المظلّة الّتي تحكم معركة الجنوب اللّبنانيّ، اليوم واضحة، بنيامين نتنياهو كان قد أعلن قبل أيّام توسيع "المنطقة الأمنيّة" لإبعاد تهديد التوغّل ونيران الصواريخ المضادّة للدروع عن الحدود، ثمّ رفع يسرائيل كاتس السقف بالإعلان أنّ الجيش يعتزم "السّيْطرة" على المنطقة حتّى نهر الليطاني، وتدمير منازل القرى القريبة من الحدود، ومنع عودة مئات آلاف النازحين جنوب الليطاني إلى حين ضمان أمن الشمال الإسرائيلي. واليوم أعاد كاتس التأكيد أنّ "الهدف الأعلى" في لبنان هو نزع سلاح "حزب الله" "عسكريًّا وسياسيًّا"، وأنّ الجيش يكمل هجومه البرّيّ حتّى الخطّ الذي يمكن منه إطلاق الصواريخ المضادّة للدبابات على البلدات الإسرائيليّة، مع تعهّدٍ باستمرار "السّيطرة الأمنيّة" حتّى الليطاني.
لكنّ المفارقة الأهمّ صدرت اليوم أيضًا من داخل المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة نفسها، إذ قال مسؤولٌ عسكريٌّ إسرائيليٌّ إنّ نزع سلاح "حزب الله" كاملًا ليس هدف العمليّة الحاليّة، لأنّ ذلك يتطلّب احتلال لبنان كلّه، وهو أمرٌ غير مطروح. هذه النقطة بالذات تشرح التحوّل من خطاب "الحسم" إلى خطاب "الشريط"، ومن فكرة اقتلاع "الحزب" إلى فكرة إبعاده ميدانيًّا عن الحافة الحدوديّة وتثبيت قواعد نارٍ جديدة. وفي السياق نفسه، هدّد كاتس اليوم الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، قائلًا إنّه سيدفع "ثمنًا باهظًا جدًّا" على تكثيف النار نحو إسرائيل.
خريطة التوغّل اليوم
الخريطة الأدقّ اليوم ليست خريطة سيطرةٍ نهائيّة، بل خريطة ضغطٍ وتقدّمٍ وتموضعٍ متحرّك. وبحسب تقاطع التقارير المحليّة مع القراءات الإسرائيليّة، يمكن القول إنّ الجيش الإسرائيليّ وصل غربًا إلى الجيب الساحليّ الممتدّ من الناقورة نحو رأس البيّاضة مع ضغطٍ باتجاه شمع، ووسطًا يواصل تطويق بنت جبيل بالنار والحركة من عيناتا ومارون الرّاس ويارون والقوزح وبيت ليف، وشرقًا يدور الثقل حول مثلّث الخيام، القنطرة، دير سريان، مع نشاطٍ حول الطّيّبة وعدشيت القصير، حيث تبدو ملامسة خطّ الليطاني أو الاقتراب الأكثر جدّيّة، لكن من دون صورةٍ ثابتةٍ نهائيّةٍ لكلّ النقاط.
المحور الغربيّ
هذا هو المحور الأوضح من حيث شكل التقدّم. تقارير اليوم تحدّثت عن تقدّمٍ ساحليٍّ إسرائيليٍّ من الناقورة إلى رأس البيّاضة، وعن ضغطٍ متواصلٍ نحو شمع، بما يجعل الساحل الجنوبيّ لصور مكشوفًا أكثر من السابق. "المدن" ذهبت أبعد من ذلك ووصفت البيّاضة بأنّها باتت عمليًّا بيد القوّات الإسرائيليّة، فيما تشير "لوريان لو جور" إلى استمرار الغارات والضغط على بلدات قضاء صور، ومنها شمع، حنّيّة، بستان، شعيتيّة، ورماديّة، بما يعكس أنّ الغرب لم يعد مجرّد جبهة تشتيت، بل صار محور تثبيتٍ حقيقيّ. وفي هذا القطاع نفسه، أعلن الجيش الإسرائيليّ اليوم أنّ الفرقة 146 رصدت 15 عنصرًا من "حزب الله" في قطاعها الغربيّ، ثمّ قتلوا بضربةٍ جوّيّة، كما قال إنّ المدفعيّة رصدت خليّةً كانت تستعدّ لإطلاق صواريخ مضادّة للدروع.
غير أنّ هذا التقدّم لم يكن مريحًا. في البيّاضة نفسها تحدّثت تقارير محليّة عن اشتباكاتٍ قريبة واستهداف دبابات "ميركافا"، وفي شمع عن نيرانٍ أجبرت قوّةً متقدّمةً على التراجع. والمعنى هنا أنّ الغرب هو أكثر المحاور تقدّمًا إسرائيليًّا، لكنّه أيضًا أكثرها تعرّضًا لكمائن قريبةٍ تمنع تحويل الجيب الساحليّ إلى اندفاعةٍ سريعةٍ نحو صور..
المحور الأوسط
في الوسط، لا تظهر بنت جبيل مدينةً ساقطةً أو مقتحمة، بل مدينةً يجري شدّ الطوق عليها. الحركة الإسرائيليّة هنا تبدو دائريّة، من عيناتا ومارون الرّاس ويارون والقوزح، مع ضغطٍ على أطراف عيناتا وبيت ليف، وبمحاولات دفعٍ نحو دبل ورشاف والطيري. وتقارير اليوم وما قبلها القريب تظهر أنّ الفكرة الإسرائيليّة في هذا القطاع ليست الاقتحام دفعةً واحدة، بل استهلاك محيط بنت جبيل ناريًّا، واحتلال التلال والعقد التي تخنقها.
الاشتباك الأوضح في هذا القطاع دار حول بيت ليف وعيناتا. "حزب الله" أعلن استهداف قوّاتٍ وآليّاتٍ إسرائيليّة في بيت ليف ورشاف والقوزح، كما تحدّثت تقارير محلّيّة عن سبع هجماتٍ على تجمّعات الجنود الإسرائيليّين في تلال فريز وغادمثا في عيناتا، وهي التلال التي تشرف على الممرّات المؤدّية إلى بنت جبيل. لذلك يمكن القول إنّ الوسط هو ساحة تطويقٍ واستنزافٍ، لا ساحة اختراقٍ نظيف، وفيه يحاول الجيش الإسرائيليّ تثبيت نقاطٍ داخل الأبنية أو على حوافّ القرى، فيما يردّ "الحزب" بضرب هذه النقاط نفسها بدل الانجرار إلى معركةٍ جبهويّةٍ واسعة؟
المحور الشّرقيّ
شرقًا، يبقى الميدان الأكثر سيولةً وتعقيدًا. هنا يدور القتال حول الخيام، القنطرة، دير سريان، والطّيّبة، مع امتداد الضغط إلى عدشيت القصير ودبّين، وارتباط هذا القطاع مباشرةً بوادي الحجير والسّلوقي وخطوط العبور نحو الليطاني. بعض التقارير الفرنسيّة اللبنانيّة قال إنّ الإسرائيليّين "يبدون" وكأنّهم بلغوا النهر في دير سريان ويواصلون أعمال الهدم هناك، فيما تحافظ تقارير أخرى اليوم على توصيفٍ أكثر حذرًا، معتبرةً أنّ الوصول إلى ضفاف الليطاني في هذا القطاع ما زال في إطار الحركة المتنقّلة لا التموضع الثابت. هذا التباين نفسه يكشف طبيعة المعركة هناك، تقدّمٌ بالنار والهدم، أكثر من كونه خطّ سيطرةٍ نهائيًّا ومستقرًّا..
وفي هذا المحور تحديدًا تتكثّف إشارات الاشتباك المباشر. تقارير اليوم تحدّثت عن قصفٍ على الخيام، ودبّين، ويحمر الشقيف، وعن تواصل المدفعيّة على حاريص وكفرا والخيام، فيما بقيت الطّيّبة والقنطرة بين نقاط الاشتباك التي أعلن "حزب الله" استهدافها. كما أصيب اليوم ثلاثةٌ من قوّات "اليونيفيل"، اثنان منهم بجروحٍ خطيرة، بانفجارٍ داخل موقعٍ أمميّ قرب العديسة، في تطوّرٍ يبيّن مدى التصاق النار الميدانيّة بالخطّ الشرقيّ الحدوديّ الأكثر حساسيّة..
طبيعة القتال اليوم ليست قصفًا متبادلًا فحسب. نحن أمام مزيجٍ من تقدّمٍ مدرّع، وتمشيطٍ هندسيّ، وهدمٍ للمباني، وضربٍ للجسور والمعابر، وإسنادٍ جويٍّ وبحريّ، يقابله قتالٌ تراجعيٌّ واستنزافيٌّ من جانب "حزب الله". إسرائيليًّا، يقول الجيش إنّ خمس فرقٍ تعمل حاليًّا في جنوب لبنان، 146 و162 في الغرب، 91 و36 في الشرق، و210 في منطقة مزارع شبعا، مع تشغيل وحداتٍ من "ناحال" و"غفعاتي" والمدفعيّة 213، إلى جانب سلاح الجوّ والبحرية. أمّا العتاد الظاهر في التقارير، فيشمل دبابات "ميركافا"، وجرافات D9، والمدفعيّة الثقيلة، والمسيّرات، والغارات الجوّيّة، واستهداف مخازن السلاح والجسور ومواقع إطلاق الصواريخ المضادّة للدروع.
في المقابل، يعتمد "حزب الله" على صواريخ موجّهة مضادّة للدروع، وعلى ذخائر ترادفيّةٍ ضدّ المدرّعات، وعلى مسيّراتٍ انقضاضيّةٍ و"FPV" مفخّخة، فضلًا عن قذائف الهاون والمدفعيّة والرّشقات الصاروخيّة باتجاه الشمال الإسرائيليّ وتجاه القوّات داخل جنوب لبنان. واللافت أنّ الجيش الإسرائيليّ أعلن اليوم العثور على مخبأٍ يضمّ مسيّرات "FPV" مفخّخة، وبندقيّة قنص، وقذائف RPG، ومعدّاتٍ أخرى، وقال إنّ هذه المسيّرات تستخدم على نحوٍ متزايد ضدّ قوّاته العاملة في الجنوب. وبالتوازي، تتكرّر في التقارير المحليّة صور الاشتباك داخل منازل أو قربها، وضرب تجمّعات الجنود والآليّات في نقاطٍ ضيّقة، بما يؤكّد أنّ الميدان ما زال ميدان كمائن أكثر منه ميدان جبهاتٍ مفتوحة.
آخر المستجدّات الميدانيّة
ميدانيًّا، الجديد الأبرز اليوم هو أربعة أمورٍ متزامنة،
-
أوّلها أنّ إسرائيل تقول إنّها باتت قريبةً من إعلان "خطوط دفاعيّة جديدة" داخل جنوب لبنان، أي إنّ التوغّل ينتقل تدريجيًّا من مرحلة الدفع إلى مرحلة التثبيت.
-
ثانيها أنّ الجيش الإسرائيليّ يعلن استمرار قتل عناصر من "حزب الله" والعثور على أسلحةٍ ومسيّرات، فيما تؤكّد تقارير اليوم أنّ معظم نار "حزب الله" الصاروخيّة باتت توجّه إلى القوّات الإسرائيليّة العاملة داخل الجنوب، مع بقاء إطلاقاتٍ تعبر نحو شمال إسرائيل.
-
ثالثها أنّ كلفة الميدان اللبنانيّ ما زالت ترتفع، إذ قالت وزارة الصحّة اللبنانيّة، إنّ الغارات الإسرائيليّة قتلت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 23 شخصًا وجرحت 98، ما يرفع الحصيلة الإجماليّة منذ 2 آذار إلى 1368 قتيلًا و4138 جريحًا.
-
رابعها، دخل جسرُ سحمر، مشغرة على خطّ الاستهداف الإسرائيليّ المباشر، بعدما وجّه المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفيخاي أدرعي، إنذارًا معلنًا بقصف جسريْ سحمر، مشغرة فوق نهر الليطاني، بذريعة منع نقل "تعزيزات ووسائل قتاليّة" لـ"حزب الله". وبعد ساعات، أفادت وسائلُ إعلامٍ لبنانيّة، نقلًا عن "الوكالة الوطنيّة للإعلام"، بأنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ استهدف الجسر الّذي يربط البلدتَيْن عند الطرف الغربيّ لسحمر، فيما أشارت تقاريرُ لاحقة إلى أنّه أُصيب وتضرّر، من دون أن يُدمَّر كاملًا. ودلالةُ هذا الاستهداف أنّ إسرائيل لم تَعُد تكتفي بالضغط على محاور التوغّل الأماميّة، بل انتقلت أيضًا إلى ضرب البُنى الّتي تؤمّن الوصل بين الجنوب وعمقه اللبنانيّ، في محاولةٍ لقطع خطوط الحركة والإسناد، وتوسيع مفاعيل العزل الميدانيّ إلى ما وراء الحافة الحدوديّة المباشرة.
إذا سئل اليوم، إلى أين وصل الجيش الإسرائيليّ في جنوب لبنان، فالإجابة الأدقّ هي الآتية، وصل غربًا إلى تقدّمٍ ساحليٍّ ثابتٍ نسبيًّا عند رأس البيّاضة مع ضغطٍ على شمع، ووسطًا إلى طوق نارٍ وحركةٍ حول بنت جبيل من دون حسمها، وشرقًا إلى أخطر اقترابٍ من خطّ الليطاني بين الخيام، القنطرة، دير سريان، والطّيّبة، لكن من دون خريطة سيطرةٍ نهائيّةٍ يمكن الجزم بها في كلّ عقدة. أمّا اليوم القتاليّ نفسه، فخلاصته أنّ إسرائيل تتقدّم، نعم، لكنّها تتقدّم ضمن سقفٍ أخفض ممّا أعلنته سياسيًّا، وضمن ميدانٍ ما زال "حزب الله" قادرًا فيه على تحويل كلّ تقدّمٍ إلى معركة استنزافٍ مؤجّلة.




