جنوب "المجازر الصامتة": الضحايا أرقام.. وخرائط التهجير ترتسم

مانشيت - المدنالسبت 2026/04/04
Image-1775310942
إنه مشهدٌ يتجاوز الحرب إلى ما هو أخطر منها. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

إنّه جنوب المنكوبين، بمختلف طوائفهم. بشيعته الـ600 ألف النّازحين، وبمسيحيّيه والسنّة والدروز في القرى المعدودة، حيث قرّروا البقاء في أرضهم، لكنّهم يتعرّضون للابتزاز. فسواء هؤلاء أو أولئك، يأتيهم في كلّ لحظة طلبٌ أو شرطٌ إسرائيليّ، فيما هدم المنازل على أهلها لا يتوقّف.

مجازر الجنوب ترتكب بصمت: منازل ومساجد وملاجئ تسقط على رؤوس الّذين قرّروا الصّمود في أرضهم. لا أحد يتحدّث عنهم، ولا يذكرهم رجل سياسة، وكأنهم أرقام بلا أسماء ولا هوية. وفي تقريرها الأخير، أمس، قدّرتهم وزارة الصحة بـ1368 شهيداً. وأما المصابون فبلغوا 4138. كل هذا، والدّولة غارقةٌ في عجزها الدّاخليّ والخارجيّ، والدّول المعنيّة لا تهتمّ إلّا بإجلاء الرّعايا خوفاً على حياتهم. فبعد السّفارة الأميركيّة، جاء اليوم دور بريطانيا.

إذاً، السّاحة مفتوحةٌ بلا ضوابط لإسرائيل، تهدّد وتدمّر وتقضم وتهجّر. وفيما يستمرّ الضّغط العسكريّ في القطاع الأوسط، كان لافتًا في الأيّام الأخيرة التّركيز على نقطتين لهما دلالاتٌ خاصّة: مدينة صور والضّواحي، وبلدات البقاع الغربيّ، حيث تتردّد السّيناريوهات عن تجهيز الأرضيّة للفصل بين البقاع والجنوب، والبقيّة الّتي لا أحد يعرفها.

 

من الميدان إلى كسر البنية

يتّخذ العدوان الإسرائيليّ على لبنان منحًى أكثر خطورةً واتّساعًا، مع انتقاله من استهداف خطوط المواجهة التّقليديّة إلى ضرب البنية التّحتيّة الحيويّة وشرايين الحركة اليوميّة. المشهد لم يعد مجرّد ضغطٍ عسكريّ بالنّار، بل بات محاولةً منهجيّةً لعزل المناطق، وتقطيع أوصال البلدات، وإعادة رسم الجغرافيا بالنّسف والحصار والإنذار.

في هذا السّياق، شنّ الجيش الإسرائيليّ، ليل الجمعة وفجر السّبت، غاراتٍ مكثّفة طاولت مناطق واسعة في جنوب لبنان والبقاع والضّاحية الجنوبيّة لبيروت، مدمّرًا جسرَين رئيسيَّين فوق نهر الليطاني. ولم يكن استهداف الجسرَين تفصيلًا عابرًا في سجلّ الغارات، بل خطوةً ذات دلالةٍ عملانيّة وسياسيّة معًا، لأنّها تضرب إمكان الحركة الميدانيّة والإمداد، وتدفع النّاس أكثر نحو العزلة والخوف والنّزوح.

 

عزلٌ منظَّمٌ للبلدات

فجر السّبت، أغار الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ على الضّاحية الجنوبيّة لبيروت ومحيط مدينة صور، ودمّر جسرَين فوق نهر الليطاني يربطان بين بلدتَي سحمر ومشغرة في البقاع الغربيّ. والجسران ليسا ممرَّين عاديَّين، بل معبران حيويّان يشكّلان جزءًا أساسيًّا من شبكة الطّرق الدّاخليّة الّتي يعتمد عليها الأهالي في تنقّلاتهم اليوميّة وربط قراهم بعضها ببعض.

هنا، يتجاوز القصف حدود الرّسالة العسكريّة إلى وظيفةٍ أكثر وضوحًا: محاصرة القرى، وشلّ الحركة، وفرض وقائع ميدانيّة جديدة. والأخطر من ذلك، أنّ المعلومات تحدّثت عن اتّصالٍ تلقّاه مدير مركز الدّفاع المدنيّ اللّبنانيّ في سحمر، أحمد كريم، من الجيش الإسرائيليّ، طلِبَ فيه منع المواطنين، ولا سيّما الصّحافيّين، من التّوجّه إلى جسر سحمر، لاحتمال إعادة استهدافه. وهذه ليست مجرّد واقعة أمنيّة، بل تكثيف فاضح لمنطق التّرويع: إنذارٌ بالنّار، ثمّ ضبطٌ للمكان، ثمّ احتكارٌ للرّواية.

