصراع كلّه.
إنه طور الحصار الكبير: حصار بالنار، حصار بالجغرافيا، حصار بالاقتصاد، وحصار بالسياسة. وحين يصل بلدٌ إلى هذه اللحظة، باتت السؤال الجوهريّ كما يلي: هل المطلوب فقط كسر "حزب الله"، أم كسر لبنان لإسقاطه في لحظة إعادة تشكيل إقليمي؟ وهل ما يجري مجرّد معركة عسكرية، أم هندسة ضغط شامل لإنتاج شرق أوسط جديد على أنقاض الدول الضعيفة؟
