إلى ولديَّ،
أكتب هذه الكلمات الآن لأنني لم أعد أملك رفاهية التأجيل. كلما نظرت إلى لبنان، ازددت اقتناعًا بأن ما لم أقله لكما خلال السنوات الماضية قد لا أملك الوقت لقوله لاحقًا. لذلك اخترت هذه اللحظة. لا لأبرّر، ولا لأشرح، بل لأوثّق مرحلة تعنيني وتعنيكما، بقدر ما تعني كل لبناني مقيم، أو مغترب، أو يفكّر في الرحيل.
منذ ولادتكما، نظرت إليكما بعين الأب والحب والمسؤولية، كما يفعل أي أب. لكنني، في داخلي، كنت أنظر إليكما أيضًا بعينٍ أخرى… عين القلق، وربما الشفقة. ليس عليكما، بل على بلدٍ يولد فيه الإنسان، وفي الوقت نفسه تُسلب منه فرصه.
في لبنان، لا ينقسم البلد فقط، بل ينقسم الإنسان في داخله… كأن سؤال خليل حاوي لا يزال قائمًا: "ما لهُ ينشقُّ فينا البيتُ بيتينِ؟"
اليوم، وأنا في الثالثة والستين من عمري، أقولها بصدقٍ كامل: نصف قرن من حياتي في لبنان قضيتُه في حروبٍ ونزاعات لم تكن عابرة، بل تراكمت سنةً بعد سنة، حتى ساهمت في تدمير هذا البلد بشكلٍ منهجي وعلى كل المستويات. لذلك، لم يكن قلقي يومًا على نفسي، بل عليكما. على مستقبلكما في بلدٍ فقدت فيه الأجيال الجديدة فرصتها الطبيعية في الحياة.
لم أفرض عليكما خيارًا، ولم أرد أن أكون امتدادًا لقيود هذا البلد. حاولت، قدر ما استطعت، أن أفتح أمامكما خيارات، وأن أوسّع احتمالاتكما لا أن أضيّقها. ولهذا عملت كثيرًا، وبإصرار، حتى تحصلا على جنسية أخرى، وكانت الجنسية الأميركية الأقرب بحكم انتماء عائلة والدتكما إليها. لم يكن ذلك تفصيلًا إداريًا، بل قرارًا أبويًا عميقًا هدفه أن تكون أمامكما فرص لم تكن لنا. ولم أكن وحدي في ذلك، فقد كانت والدتكما شريكة في هذا الخيار، بما حملته من صبرٍ واهتمامٍ لا يُرى دائمًا، لكنه كان حاضرًا في كل تفصيل. وقد كان لإصرار خالتكما الكبرى دور أساسي أيضًا في تحقيق ذلك، لا ليكون خيارًا وحيدًا، بل لفتح أبواب إضافية أمامكما.
عرفت بالتجربة أن قدر اللبنانيّ ألّا يغادر وطنه تمامًا، وألّا يعود إليه كاملًا، بل أن يبقى معلّقًا بينهما، كأن الهجرة وطنٌ آخر لا ينتهي.
لم تكن تلك أفكارًا عابرة. كنت أراجع نفسي باستمرار: هل أفعل ما يكفي؟ هل أختار الطريق الصحيح لكما؟ وهل أتحمّل مسؤوليتي كأب، لا فقط في تأمين الحاضر، بل في حماية مستقبلكما من بلدٍ لا يرحم أبناءه؟ كنت أعرف أن الحب وحده لا يكفي، وأن المسؤولية لا تُقاس بما نشعر به، بل بما نفعله فعلًا. لذلك، كل قرار اتخذته، وكل خطوة خطوتها، كان فيها شيء منكما، حتى عندما لم تكونا حاضرين.
يا ولديّ،
صحيح أننا نتحدث مرة أو أكثر يوميًا، لكنكما حاضران في كل تفصيل من حياتي. ما من قرارٍ اتخذته، ولا خطوةٍ خطوتها، إلا وكنت أعود إليكما، ولو بصمت. أنتما في صلب وجداني وعقلي… وبعض ما في القلب لا يُقال، بل يُعاش.
وما لم ترَياه من حياتي، هو ما كنت أعيشه في لحظات كهذه. قبل أيام، وفي مطار واشنطن، كنت فيما يمكن وصفه باعتقالٍ عملي وتعسفي. لم يشغلني الحدث بحد ذاته، بل لم يربكني، بكل صدق. فالعالم تغيّر، والولايات المتحدة لم تعد كما كانت. ما جرى لم يكن استثناءً: مصادرة الهاتف باتت إجراءً متوقعًا، وانتهاك الخصوصية لم يعد يثير الدهشة، وإلغاء تأشيرة دخول صالحة أصبح أمرًا مألوفًا، كما أن الأسئلة السياسية، عمّا أعرف أو لا أعرف، باتت جزءًا من المشهد. ما شعرت به في تلك الساعات لم يكن الحاجة إلى أن أتحدث إليكما، بل إلى أن أحدثكما… وتستمعان.
منذ انخرطت في العمل السياسي، وضعت لنفسي سقوفًا واضحة، وتوقعت أن أدفع أثمانها. وأستطيع اليوم أن أقول بثقة: ليس في تاريخي ما أخجل به، ولا في حاضري ما أخاف منه. تمسّكت بثوابت أعاقت، بلا شك، وصولي إلى مواقع عديدة، لكنني بقيت مرتاحًا مع نفسي. وهذا، بالنسبة إليّ، هو المعيار.
لم أؤذِ أحدًا، ولم أعمل مع أي جهاز، لا محلي ولا خارجي، ولم أنخرط في أي مسارات تحيط بها الشبهات. لم أفعل ذلك يومًا، لا في شبابي ولا اليوم. ولم أتنازل يومًا عن حقي في إبداء رأيي الحر. مع الرئيس الراحل عمر كرامي، كانت علاقتي استثنائية، لكنني لم أتردد لحظة في قول قناعاتي بوضوح. وكذلك مع الرئيس نجيب ميقاتي، الذي كان يعرف تمامًا أنني لا أُداري ولا أُجامل، وإن كنت أحرص دائمًا على أن أبقى دبلوماسيًا في نقدي وتعبيري.
دفعت أثمانًا أعرفها جيدًا: شخصية مرنة من دون انكسار، مستوعبة من دون تزلّف، ورافضة للتصفيق حيث لا يجب التصفيق. وما جرى في واشنطن أعاد إليّ محطات أخرى. اكتشفت مثلًا أنني كنت مطلوبًا من نظام بشار الأسد، حين دخلت إلى سوريا بعد سقوطه لاستعادة أوراق تخص أملاك عائلة والدتكما. وفي العام 2018، طلب حزب الله منعي من الترشح للانتخابات، عبر الرئيس ميقاتي، لتأمين فوز حليفهم الأول في طرابلس حينها، قبل أن تتغيّر التموضعات وتتبدل التحالفات.
مطلوب من نظام، وممنوع من الترشح بطلب طرف داخلي، وممنوع من دخول دولة كبرى بسبب مواقف سياسية…
قد يبدو ذلك، لمن ينظر من الخارج، تناقضًا.
لكنه بالنسبة إليّ كان علامة واحدة: أنني لم أنتمِ يومًا إلا لما أؤمن به.
يا ولديّ،
لن أطلب منكما أن تكونا مثلي، ولا أن تعيشا ما عشته. لكنني أرجو أن تفهما شيئًا واحدًا: أن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل ثمن يُدفع… أحيانًا بصمت، وأحيانًا بخسارة فرص، وأحيانًا بأن لا يرضى عنك أحد.
نحن نعيش في بلدٍ معقّد، ومنطقةٍ مفتوحة على صراعات لا ترحم، وعالمٍ لا تُقاس فيه المواقف دائمًا بما هو حق، بل بما يخدم موازينه وتحالفاته. هناك، تُختبر القناعات فعلًا… لا بما يُقال، بل بما يُطلب منكما أن تقبلاه أو ترفضاه.
إن كان في ما عشته ما يستحق أن يُورّث، فليس ما حققته، بل ما رفضت أن أكونه.
هذا، وحده، ما أريده أن يبقى منّي فيكما.
