بين السيادة المأزومة والمقاومة المرهونة

عارف العبدالجمعة 2026/04/03
Image-1775156115
المطلوب مؤتمر وطني جدي للإنقاذ (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

تنقسم الآراء والتوجهات السياسية الراهنة في البلاد، كما هو ظاهر، على نحوٍ أساسي بين توجهين أو خطين سياسيين، أو فسطاطين إذا جاز التعبير.

الأول، يتزعمه حزب الله الذي تفرد بالقرار الوطني الأمني والسياسي، وقرر إدخال لبنان طرفاً في الحرب التي اندلعت في المنطقة، والمتمثلة بالرد على الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران ومساندتها في أزمتها ومعركتها المصيرية.

 

حزب الله كما هو معروف ومعلن، قرر إدخال لبنان في الحرب عبر إطلاقه رشقة من الصواريخ من جنوب لبنان صوب إسرائيل، على طريقة المنظمات الفلسطينية المسلحة العشوائية الأسلوب، التي انتشرت وعملت في الجنوب قبل وبعد اتفاق القاهرة المشهود، الذي أتاح وأجاز العمل الفلسطيني المسلح انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

كان الهدف الفلسطيني إثبات النفس، وتسجيل الحضور والمشاكسة ورفع الصوت وتسجيل الوجود الوطني الفلسطيني والفعل المسلح، انطلاقاً من لبنان، للمطالبة بالحقوق ومن ثم التمثيل واحتكار حق النطق باسم الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى التفاوض، أملاً بالتسوية وبالمشاركة في الحل المأمول.

المنظمات الفلسطينية المسلحة، كانت تحاول يومها إثبات وجودها على الساحتين العربية والدولية انطلاقاً من لبنان، بسبب تراجع وتراخي وانهزام باقي الدول العربية أمام إسرائيل. فكان التعويض عن الهزيمة العربية، يتم عبر الحضور والممارسة المسلحة، انطلاقاً من لبنان وأرضه وحدوده، وسيادته، التي تحولت سائبة نهباً للأهواء الفلسطينية، الباحثة عن مصلحتها ومصلحة قضيتها، في مقابل الضعف أو العجز العربي ورد الفعل الانتقامي الإسرائيلي.

حزب الله، كرر الممارسة نفسها، والأفعال الفلسطينية غير المسؤولة أو المدروسة، عبر رشقة صواريخ عشوائية، انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني وولي النعمة علي خامنئي.

هدف حزب الله إلى إثبات الوفاء والالتزام بتوجيهات المعلم والآمر؛ أي الولي الفقيه. 

 

حقق الحزب أهدافه، وتطلعاته، وأثبت جدوى تربيته والإنفاق عليه وتدريبه وتسليحه، والتزامه بالخط، مع الأصيل الذي استشهد بالضربة الأولى، ومن ثم مع الوكيل والبديل الجديد الواعد بالانتقام والنصر. والدليل، رسالة الإشادة من المرشد الجديد مجتبى خامنئي، بأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم وقيادته الشجاعة. ثم بالرسالة من وزير خارجية إيران عباس عرقجي إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري لطمئنته، بأن أي حل مع إيران لن يترك لبنان، بل سيشمله، وأن النار لن تتوقف في الخليج إلا إذا شملت لبنان!

الأول، ضمن تشجيع لبنان للحزب و"نضاله وإسناده" للاستمرار في المساندة، بغض النظر عن النتائج، حتى لو تجاوزت أعداد النازحين من بيوتهم وقراهم المليون وأكثر. والثاني، رمى وطرح شبكة من الوعود التي تضمن استمرار الربط والإمساك بورقة لبنان، والتأكد من عدم فصلها عن ملف إيران المعقد والمتشابك والطويل الأمد.  

الظاهر أن المسعى الإيراني المشار إليه، قد لاقى النجاح بالطبع. إذ بات قسم معتبر من عمليات إطلاق الصواريخ نحو أهداف إسرائيلية، يتم بالتنسيق والتزامن مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله.

 

في المقابل، فإن الخط أو الوجهة السياسية المقابلة في الفسطاط الثاني، تمثل بإسراع "القوات اللبنانية" إلى الدعوة لاجتماع في مقر قيادتها في معراب تحت شعار "اللقاء الوطني لإنقاذ لبنان"، وسط ترويج أنه لقاء لجمع القوى والشخصيات السياسية "السيادية".

لكن النتائج أتت مخالفة، بل مناقضة للإعلان والشعارات المرفوعة والأهداف المقصودة.

فالمؤتمر، الذي ضم قوى وشخصيات محترمة ووازنة، لم يستطع لم شمل كل القوى غير المنضوية تحت بيرق إيران وحزب الله أو غير المتفقة معه، والتي لا توافق على توجهاته وممارساته وتعارض سياسته.

فقد غاب الحزب التقدمي الاشتراكي، بالرغم من العلاقة الانتخابية المتينة مع "القوات"، كما غابت قيادة حزب الكتائب، وبطبيعة الحال لم يحضر أي ممثل للتيار الوطني الحر شريك اتفاق "معراب التاريخي"! 

 

وقد عابت البيان الختامي؛ أي النتيجة السياسية للمؤتمر، بضع نقاط أساسية:

لم يأت المؤتمر على ذكر إسرائيل المعتدية بإجرام وتوحش مبالغ فيه، مع أن عدد الشهداء اللبنانيين لحظة المؤتمر، كان اقترب من الألف شهيد، والنازحون فاقوا المليون نازح. وهذا النقص يشكل عيباً سياسياً وبنيوياً لا يستهان به في توجهات المؤتمر ومن ضم إليه، خصوصاً أن يتجاهل ذكر التوحش الإسرائيلي تجاه المدنيين اللبنانيين المخالف لأبسط الحقوق الإنسانية. 

المفارقة العجيبة الغريبة، أن المؤتمر أبدى حرصه على الحريات العامة والحريات الصحافية وحرية التعبير، واستنكر تعرض مؤسسات إعلامية للتهديد، منها "أم تي في" و"نداء الوطن"، ولم يأت على ذكر أو يتوقف أمام استشهاد أربعة صحافيين بنيران العدو الإسرائيلي قبل ساعات من انطلاق المؤتمر، الذي انعقد ودماء هؤلاء لم تكن مسحت عن الأرض بعد!

 

كان بإمكان المؤتمر "السيادي" أن يكون ناجحاً وسائراً على طريق الإنقاذ، كما هدف وأعلن وقال، لو أنه تمكن من جمع طيف وطني من أغلب أو كل الأطراف السياسية الأساسية. وهذا لم يتحقق في الاجتماع المذكور لعدة أسباب شكلية وجوهرية منها:

أن الدعوة إلى الاجتماع غابت عنها لجنة تحضيرية رمزية وجامعة، تعمل بشكل مسبق، على أن تحمل بين يديها ورقة خلفية، أو ورقة عناوين مطروحة على الأطراف المدعوة للنقاش والإنضاج والتطوير، لكي يحس ويشعر كل طرف مشارك بوجوده ودوره ومشاركته وفاعليته.

كما أنَّ مكان الاجتماع باعتبار معراب مقر قيادة القوات اللبنانية، لا يسمح لكل الأطراف في المشاركة أو الحضور، بل كان من الأفضل اختيار مكان يلتقي فيه الجميع، كنقطة وسط مقارنة مع اجتماعات البريستول التي مهدت لاعلان تحالف 14 اذار، الذي نجح بتمهيد الطريق لخروج الدكتور جعجع من السجن، والعودة إلى ممارسة العمل السياسي بحرية وقيادة القوات. 

صحيح أن الدكتور سمير جعجع، مستهدف دائماً ولا يمكنه تعريض نفسه في الانتقال إلى مكان وسط مكشوف أمنياً، وهذا من حقه، لكن هذه مسألة يمكن حلها تقنياً بأكثر من طريقة واقتراح، عبر وجود ممثل عن القوات في التحضير وفي الإعلان والمداخلات، ما دام الهدف إنقاذ لبنان في مرحلة صعبة.  

 

إضافة إلى أن هذه الثغرات الشكلية والإجرائية التي لم تسمح للمؤتمر بالنجاح، فان الطروح والمقترحات والمقررات والبنود التي خرج بها المؤتمر، من شأن تنفيذها والسير بها أن تعيد البلاد إلى أجواء مواجهات داخلية حادة، قد لا يكون هناك قدرة على احتمالها وتلقي ومواجهة نتائجها. 

المطلوب، في هذه المرحلة، مؤتمر وطني جدي للإنقاذ، يعيد جمع لبنان الوطن بكل مكوناته حول الدولة الواحدة، التي يظللها دستور جدي متقدم كالدستور الحالي، وميثاق وطني تم إقراره والإجماع عليه.

فهل من يملك الشجاعة والمشروعية للتقدم لمحاولة إنقاذ الوطن، الذي يكاد يتفرق ويضيع إلى غير رجعة، أم فات الأوان على المبادرة الشجاعة؟ 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث