يوم دموي بتوقيع إسرائيلي، ينذر بمزيد من التصعيد الذي قد يشمل كل لبنان تزامناً مع انتهاء المهلة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، التي تنتهي يوم الثلاثاء المقبل. قابل التصعيد العنيف عجز داخلي عبّر عنه غياب المبادرات، وإن كان رئيس الجمهورية جوزاف عون قال إنَّ "اتصالاتنا مستمرة لوقف القتل والدمار والجراح"، من دون أن يفصح عن تفاصيل هذه الاتصالات.
من الصرح البطريركي في بكركي وفي مناسبة دينية، وجّه رئيس الجمهورية رسائل بالجملة، فغمز من قناة المراهنين على الفتنة الداخلية، بالتنبيه إلى أن "زمن الـ 75 انتهى والظروف تغيّرت"، قائلاً: "ألف عدو برّات الدار ولا عدو جوّا الدار"، ومؤكداً انّ "لا أحد يريد الفتنة لأن اللبنانيّين تعبوا من الحروب". ومن جهة حزب الله، ومن دون أن يسمّيه، انتقد عون "البعض" الذي قال عن التفاوض: "شو جايينا من الدبلوماسية؟"، ليجيبهم متسائلاً: "شو جاييني من الحرب تبعك؟". وأضاف: "التفاوض ليس تنازلاً والدبلوماسية ليست استسلاماً، واتصالاتنا مستمرة لوقف القتل والدمار والجراح"، آسفاً "للأشخاص الذين يتهجّمون على الجيش والقوى الأمنية"، قائلاً: "إنتو شو عملتو للجيش؟ الجيش بيمشي حسب المصلحة الوطنية وبيعرف شغلو، ولولا الجيش ما كنّا ببكركي اليوم". عون أكد كذلك أنّ "العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي ممتازة، وقد عايدني بالفصح، والعلاقة ممتازة أيضاً مع رئيس الحكومة نواف سلام، ونقوم بالواجب، ولم يصلنا أي جواب حول التفاوض". وعلم في هذا المجال أن قنوات تواصل معنية نشطت على خط بعبدا–عين التينة في الساعات القليلة الماضية. وقالت مصادر مواكبة إن التواصل لا بدّ منه وتفرضه الظروف الخطيرة التي تعيشها البلاد.
وعن الخطوة بحقّ السفير الإيراني، قال عون إن "السفير الإيراني ليس سفيراً ولم يقدّم أوراق اعتماده، وهو موجود في السفارة من دون صفة ولا وظيفة". ما يفسّر أن عون ليس بوارد التراجع عن الخطوة، بل هو يوافق ضمناً على مغادرته على اعتبار أن لا عمل له وأنه ليس بصدد قبول أوراق اعتماده.
مرحلة أكثر خطورة
إذن، يشهد العدوان الإسرائيلي على لبنان وتيرة متسارعة، وهذا ما ينذر بالدخول في مرحلة أكثر خطورة، بحسب المؤشرات وغياب أي مبادرات تفاوضية. التصعيد مستمر، حيث سُجل يوم ناري على الضاحية الجنوبية لبيروت تحديداً. حتى هذه اللحظة سُجلت ثماني غارات على الضاحية، في تصعيد لافت من حيث الكثافة والوتيرة، كمؤشر على انتقال العمليات إلى مستوىً أعلى من الضغط العسكري، خصوصاً أنّ الضاحية تُعد هدفاً مركزياً في هذه المواجهة. كما لم تعد الضربات المتواصلة من الجنوب إلى البقاع والضاحية، ضمن إطار المواجهات التقليدية، بل باتت تستهدف بشكل مباشر البنى التحتية، في محاولة لقطع أوصال المناطق وعزلها عن بعضها البعض.
ومنذ الصباح استيقظ الأهالي على وقع المجازر المروعة، التي طالت عائلات بأكملها وأدت إلى إبادتها نتيجة الغارات الإسرائيلية. واستمر التصعيد حتى ساعات بعد ظهر اليوم، بضربة عنيفة استهدفت حياً مدنياً مأهولاً في قلب منطقة الجناح، من دون إنذار مسبق، وهذا ما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى، إضافة إلى دمار هائل في الممتلكات. كل ذلك يوحي بأننا أمام قواعد اشتباك جديدة تُفرض على الأرض، وأن لبنان قد يكون مقبلًا على مرحلة من الضغط بالنار، مع ما تحمله من مخاطر وتداعيات كبيرة.
استهداف بارجة إسرائيلية
على المقلب الأخر، وفي قراءة إسرائيلية محدثة للمشهد الميداني، وفق ما تنقله وسائل إعلام عبرية، فإنّ المؤسسة الأمنية في تل أبيب تنشغل بإعادة تقييم قدرات حزب الله بعد أشهر من المواجهة، لتخلص إلى أن الحزب لا يزال يمتلك مقومات الصمود في حرب طويلة النفس. ووفق تقديرات عسكرية، فإن وتيرة النيران التي يمكن للحزب الحفاظ عليها ما زالت مرتفعة، إذ يُرجّح أن يواصل إطلاق مئات الصواريخ والمسيّرات يومياً، بمعدل يصل إلى نحو 200 عملية إطلاق، ولمدة قد تمتد لعدة أشهر إضافية.
واليوم، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إصابة 66 جندياً وضابطاً في معارك جنوب لبنان خلال الأيام الثلاثة الماضية. كما فاجأ حزب الله، إسرائيل بعبارة أعادت الأذهان إلى خطاب للأمين العام لحزب الله السابق السيد حسن نصرالله "أنظروا إليها تحترق"، مع إعلان حزب الله في بيان عن استهداف بارجة إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية، جاء فيه: "الآن في عرض البحر، البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية، وعلى بيوت الناس وعلى المدنيين، أنظروا إليها تحترق" دفاعًا عن لبنان وشعبه، وفي إطار الرد على تمادي العدو الإسرائيلي في قصف القرى والمدن وتدمير البنى التحتية وتهجير المدنيين، استهدف مجاهدو المُقاومة الإسلاميّة عند الساعة 00:05 الأحد 05-04-2026 بارجة عسكريّة إسرائيليّة على بعد 68 ميلاً بحرياً قبالة السواحل اللبنانية كانت تتحضّر لتنفيذ اعتداءاتها على الأراضي اللبنانيّة؛ وتمت عملية الاستهداف بصاروخ كروز بحريّ بعد رصد الهدف لساعات، وتأكّدت إصابته بشكل مباشر".
بينما في المقابل، نفى مسؤول إسرائيلي لإذاعة الجيش الإسرائيلي استهداف أي بارجة حربية إسرائيلية أو تسجيل إصابات.
اقتصاد الذخيرة
وبالعودة إلى القراءة الإسرائيلية المستخلصة من تقارير عبرية، فتعزو هذه القدرة لدى حزب الله، إلى اعتماد الحزب على ما يُعرف بإدارة "اقتصاد الذخيرة"؛ أي استخدام مدروس ودقيق لمخزونه العسكري بما يسمح بإطالة أمد المواجهة دون استنزاف سريع. كما تشير المعطيات إلى انتشار واسع لمنصات الإطلاق، التي يُقدّر عددها بالمئات، ويتمركز معظمها في مناطق شمال نهر الليطاني. وغالباً ما تُخفى هذه المنصات داخل مناطق سكنية مأهولة، ما يزيد من تعقيد مهمة رصدها واستهدافها، ويضع سلاح الجو الإسرائيلي أمام تحديات عملياتية كبيرة، بحسب ما أوردت القناة 12 الإسرائيلية مساء أمس.
أمّا سياسياً، فتكثف إسرائيل رسائلها إلى الولايات المتحدة، مطالبة بفصل المسارات العسكرية بشكل كامل، بحيث لا يرتبط أي تهدئة محتملة مع إيران بمسار المواجهة في لبنان. وبالتالي فإنّ العمليات ضد حزب الله مرشحة للاستمرار، وربما التصاعد، حتى في حال التوصل إلى اتفاق تهدئة على جبهات أخرى. أما الهدف الذي يتردد في الأوساط الإسرائيلية، والذي بات يُعلن عنه بشكل واضح مؤخراً في إسرائيل، فيتمثل في إحداث تغيير جذري في الواقع الجغرافي جنوب لبنان، بعد اعتراف إسرائيلي بأنّ هدف الجيش الإسرائيلي ليس بنزع سلاح حزب الله، بل تحويل المنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني إلى نطاق خالٍ من السلاح ومدمّر، بما يمنع عودة تموضع حزب الله فيها. وعليه، فإنّ تحقيق الهدف المرجو أي "أمن الشمال" لن يكون ممكناً إلا من خلال نزع السلاح من تلك المنطقة، سواء عبر تدخل عسكري مباشر أو من خلال ترتيبات يشارك فيها الجيش اللبناني، وفق الرواية الإسرائيلية.
