إسرائيل تبلور جبهة لبنان مجدداً: الليطاني الآن ثم البقاع

المدن - سياسةالاثنين 2026/04/06
Image-1775500710
تنتقل إسرائيل، سياسيًا وعسكريًا، من مشروع الحسم السريع إلى سياسة الاستنزاف المنظم. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعلن المجلس الوزاريّ الأمنيّ الإسرائيليّ المصغّر، بصوتٍ واضحٍ ومباشر، أنّ حربه في لبنان دخلت مرحلة إعادة تعريف الأهداف، لكنّ ما تسرّب من داخل المداولات، وعلى لسان مسؤولين عسكريّين، يكشف أنّ المؤسّسة الأمنيّة في إسرائيل لم تعد تتعامل مع معركة لبنان على قاعدة "نزع سلاح حزب الله في كلّ لبنان"، بل على قاعدة هدفٍ أكثر تواضعًا، وأكثر التصاقًا بالواقع العملانيّ: نزع سلاح الحزب جنوب اللّيطاني.

هذا التّحوّل لا يبدو تفصيلًا عابرًا في لغة الحرب، بل يعبّر عن اعترافٍ ضمنيٍّ بأنّ السّقف الأقصى الذي رفع في بداية المواجهة بات خارج متناول الجيش الإسرائيليّ، أو على الأقلّ أبعد بكثيرٍ من أن ينجز في المدى المنظور. ومن هنا، لم يعد النّقاش يدور فقط حول كيفيّة تحقيق نزع السّلاح، بل حول ما يجب فعله إذا تعذّر تحقيقه أصلًا.

الطرح الذي برز في الجلسة الأمنيّة المصغّرة (الكابينت) يقوم على معادلةٍ جديدة: إذا عجزت الدّولة اللبنانيّة عن نزع سلاح حزب الله، فإنّ الجيش الإسرائيليّ لن يكتفي بمواصلة العمليّات العسكريّة في جنوب لبنان، بل سيبقي حضوره الميدانيّ في تلك المنطقة، بوصفه جزءًا من سياسة ضغطٍ مفتوحةٍ وممتدّة.

وبذلك، تنتقل إسرائيل، سياسيًّا وعسكريًّا، من مشروع الحسم السّريع إلى سياسة الاستنزاف المنظّم، ومن فكرة الحرب الحاسمة إلى فكرة إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنيّة للحدود، ولو بالقوّة، ولو على مراحل.

 

البقاع يدخل المعادلة

الأكثر دلالةً في النّقاشات المسرّبة أنّها لم تحصر الاحتمالات بجنوب لبنان فقط، بل فتحت الباب أمام جبهة ضغطٍ ثانية، يكون البقاع عنوانها الأساسيّ، وذلك بالتّوازي مع تفاهماتٍ محتملةٍ مع السّوريّين للعمل في منطقة مواجهةٍ أخرى مع حزب الله، بحسب زعم بعض التسريبات الإسرائيليّة.

هذا المعطى لا يكشف فقط عن توجّهٍ عسكريٍّ جديد، بل عن محاولةٍ إسرائيليّةٍ لإعادة بناء مسرح الاشتباك على مساحةٍ أوسع، بحيث لا يبقى جنوب اللّيطاني وحده ساحة الصّدام، بل يصبح جزءًا من لوحة ضغطٍ متعدّدة المحاور، تمتدّ من الحدود الجنوبيّة إلى الخاصرة الشرقيّة للبنان.

في موازاة النّقاش العسكريّ، برز عامل ضغطٍ سياسيٍّ داخليٍّ، تمثّل في رسالةٍ وقّعها عشرون عضوًا في الكنيست، ووجّهوها إلى أعضاء المجلس الوزاريّ المصغّر والحكومة، طالبوا فيها بالتّجاوب مع خطّة الجيش، واغتنام ما وصفوه بأنّه "فرصةٌ قد لا تتكرّر" للقضاء على حزب الله كاملًا.

هذه الرّسالة تظهر أنّ المزاج السّياسيّ داخل إسرائيل لا يزال يدفع باتجاه رفع سقف الحرب، وعدم الاكتفاء بإدارة الاشتباك أو احتوائه. لكنّها، في الوقت نفسه، تكشف حجم التّباين بين ما يريده بعض السّياسيّين، وما تراه المؤسّسة العسكريّة ممكنًا على الأرض.

 

الجنرالات بين شريطٍ أمنيٍّ واحتلالٍ مفتوح

اللافت أنّ بعض الأصوات العسكريّة الإسرائيليّة لم تخف تشاؤمها من إمكان تحقيق الهدف المركزيّ المعلن. فقد قال أحد الجنرالات بوضوح: "لن نحقّق نزع سلاح حزب الله". وهذه العبارة، على قصرها، تختصر مأزقًا استراتيجيًّا كاملًا، لأنّها تسقط الهدف الأعلى للحرب من حيّز الإمكان المباشر إلى حيّز التمنّي البعيد.

وفي المقابل، يطرح بعض قادة الجيش بدائل عمليّةً، تقوم على إنشاء شريطٍ أمنيٍّ، وإبعاد خطر الصّواريخ المضادّة، بوصف ذلك مهمّةً عاجلةً وأكثر قابليّةً للتّنفيذ. غير أنّ هذا الطّرح لا ينفصل عن فكرةٍ أشدّ خطورة، عبّر عنها الجنرال نفسه حين دعا إلى "سيطرةٍ شاملةٍ جنوب اللّيطاني"، وممارسة "كلّ الضّغوط" على الحكومة اللبنانيّة، مع إبقاء احتمال البقاء هناك مفتوحًا على غرار ما حصل في هضبة الجولان وسيناء.

هنا، لا يعود الأمر مجرّد عمليّةٍ أمنيّةٍ محدودة، بل مشروع فرض وقائع حدوديّةٍ جديدة، عنوانها تحويل نهر اللّيطاني إلى ما يشبه "خطًّا جديدًا للحدود"، إلى أن تستجيب الدولة اللبنانيّة لما تريده إسرائيل.

 

إسرائيل في قلب معضلةٍ حقيقيّة

لكنّ هذا الاندفاع نحو توسيع الحرب أو تثبيت احتلالٍ أمنيٍّ طويل الأمد، لا ينفصل عن حقيقةٍ أخرى أكثر تعقيدًا: إسرائيل نفسها تواجه أزمة جهوزيّةٍ في هذه المعركة.

فبحسب التّقديرات الواردة في النّقاشات، دخل الجيش الإسرائيليّ المواجهة وهو غير مستعدٍّ لها بما يكفي، لا على المستوى الاستخباراتيّ، ولا على مستوى العتاد، في ظلّ النّقص في الطّائرات والصّواريخ المضادّة. وهذا يعني أنّ التّشدّد في الخطاب لا يخفي بالضّرورة تماسكًا ميدانيًّا، بل قد يكون، في جانبٍ منه، تعويضًا سياسيًّا عن فجواتٍ عسكريّةٍ قائمة.

وفي الجهة المقابلة، لا توحي المعطيات بأنّ حزب الله استنزف إلى الحدّ الذي يخرجه من المعادلة. بل إنّ التّقدير نفسه يقول إنّ الحزب ما زال يملك من القدرات ما يتيح له مواصلة هجماته لخمسة أشهرٍ على الأقل، مستفيدًا من إخفاقاتٍ كبيرةٍ في منظومة الدّفاع الإسرائيليّة، ومن نقصٍ متزايدٍ فيها.

 

إنذار القرى: الميدان يترجم السياسة

على الأرض، جاءت ترجمة هذا المسار عبر إنذارٍ عاجلٍ وجّهه المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفيخاي أدرعي إلى سكّان 41 قريةً في جنوب لبنان، داعيًا إيّاهم إلى إخلاء منازلهم فورًا، والانتقال إلى شمال نهر الزهراني.

وشملت القرى والبلدات المذكورة: النميريّة، البابليّة، المروانيّة، الكفور، تول (النبطيّة)، كفر بدا (صور)، مزرعة كثرة الرز، مزرعة كفر جوز، كفروة، مزرعة اليهوديّة، مزرعة الواسطة، مزرعة الحسينيّة، العاقبيّة، مزرعة جمجم، مطريّة الشومر، عبّا (النبطيّة)، غسّانيّة، أنصار (النبطيّة)، مزرعة الداوديّة، الدّوير، خرطوم، عدّوسيّة، دير تقلا، عدلون، تفاحتا، اللوبيّة، الصرفند، مراح الحبّاس، مزرعة الأوساميّات، أنصاريّة، البيساريّة، زفتا، مزرعة بصفور، قعقعيّة الصنوبر، زراريّة، دوير، مصيلح، نجّاريّة، السكسكيّة، الشرقيّة، مزرعة بصيلة، البيّاضة.

وقال أدرعي: "أنشطة حزب الله تجبر الجيش الإسرائيليّ على العمل ضدّه بقوّةٍ في تلك المناطق. الجيش لا ينوي المساس بكم". ثم أضاف: "حرصًا على سلامتكم، عليكم إخلاء منازلكم فورًا، والانتقال إلى شمال نهر الزهراني".

وهذا الإنذار لا يمكن فصله عن النّقاش الأوسع داخل إسرائيل. فهو ليس مجرّد إجراءٍ ميدانيٍّ احترازيٍّ، بل جزءٌ من مسارٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ يتقدّم خطوةً خطوةً نحو إعادة رسم خريطة الضّغط على لبنان، وتكريس معادلةٍ تقول إنّ الحرب لم تعد تهدف إلى الضّرب والانسحاب، بل إلى فرض وقائع ثابتةٍ، تبدأ من جنوب اللّيطاني، ولا تستبعد البقاع لاحقًا.

 

ما يتكشّف من داخل المؤسّسة الإسرائيليّة هو انتقالٌ واضحٌ من أوهام الحسم الكامل إلى هندسة حربٍ طويلة، ومن خطاب "نزع السّلاح الشّامل" إلى سياسة "المنطقة العازلة القسريّة". وفي هذا الانتقال، يتجاور هدفان: الأوّل، فرض سيطرةٍ أمنيّةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ جنوب اللّيطاني، والثّاني، إبقاء الضّغط مفتوحًا على الدّولة اللبنانيّة، وربّما توسيعه شرقًا نحو البقاع.

غير أنّ المعضلة تبقى في أنّ إسرائيل، وهي تلوّح بحربٍ أطول، تقرّ في الوقت نفسه بأنّ خصمها لم يهزم، وأنّ جيشها لم يدخل المعركة بأقصى درجات الجهوزيّة. وبين سقفٍ سياسيٍّ مرتفعٍ، وواقعٍ عسكريٍّ معقّد، تبدو الجبهة اللبنانيّة مرشّحةً لمزيدٍ من التّصعيد، ومفتوحةً على معادلاتٍ أشدّ خطورةً ممّا كان مطروحًا في بداية الحرب.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث