لبنان في أزمته الصراعية

أحمد جابرالسبت 2026/04/04
Image-1775200932
مطالبة الدولة بالرد عسكرياً على إسرائيل ابتزاز واضح (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

السنوات الثلاث الأخيرة حملت تحدّيات معقدة أعادت وضع اللبنانيين في دوّامة البحث عن كيفيّة الخروج من مأزق استدامة الأزمات السياسية، ووضعتهم على جادّة البحث عن الوسائل الكفيلة بمنع تحوّل كل أزمة سياسية إلى أزمة مصيرية، كيانية أو وجودية. من تشرين الأول 2023، لدى انطلاق طوفان الأقصى، إلى راهن الحرب المندلعة في جنوب لبنان، عادت الأسئلة الخلافية إلى تصدّر واجهة السياسات المتنابذة، ممّا أدّى إلى توسيع الشرخ الداخلي، وإلى رفع منسوب توتّر الخطاب السياسي بين سائر المنقسمين المتنابذين.

 

إذن، البلد أعاد تظهير انقسامه، ولغة النبذ والاتهام باتت أكثر وضوحاً، وقوام "الاجتماع" اللبناني، المبني على خلافٍ أصلي، سارع إلى رسم حدودٍ حادّة لهذا الخلاف، ثم أضاف إليها من "حواضر" اللحظة الراهنة.

أكثر من إشارة تدلُّ على أن لبنان أمام مفترقٍ صعب، وأمام اشتباك السياسات وتعريفها، وأمام الاستفهام التشكيكي حول قدرة "لبنان" على استعادة كيانيّته الدولتية، وحول القدرة على إحياء حالة رضىً وقبولٍ لدى "الكيانييَّن"، بعد أن تهدأ عاصفة نار الحرب المتنقّلة.

ما الموضوع الذي أشعل نار الاشتباك في نسخته الأخيرة؟ كما هو معلوم، لقد اندلعت "النار" بعد إطلاق "المقاومة الإسلامية رشقة صاروخية" على إسرائيل، فكان ما كان، وما زال مستمرّاً في الزمان.

عليه، كتبت "المقاومة" تاريخ استدراج العدو إلى الأرض اللبنانية، هذا في منطوق لبناني له أصل وله تاريخ وله أدبيات وسياسات. وفي الردّ على هذا القول، أن المقاومة قد ردّت على سياسة العدوان المتمادية بعد التوقيع على اتفاق وقف الأعمال العدائية، وثأراً لمرجعيتها الروحية والسياسية. هكذا اندلع الخصام مجدَّداً، فهل كان الأمر فجائياً، أم كان "ابناً" خلافياً من ضمن عدد كبير من أبناء الخلافات الداخلية؟ 

 

لكن الاشتباك حول ما كان بداية، لا يفيد اعتماده طويلاً بعد أن دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى الأرض اللبنانية، فكتبت بدايةً جديدة، ينبغي على اللبنانيين أن يعتمدوها بداية تحجب في السياسة العملية، ما كان لهم من بداية. حجب البداية اللبنانية في ظرف الاحتلال، وفي واقع التصدي له، من شأنه الانصراف إلى تأسيس بداية جامعة جديدة، قوامها عنوان واحد هو: كيف يدير اللبنانيون صراعهم ضد الاحتلال؟ وكيف يمنعون ثباته في أرضهم؟ وكيف يكسرون سياسات المحتلّ التي تراهن على خلاف اللبنانيين البيني، وعلى اختلافهم حول تحديد الأولويات الوطنية.

التوقف حول عنوان البداية، هو تقديم "ما يحصل" على "الماحصل"؛ أي تقديم الانصراف إلى معالجة النتيجة، التي لا يمكن تأجيل النظر فيها، على السبب الذي يمكنه الانتظار.

هذه السياسة الإرجائية، يُقدّر لها أن تضيف قوّة إلى الحالة اللبنانية وهي تدير صراعها مع عامل أساسي وجوهري من أسباب أزمتها الطويلة، ويقدر لها أيضاً أن تشكل عامل تسهيل للحوار الداخلي الذي عليه أن يسعى إلى إعادة صياغة داخليته على أسس متقدمة، بعد أن تتضح نتائج الحملة العسكرية العدوانية.

 

الاتفاق على إدارة صراعية لها السّمة الوطنية الجامعة، ليست دعوة إلى التعمية على الأسباب الموروثة، أو على الأسباب الوليدة الجديدة. 

وطلباً لوضوح أوسع، الإدارة الصراعية ليست أحادية الوسائل، بل هي إدارة تجمع السياسي الديبلوماسي مع السياسي القتالي، مع "المجتمعي" الأهلي، وهي إدارة تملك عنوان شرعية المرجعية الوطنية في مخاطبة الداخل وفي التواصل مع الخارج، واختصاراً، هي مسمّى "الدولة" التي يُمنع الخروج على وحدانية تمثيلها ووحدانية سلطتها، آن الحرب، وفي كل أوان.

أن نقول الدولة، لا يعني استعادة الثلاثية السابقة التي غاب ظرفها، ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، بل يعني استخلاص الدرس الأول من العقود التي امتدّت من سنة 2000 وحتى تاريخه، حيث سادت، عملياً، ازدواجية سلطة كان من شأنها إعاقة استقامة اليوميات الوطنية اللبنانية، في مجال السياسة وفي كل المجالات.

القول بالدولة، سيطرح سؤال أي دولة؟ هذا لأن كل فريق يضمر الدولة التي تناسبه. هذا "منطقي" في الحالة اللبنانية التي تتسيّدها الطوائف، وهذا منطقي عندما يُدعى أبناء الجمعيات إلى مراجعة الشعار ومضمونه، هذا لأنَّ ما ينسبونه إلى "دولتهم" المنشودة، غير متاحٍ تحقيقه لأن الواقع اللبناني مخالف لكل أطروحاته، واقعياً، عن الدولة التي ستتولى إدارة الصراع وإدارة الأزمات.

 

هي الدولة الموجودة بين "توازنات" الطوائف، لذلك يجب الانتباه إلى كيفية إدارة هذه الموازين، مثلما يجب التنبّه إلى ما سيصدر عن توافق "المتوازنين" من عدالة توزيع في ما بينهم، ومن إجحاف أكيد سيلحق بمن تُدار باسمهم التوازنات الطائفية والمذهبية. إلى ذلك، إذا كانت الدولة موضع سؤال، فإن سائر ما يلحق بها من مؤسسات موضع أسئلة أيضاً، لجهة القدرة ولجهة الممكانات.

في معرض القدرة، نفرد باباً لمسألة الجيش اللبناني، من مدخل مطالبة الدولة بالرّد عسكرياً على العدوانية الإسرائيلية. نبادر إلى القول إن في المطالبة هذه "ابتزاز" واضح، فمن يرفع صوته مطالباً، على علمٍ بأن الجيش ليس في موضع القادر على التصدّي للآلة الإسرائيلية، ومن يعرّضه لهكذا امتحان، يريد له الخسران، وفي خسران الجيش خسارة فادحة ومصيرية لكل البنية اللبنانية. عليه، إدارة الصراع ذات المرجعية الواحدة، هي عملية تأسيسية جديدة، تقوم على "شرعة" داخلية جديدة متوازنة، وعلى تسليمٍ واعٍ بما تستطيعه المؤسسات الرسمية وما لا تستطيعه، وعلى معرفة واضحة بما يحفظ لبنان وبما يطيح به، كصيغةٍ وككيان.

"المصيبة توحّد"، هذا ما تقوله العامّة. والحال أنَّ لبنان الآن في مصيبةٍ كبرى، فلتكن وحدةً داخليةً طارئة عاجلة، لعل مصيبة اللبنانيين مع الاحتلال الخارجي، ومع الاختلال الداخلي، تكون مقدمة لافتتاح مسيرة "آخر الأحزان".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث