للمرّة الثّانية، تأجَّل اجتماع "الكابينت" الإسرائيليّ السّياسيّ الأمنيّ من اللّيلة إلى الغد عند السّاعة 20:00، في خطوةٍ تعكس حساسيّة النّقاش الدّائر داخل المؤسّسة الإسرائيليّة بشأن مصير التّوغّل في جنوب لبنان، وحدود العمليّة العسكريّة، وسقف الأهداف المعلنة للحرب.
ويبحث المجلس الوزاريّ المصغَّر، منذ نحو ساعة، الملفّ اللّبنانيّ وخطّة الجيش الإسرائيليّ، وسط تقديراتٍ بأنّ الاجتماع يأتي في لحظةٍ شديدة التّعقيد، سياسيًّا وعسكريًّا، ولا سيّما مع تصاعد الضّربات، واتّساع دائرة الخلافات داخل الأوساط الإسرائيليّة بشأن المسار الّذي ينبغي اعتماده في المرحلة المقبلة.
وتشير المعلومات الأوّليّة إلى أنّ القصف الّذي استهدف تلّ أبيب بصاروخٍ عنقوديٍّ انشطاريٍّ، والّذي سمحت الرّقابة العسكريّة الإسرائيليّة بالكشف عن أنّه سقط إلى جانب مقرّ وزارة الأمن وقيادة الأركان المتقابلَين، تزامن مع انعقاد اجتماع "الكابينت". ويُنظر إلى هذا التّزامن بوصفه عاملًا ضاغطًا إضافيًّا على صانعي القرار، في وقتٍ يبحث فيه الاجتماع، أساسًا، الخطّة الخاصّة بلبنان، وهي الخطّة الّتي أثارت نقاشًا حادًّا داخل الاستوديوهات الإسرائيليّة، وصل أحيانًا إلى حدّ الصّراخ بين المشاركين.
وتتمحور الخطّة الّتي يعرضها الجيش على المستوى السّياسيّ حول الهدف الّذي أعلنته إسرائيل منذ بداية الحرب على لبنان، وهو "نزع سلاح حزب الله". غير أنّ المؤسّسة العسكريّة تسعى إلى حصر هذا الهدف في منطقة جنوب اللّيطاني، فيما لم يُعلن المستوى السّياسيّ، وخصوصًا وزير الأمن ورئيس الحكومة، موقفه النّهائيّ بعد، رغم أنّ التّلميحات الصّادرة عنهما تعكس رغبةً واضحةً في مواصلة العمليّات إلى حين تحقيق نزع سلاح "حزب الله" بشكلٍ كامل.
وتؤكّد تقديراتٌ في المستوى السّياسيّ الإسرائيليّ أنّ عدم تحقيق هذا الهدف سيعني، عمليًّا، العودة إلى حربٍ جديدة خلال سنواتٍ قليلة، وهو ما يدفع تيّارًا واسعًا داخل الحكومة ودوائر القرار إلى رفض أيّ خطّةٍ تُخفِّف من سقف الهدف المعلن أو تُعيد تعريفه ميدانيًّا.
في المقابل، يركّز المستوى العسكريّ على المخاطر الّتي تتهدَّد الجنود الإسرائيليّين في الميدان. فقد أعلن الجيش، قبل دقائق، مقتل جنديٍّ إسرائيليٍّ في لبنان، في وقتٍ واصلت فيه الصّواريخ التّساقط خلال السّاعات الأربع والعشرين الأخيرة من الشّمال إلى الجنوب. ويقدّر الجيش أنّ نزع سلاح "حزب الله" بالكامل هدفٌ غير قابلٍ للتحقيق، وأنّ إنجازه يتطلّب احتلال لبنان كاملًا، وهو سيناريو لا تستطيع إسرائيل تنفيذه، ما يضعها أمام معضلةٍ عسكريّةٍ وسياسيّةٍ كبيرة.
وبين ضغط الرّأي العامّ الإسرائيليّ، وغضب أهالي الجنود الّذين يقاتلون في لبنان، وتصاعد الانتقادات لحجم الكمائن الّتي ينصبها "حزب الله"، والعمليّات الّتي تُنفَّذ عبر مسيَّراتٍ متفجِّرة في العمق، إلى جانب الصّواريخ المضادّة للمدرّعات الّتي لم تجد لها إسرائيل حلًّا حتّى الآن، يرتفع في الداخل الإسرائيليّ صوتٌ يطالب بوقفٍ قريبٍ للقتال.
غير أنّ هذا التّيّار يصطدم بصوتٍ آخر يتبنّاه رئيس الحكومة وعددٌ من كبار المسؤولين، وتحظى مواقفه بدعم كتلةٍ وازنةٍ في الكنيست و"الكابينت"، ترفض أيّ خطّةٍ تُقلِّص الهدف المعلن للحرب أو تُفضي إلى تسويةٍ لا تنتهي إلى نزع سلاح "حزب الله" بالكامل.
وفي هذا السّياق، أطلق بعض أعضاء لجنة الخارجيّة والأمن حملةً واسعةً لإقناع وزراء "الكابينت" بعدم قبول خطّة الجيش. إلّا أنّ القصف الصّاروخيّ المكثَّف الّذي سُجِّل اليوم من اليمن وإيران و"حزب الله"، والّذي وقع بعضه بشكلٍ متزامن، وأدّى بعضه الآخر إلى إصاباتٍ دقيقةٍ في تلّ أبيب، سواء قرب وزارة الأمن أو في مواقع وصفتها إسرائيل بـ"الاستراتيجيّة"، إضافةً إلى إصابة المصنع الكيميائيّ في "رمات حوفيف" في الجنوب، ومصنعٍ لصناعة المسيَّرات، فضلًا عن إصاباتٍ أخرى لا تزال سرّيّةً في قواعد عسكريّةٍ حسّاسة، جعل حجم الأضرار أكثر وضوحًا بالنّسبة إلى المشاركين في الاجتماع.
وبناءً على ذلك، يدور النّقاش داخل "الكابينت" حول تبنّي موقف الجيش أو رفضه، وسط صعوبةٍ واضحةٍ في استشراف القرار الّذي سيصدر في نهاية المطاف.
