بعد أيامٍ على إطلاق الحزب ستة صواريخ باتجاه إسرائيل، بدأ التنسيق بين وزير العدل اللبنانيّ عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود للتأكيد على أمرين أساسيين: استمرارية العمل القضائي خلال فترة الحرب، نقل ملفات المواطنين من الجنوب إلى بيروت بسبب إقفال المحاكم في بعض المحافظات.
غرف خاصة
أفضى التنسيق إلى اتخاذ قرارات تقضي بتبليغ القضاة من خلال تعاميم رسمية صادرة عن مجلس القضاء الأعلى بتجهيز غرفٍ خاصة في قصور عدل بيروت وزحلة لتمكين قضاة الجنوب من مُتابعة عملهم، وأن الصليب الأحمر وقوات الأمم المتحدة سترافقهم إلى المحاكم لإتمام هذه المهمة من دون التعرض لخطر التهديد الإسرائيليّ.
يدور النقاش بين المراجع القضائيّة حول أهمية تأمين الحماية للقضاة خلال فترة عملهم، خصوصًا أن عددًا منهم نزحوا من منازلهم في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت ونقلوا إلى أماكن أخرى، كما أن مجلس القضاء الأعلى تلقى رسائل عديدة من قضاة أكدوا له عدم قدرتهم في الوصول إلى مكاتبهم في محاكم الجنوب بسبب القصف الإسرائيليّ المُتواصل والغارات القريبة من قصور العدل هناك، وكان الخيار الأنسب بالنسبة لمجلس القضاء الأعلى هو استحداث غرفة في قصر عدل بيروت لمتابعة عمل قضاة محافظة النبطية فيها، وغرفة أخرى في قصر عدل زحلة لتكون بديلةً عن المحاكم في محافظة بعلبك- الهرمل، وغرفة ثالثة في قصر عدل صيدا، تتيح لقضاة محكمة صور – جويا مُتابعة عملهم هنا.
تعاميم استثنائية
الإجراءات التي ذًكرت في تعاميم مجلس القضاء الأعلى كانت عبارة عن حلولٍ استثنائية تتماشى مع الأوضاع الأمنية. عُمم الأول في التاسع من آذار الفائت، طلب حينها مجلس القضاء الأعلى من القضاة عدم إصدار أي قرار قضائي بحق كل من يتخلف عن حضور جلسته مثلًا بسبب الحرب، كما أتيحت أمامهم فرصة عدم الحضور إلى قصور العدل إن تعذر هذا الأمر وإتمام أي تحقيق عن بعد بحسب ما هو مُتاح. وأبلغوا في التعميم الثاني أن الأجهزة الأمنية والعسكرية ستتابع تأمين تفريغ المحاكم من الملفات بالتعاون مع القضاة والمساعدين القضائيين.
لكن المشكلة الأساسية كان حلها معقدًا جدًا في ظل توسع الحرب في الجنوب اللبنانيّ، إذ كانت خرائط المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي تعيق وصول أي شخصٍ إلى عمله في الجنوب أو منزله، وبعد انتقال القضاة إلى الغرف الاستثنائية لمتابعة العمل القضائي، وإعطاء إشارات للملفات الضرورية، تبيّن أن الإجراءات غير كافية، ولم يتمكن القضاة من إعطاء أي إشارة لإخلاء سبيل أي شخصٍ، لكون الملفات عالقة في محاكم الجنوب. حينها، واجه المحامون صعوبة كبيرة لناحية متابعة ملفات وكلائهم، وصار الأمر يقتصر على التوجه إلى الغرفة واعطاء القاضي الموجود تفاصيل عن ملف وكيله، وتُدون هذه المعلومات، ويصبح المحامي على دراية أن القاضي غير قادر على إعطاء أي إشارة قبل سحب الملف الأساسي من المحكمة.
القضاة نحو الجنوب
تراكم هذه المشاكل أدى إلى حلٍ آخر جاء بعد تشاور نصار وعبود، فوجه مجلس القضاء الأعلى كتاباً خطيّاً إلى الصليب الأحمر وقوات الأمم المتحدة، طالبًا منهما مؤازرة القضاة خلال سحب الملفات من المحاكم هناك، وتحديد موعد مناسب لتوجه القضاة والمساعدين القضائيين من بيروت إلى الجنوب، ومؤازرتهم في رحلتهم ليتمكنوا من تفريغ المحاكم من الملفات. كما جرى التواصل مع الجهات الأمنية المعنية بما فيها قيادة الجيش اللبناني لإعطاء الإذن الرسمي ومساعدتهم في التنقل للوصول إلى محاكمهم. وحسب معلومات "المدن" ستحدد الزيارة خلال الأيام المقبلة.
لمجلس القضاء الأعلى الحق في إصدار أي تعميم والطلب من القضاة بنقل المحاكم البدائية من الجنوب أو البقاع نحو بيروت، بعد التنسيق مع وزير العدل اللبناني، لكن محاكم الاستئناف تحتاج إلى قرارٍ من مجلس الوزراء للموافقة على تفريغها بأكملها. وحسب معلومات "المدن" رفع نصار إلى مجلس الوزراء هذا الطلب، شارحًا أهمية إعطاء كل قاضٍ كل الملفات التي يتابعها، مفصلًا أنه من الصعب اتخاذ أي قرارٍ من دون أن يعيد القاضي قراءة الملف بأكمله، لكن مجلس الوزراء لم يبت بعد حتى الساعة في هذا الشأن.
تأخير إخلاءات السبيل
في الأيام الأولى للحرب، واجه القضاة والمتقاضون عراقيل عديدة، وشُلّ العمل القضائي لأيامٍ في المناطق التي تعرضت لقصف إسرائيلي، بسبب عدم قدرة القاضي على البت بإخلاء سبيل أي موقوف، ومع الانتقال إلى الغرف الاستثنائية لا تزال هذه المشكلة موجودة، إذ أن البعض جرى توقيفهم مثلًا لدى فصيلة تبنين أو بنت جبيل، ومع قرار إخلاء سبيله يطلب عادةً إعادة التواصل مع هذه الفصائل، وهذا الأمر غير متوافر في الفترة الراهنة بسبب الحرب، ولعدم وجود الملف الأساسي بين أيدي القضاة للبت به بشكل كامل، خصوصًا أن القضاة يرفضون إعطاء أي إشارة قبل إعادة قراءة الملف بأكمله، كما أنهم غير قادرين على البت بالطلبات الضرورية وإن أعطيت المعلومات لهم من المحامين، بسبب الحرص على إتمام الملف من دون الوقوع في أي خطأ.