 

بنك أهدافٍ مفتوح

في السّاعات الأولى من الفجر، تعرّضت الضّاحية الجنوبيّة لبيروت لستّ غاراتٍ على الأقلّ، استهدفت إحداها محطّة وقود "الأمانة" في تحويطة الغدير، فيما طاولت غاراتٌ أخرى محيط أوتوستراد هادي نصر الله، بعد إنذاراتٍ وجّهها الجيش الإسرائيليّ إلى سكّان المنطقة. وهذا التّدرّج بين التّهديد ثمّ القصف يعكس سياسةً ثابتةً قوامها نقل المجتمع كلّه إلى حالة انتظار الموت، أو الهرب منه.

أمّا في الجنوب، فتواصلت الغارات وعمليّات القصف المدفعيّ على عددٍ من القرى والبلدات. ونشب حريقٌ هائل جرّاء غارةٍ استهدفت بلدة صريفا، فيما أغار الطّيران الإسرائيليّ على كونين، ومحيط بلدة معركة، ومحيط البرج الشّماليّ في قضاء صور. كذلك استهدفت إسرائيل، بصاروخٍ أطلِق من طائرةٍ مسيّرة، قاربًا في ميناء مدينة صور، فيما شنّ الطّيران الحربيّ غارةً على بلدة حاريص.

إنّ توسيع بنك الأهداف ليشمل المرافئ، والطرق، والمحيط المدينيّ، ومراكز التجمّع السّكّانيّ، يكشف أنّ إسرائيل لا تضغط فقط على "حزب الله"، بل تضغط على البيئة، وعلى المجال العامّ، وعلى إمكان العيش نفسه. إنّها حربٌ على القدرة على البقاء، لا على القدرات العسكريّة وحدها.

 

توسيع الاشتباك على الأرض

في تطوّرٍ ميدانيّ بالغ الدّلالة، تسلّلت قوّةٌ إسرائيليّة إلى بلدة شبعا، وصولًا إلى نبع عين الجوز شرق البلدة، وأقدمت على خطف المواطن سامي عماد صعب، بحسب ما أفادت به الوكالة الوطنيّة للإعلام. وهذه الواقعة، بما تنطوي عليه من اختراقٍ برّيّ وخطفٍ مباشر، تفتح بابًا إضافيًّا أمام توسعة الاشتباك، وتؤكّد أنّ المعركة لم تعد محكومة فقط بحدود القصف المتبادل، بل باتت تميل إلى نمطٍ أكثر خشونةً وتعقيدًا.

 

الجبهة تتّجه إلى مزيدٍ من الاشتعال

في المقابل، أعلن "حزب الله" أنّه قصف "تجمّعاتٍ لجنودٍ إسرائيليّين ومستوطَناتٍ في الجليل الأعلى"، وقال في بياناتٍ متلاحقة إنّه استهدف بصاروخٍ موجّه دبّابة "ميركافا" في بلدة حولا جنوبيّ لبنان، مؤكّدًا احتراقها. وأضاف أنّه "قصف بالصّواريخ تجمّعاتٍ للعدوّ الإسرائيليّ عند مثلّث كحيل وموقع الصّدح في بلدة مارون الرّاس، وعند تلّة السّدر في بلدة عيناتا"، مشيرًا كذلك إلى الاشتباك مع "قوّةٍ إسرائيليّة قرب مثلّث التّحرير، موقعًا بين أفرادها إصاباتٍ مؤكّدة".

ومن الجانب الإسرائيليّ، تحدّثت القناة 12 عن إطلاق خمسة صواريخ باتّجاه نهاريا، جرى اعتراض بعضِها، فيما نقلت عن مصادر قولها إنّ 15 صاروخًا أطلِقت من لبنان نحو حيفا والجليلَين الأعلى والأدنى. كما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ صواريخ أطلِقت من لبنان أصابت عدّة مبانٍ في الجليل الغربيّ ومدينة نهاريا، متسبّبةً بأضرارٍ ماديّة كبيرة. وقالت هيئة البثّ الإسرائيليّة إنّ طائرةً مسيّرة أطلِقت من لبنان انفجرت داخل منزلٍ في بلدة المطلة، مخلّفةً أضرارًا جسيمةً من دون وقوع إصابات.

هذا التّبادل لم يعد يقرأ في إطار "الردود المحسوبة" فقط، بل في سياق انزلاقٍ تدريجيّ نحو جبهةٍ أكثر عنفًا، وأكثر قدرةً على إنتاج المفاجآت، وأشدّ استعدادًا لفتح الأبواب أمام مرحلةٍ برّيّة أوسع.

فجر السّبت، أعلنت وزارة الصّحّة اللّبنانيّة، في بياناتٍ متعاقبة، إصابة 32 شخصًا بجروح، بينهم 3 مسعفين، جرّاء غاراتٍ إسرائيليّة استهدفت جنوبيّ لبنان. وقالت الوزارة إنّ "11 شخصًا أصيبوا بجروح، من بينهم 3 مسعفين في الدّفاع المدنيّ اللّبنانيّ، كحصيلةٍ أوّليّة لغارتَين إسرائيليّتَين على منطقة الحوش في مدينة صور"، مضيفةً أنّ الغارتَين تسبّبتا أيضًا بأضرارٍ في المستشفى اللّبنانيّ الإيطاليّ، الّذي واصل عمله رغم الأضرار.

وفي بيانٍ سابق، أفادت الوزارة بإصابة 21 شخصًا في غارةٍ إسرائيليّة على بلدة معركة ومنطقة الحوش جنوبيّ البلاد، وكانت قد أعلنت، في وقتٍ سابقٍ أيضًا، إصابة 10 أشخاص على الأقلّ في الغارة على بلدة معركة.

ووفق آخر إحصاءات وزارة الصّحّة اللّبنانيّة، أسفر العدوان الإسرائيليّ الموسّع على لبنان منذ 2 آذار/مارس الماضي عن استشهاد 1368 شخصًا وإصابة 4138 آخرين، إضافةً إلى نزوح أكثر من مليون شخص، بحسب السّلطات اللّبنانيّة. وامتدّت الغارات لتشمل عشرات البلدات في جنوب لبنان، بينها بنت جبيل والنّبطيّة وصور، إلى جانب قصفٍ مدفعيّ وجويّ طاول مناطق متعدّدة، ما أدّى إلى سقوط مزيدٍ من الشّهداء والجرحى، وخلّف دمارًا واسعًا في المنازل والبنية التّحتيّة.

لكنّ المأساة لا تختصرها الأرقام. فحين تقصف الملاجئ، وتتضرّر المستشفيات، وتستهدف الجسور، ويدفن النّاس تحت منازلهم، تصبح الحرب مشروعًا شاملًا لتحطيم شروط الحياة، لا مجرّد عمليّة عسكريّة ضدّ خصمٍ بعينه. وهنا تحديدًا تتبدّى الفضيحة الكبرى: دولةٌ عاجزة، وطبقةٌ سياسيّة صامتة، وعالمٌ يكتفي بإجلاء رعاياه وترك اللّبنانيّين تحت السّقف المنهار.

 

الدّولة تراقب الانهيار

في موازاة التّصعيد الميدانيّ، برزت مؤشّراتٌ إضافيّة إلى اتّساع دائرة التّوتّر، مع تحذير السّفارة الأميركيّة في لبنان من احتمال استهداف جامعات، وسط تهديداتٍ متبادلة تعكس تصاعدًا خطيرًا في المشهد الإقليميّ. وبعد السّفارة الأميركيّة، جاء دور بريطانيا، في مشهدٍ يختصر وظيفة الخارج كما يراها في لبنان: حماية الرّعايا، لا حماية البلد.

هذه ليست ملاحظةً بروتوكوليّة. إنّها عنوانٌ سياسيّ صريح: لبنان متروكٌ لمصيره، والدّولة فيه عاجزةٌ عن حماية شعبها، أو فرض أيّ معادلة ردعٍ سياسيّة أو ديبلوماسيّة، أو حتّى تأمين خطابٍ وطنيّ موحّد يواكب حجم الكارثة.

 

حربٌ لتغيير لبنان لا لضبط حدوده

لبنانيًّا، تبدو الجبهة مرشّحةً إلى مزيدٍ من العنف، وسط تقديراتٍ عسكريّة تتحدّث عن أنّ الأسبوع المقبل قد يشهد تصعيدًا كبيرًا، وربّما على مستوى العمليّة البرّيّة أيضًا. وهذا الاحتمال لا ينفصل عن حجم التّضارب الإسرائيليّ في التّصريحات والتّسريبات والتّقديرات حول مسار المعركة، ولا عن الإخفاقات أو مفاجآت "حزب الله" الّتي يتحدّث عنها الإسرائيليّون أنفسهم.

من هنا، تبدو تل أبيب ذاهبةً إلى توسيع عمليّاتها العسكريّة والتّدميريّة، في محاكاةٍ تكاد تكون متطابقةً مع ما جرى في غزّة مع بداية الاجتياح البرّيّ، حين قيل إنّ العمليّة ستبقى محصورةً في شمال القطاع، ثمّ تمدّدت إلى الوسط، وبعده إلى الجنوب ورفح، الّتي قيل طويلًا إنّ الإسرائيليّين لن يدخلوها. هذا النّمط نفسه يوحي بأنّ الحرب على لبنان لن تكون قصيرة، ولن تبقى محكومةً بعنوانٍ حدوديّ ضيّق.

والأخطر أنّ ما يريده الأميركيّون والإسرائيليّون من هذه الحرب لا يبدو مقتصرًا على إنشاء منطقةٍ عازلة، أو ضرب القدرات الصّاروخيّة لـ"حزب الله". ما يراد، على الأرجح، أوسع بكثير: تغيير لبنان في موازينه السّياسيّة والعسكريّة، وربّما الدّيمغرافيّة أيضًا. أي إنّنا لا نكون أمام حربِ ردعٍ فقط، بل أمام حربِ إعادة تشكيل.

إنّه مشهدٌ يتجاوز الحرب إلى ما هو أخطر منها: فرض خرائط جديدة بالقصف، وتعديل الوقائع بالدّم، وترك لبنان يترنّح بين عجز الدّولة، ووحشيّة العدوان، وصمت العالم. وفي قلب هذه الصّورة، يبقى الجنوب وحده تقريبًا، يدفع الكلفة كاملةً، فيما البقيّة تراقب.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث