لَم تَعُدِ الأَزْمَةُ في لُبْنانَ مُجرَّدَ اختِلالٍ في الأَداءِ السِّياسيِّ أَو تَراجُعٍ في فاعِلِيَّةِ المُؤسَّساتِ، بَل أَصبَحَت تَعبيراً عَن انزِياحٍ عَميقٍ في بُنيَةِ الفِكرِ السِّياسيِّ نفسِهِ. ذلِكَ أَنَّ ما يُسَمَّى بِذِهنيَّةِ "التَّسَوِياتِ التَّمييعيَّةِ" لَم تَعُد أَداةً لِإدارَةِ التَّعقيدِ، بَل تَحوَّلَت إِلى نِظامٍ قائِمٍ بِذاتِهِ، يَستَبدِلُ الشَّرعيَّةَ بِالازدِواجيَّةِ، وَيُؤَسِّسُ لِثَقافَةِ الالتِباسِ كَواقِعٍ مُستَدامٍ.
هذِهِ الذِّهنيَّةُ، الَّتي تَتَغَذّى مِن خَوفِ المُواجَهَةِ وَمِن وَهْمِ الاستِقرارِ الظَّرفيِّ، أَنتَجَت مَعادَلَةً خَطِرَةً، قِوامُها تَعايُشُ الشَّرعيَّةِ مَعَ نَقيضِها. فَبدَلَ أَن تَكونَ الدَّولَةُ المَرجِعَ الحَصريَّ لِلقَرارِ السِّياديِّ، أَصبَحَت واحِدَةً مِن مَراجِعَ عِدَّةٍ، يَتَوزَّعُ بَينَها القَرارُ، وَيَضيعُ بَينَها المَعنى.
في هذا السِّياقِ، لَم يَكُنِ الفَشَلُ في تَطبيقِ القَراراتِ المُتَعَلِّقَةِ بِحَصرِيَّةِ السِّلاحِ مُنذُ آبَ 2025 مُجرَّدَ تَعثُّرٍ إِجرائيٍّ، بَل تَعبيراً واضِحاً عَن عَجزِ الدَّولَةِ عَن تَجسيدِ سِيادَتِها. فَحَصرُ السِّلاحِ لَيسَ تَفصيلاً أَمنيّاً، بَل هُوَ الجوهَرُ الَّذي تَقومُ عَلَيهِ فِكرَةُ الدَّولَةِ نَفسِها. وَعِندَما تَفشَلُ الدَّولَةُ في ذلِكَ، فَإِنَّها تَفشَلُ في تَعريفِ ذاتِها. وَما يَزيدُ مِن خُطورَةِ الأَمرِ أَنَّ هذا الفَشَلَ لَم يُواجَهْ بِمُراجَعَةٍ جِذريَّةٍ، بَل جَرَى تَغْليفُهُ بِخِطابٍ سِياديٍّ يَستَحضِرُ النُّصوصَ الدُّستوريَّةَ من دونَ أَن يَملِكَ القُدرَةَ عَلَى تَفعيلِها. هُنا، تَتَكرَّسُ ثَقافَةُ الالتِباسِ، حَيثُ يَتَعايَشُ الخِطابُ مَعَ نَقيضِهِ، وَتُصبِحُ الشَّرعيَّةُ شِبهَ افتراضٍ نَظريٍّ لا أَثَرَ لَهُ في الواقِعِ.
إِنَّ استِدامَةَ خِيارِ الازدِواجيَّةِ السِّياسيَّةِ لَم تَكُن نَتيجَةَ ضَغْطٍ خارِجيٍّ فَحَسبْ، بَل أَيضاً خِياراً داخِلِيّاً واعِياً أَو رُبّما غَيرَ واعٍ، يَستَندُ إِلى مَنطِقِ تَأجيلِ الأَزماتِ بَدَلَ مُواجَهَتِها. فَالتَّسَوِيَةُ، عِوضَ أَن تَكونَ جِسرًا إِلى الحَلِّ، أَصبَحَت بَديلاً عَنهُ، وَمَدخَلاً إِلى تَكريسِ الازدِواجيَّةِ كَحالَةٍ دائِمَةٍ. وَفي أَحدِ أَخطرِ تَجلِّياتِ هذِهِ الازدِواجيَّةِ، يَأتِي الانسِحابُ مِن قُرى دَبْلٍ، عَينِ إِبلَ، وَرْمِيشٍ، بَعدَ القَوزَحِ وَعَلما الشَّعبِ، كَواقِعٍ يَكشِفُ حَجمَ التَّراجُعِ في دَورِ الدَّولَةِ. فَحينَ تَنسَحِبُ الشَّرعيَّةُ مِن مِثلِ هذِهِ القُرى، فَإِنَّها لا تَترُكُ فَراغاً إِدارِيّاً فَحَسبْ، بَل تَفتَحُ البَابَ أَمامَ قُوى خارجيَّة أو أُخرى خارِجَةٍ عَنِ القانونِ لِمَلءِ هذا الفَراغِ، وَفَرضِ أَمرٍ واقِعٍ جَديدٍ.
هُنا تَكمُنُ المُفارَقَةُ القاتِلَةُ، إِذ إِنَّ هذِهِ القُوى، الَّتي تُبرِّرُ وُجودَها بِذَريعَةِ المُقاوَمَةِ أَو الحِمايَةِ، تُساهِمُ عَمَلِيّاً في تَكريسِ واقِعٍ يُكرِّسُ استِباحَةِ هذِهِ القُرى، وَيُمهِّدُ الطَّريقَ أَمامَ تَدميرٍ أَو احتِلالٍ تُمارِسُهُ إِسرائيلُ. فَحِينَ تَغيبُ الدَّولَةُ، لا تَعودُ السِّيادَةُ مُصانَةً، بَل تُصبِحُ عُرضَةً لِكُلِّ أَشكالِ الانتهاكِ.
إِنَّ هذا المَسارَ لا يُمكِنُ قِراءَتُهُ كَحَوادِثَ مُتفرِّقَةٍ، بَل كَجُزءٍ مِن مَنظومَةٍ مُتكامِلَةٍ تَقومُ عَلَى تَفكيكِ مَفهومِ الشَّرعيَّةِ تَدريجِيّاً. فَكُلُّ انسِحابٍ، وَكُلُّ تَسَوِيَةٍ تَمييعيَّةٍ، وَكُلُّ تَنازُلٍ غَيرِ مُعلَنٍ، يُساهِمُ في إِعادَةِ تَشكيلِ الواقِعِ عَلَى أُسُسٍ جَديدَةٍ، تَكونُ فيها الدَّولَةُ أَضعَفَ مِمّا كانت، وَاللّاشرعيَّةُ أَقوى مِمّا كانت.وَمَعَ تَراكُمِ هذِهِ المَساراتِ، يَتَحوَّلُ لُبْنانُ إِلى ساحَةٍ مَفتوحَةٍ لِتَقاطُعِ المَشاريعِ، حَيثُ تَتَراجَعُ الفِكرَةُ الوَطنيَّةُ أَمامَ الهُويّاتِ الفَرعيَّةِ وَالارتهاناتِ الخارِجيَّةِ. وَفي هذَا الإطارِ، لا يَعودُ تَفكُّكُ الجُمهوريَّةِ سِيناريوهًا بَعيداً، بَل خَطَراً قائِماً يَتَقدَّمُ بِثَباتٍ. الأَخطرُ مِن ذلِكَ كُلِّهِ أَنَّ هذَا التَّفكُّكَ لا يُواجَهُ بِمُساءَلَةٍ حَقيقيَّةٍ، بَل بِمَزيدٍ مِنَ التَّبريرِ وَالتَّكيُّفِ، فَتُصبِحُ المَسؤوليَّةُ مُشتَّتَةً، وَيَضيعُ الحِسابُ بَينَ تَوازُناتٍ سِياسيَّةٍ هَشَّةٍ، تُقَدِّمُ الاستِقرارَ الشَّكليَّ عَلَى حِسابِ البَقاءِ الكِيانيِّ.مِن هُنا، يَغدو القَولُ إِنَّ تَفكُّكَ الجُمهوريَّةِ اللُّبنانيَّةِ لَيسَ مُجرَّدَ فَشَلٍ سِياسيٍّ، بَل جَريمَةً مَوصوفَةً، يَجِبُ أَن تُساءَلَ عَلَيها مَنظومَةُ الحُكمِ بِأَسرِها. فَحينَ يُوضَعُ الكِيانُ اللُّبنانيُّ "تَحتَ النَّحرِ"، لا يَعودُ الأَمرُ مَسأَلَةَ سِياساتٍ خاطِئَةٍ، بَل يَرتَقي إِلى مُستَوى الخِيانَةِ العُظمى.
بَيْدَ أَنَّ الخُروجَ مِن هذَا المَأزِقِ لا يَكُونُ بِمُجرَّدِ تَصعيدِ الخِطابِ أَو تَبادُلِ الاتِّهاماتِ، بَل بِإِعادَةِ بُناءِ المَسارِ السِّياسيِّ عَلَى أُسُسٍ جَديدَةٍ، تَقومُ عَلَى وَضوحِ الشَّرعيَّةِ وَحَصرِيَّتِها. فَلا دَولَةَ مَعَ ازدِواجيَّةٍ، وَلا سِيادَةَ مَعَ تَعدُّدِ مَراجِعِ القَرارِ. إِنَّ الحاجَةَ اليَومَ لَيسَت إِلى مَزيدٍ مِنَ التَّسَوِياتِ، بَل إِلى قَطعٍ مَعَ ذِهنيَّتِها. وَهذَا القَطعُ يَفترضُ شَجاعةً سِياسيَّةً تَتَجاوَزُ الحِساباتِ الضَّيِّقَةَ، وَتَضَعُ مَصلَحَةَ الكِيانِ فَوقَ كُلِّ اعتِبارٍ.كَمَا يَفترضُ الأَمرُ إِعادَةَ إِحياءِ الفِكرَةِ اللُّبنانيَّةِ كَمَشروعٍ حَضاريٍّ، لا كَمُجرَّدِ تَوازُنٍ بَينَ مَكوِّناتٍ. فَلُبْنانُ، إِن لَم يَكُن دَولَةً سِياديَّةً قادِرَةً، فَإِنَّهُ يَفقِدُ مُبرِّرَ وُجودِهِ كَوَطنٍ.
إِنَّ إِنتِصارَ الازدِواجيَّةِ لَيسَ قَدَراً، بَل نَتيجَةُ خِياراتٍ يُمكِنُ تَغييرُها. وَهَزيمَةُ الشَّرعيَّةِ، عَلَى قَسوَتِها، قَد تَكونُ اللَّحظَةَ الَّتي تُجبِرُ اللُّبنانيِّينَ عَلَى إِعادَةِ طَرحِ السُّؤالِ الجَوهَرِيِّ: أَيُّ دَولَةٍ نُريدُ؟ وَأَيُّ كِيانٍ نُريدُ أَن نَحفَظَ؟ الإِجابَةُ عَن هذَا السُّؤالِ هِيَ الَّتي سَتُحَدِّدُ ما إِذا كانَ لُبْنانُ سَيَبقى وَطناً، أَم سَيَتحَوَّلُ إِلى ذاكِرَةٍ.
