إسرائيل والجنوب: احتلال أم مغامرة مكلفة؟

زينب زعيترالجمعة 2026/04/03
Image-1775120545
من يملك القدرة على الصمود أكثر في الميدان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يستحضر لبنان محطات سابقة من الصراع مع إسرائيل، في ظل استمرار العدوان عليه. ففي لحظة إقليمية مشتعلة، تُطرح تساؤلاتٍ كبرى حول الأهداف والقدرة والحدود، وهل نحن أمام احتلال جديد لجنوب لبنان. الفكرة لم تعد مجرد احتمال نظري، بل سيناريو يُطرح بوضوح في الخطاب الإسرائيلي؛ حديث صريح عن "سيطرة أمنية" حتى نهر الليطاني، أعلن عنه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، ضمن محاولة جديدة لإعادة رسم معادلة الميدان تحت ذريعة الأمن، وسعي إسرائيل إلى تثبيت وجود عسكري دائم في الجنوب.

طرح يفتح النقاش مجدداً، حول مدى جدية هذا التوجه، وإمكانية ترجمته على الأرض، وما إذا كانت إسرائيل تمتلك القدرة على تنفيذ خطوة بهذا الحجم اليوم في ظل التوازنات الحالية، والأهم إلى أي مدى يمكن أن يسمح المجتمع الدولي، بعودة احتلالٍ مباشرٍ لمساحات واسعة من الأراضي اللبنانية. فهل تقدم إسرائيل على احتلال خامس لجنوب لبنان، بعد كل ما حملته التجارب السابقة من استنزاف وخسائر، وهل تغيّرت موازين القوى بما يسمح لها هذه المرة بتثبيت وجود طويل الأمد.

 

خط المواجهة شمالاً نحو لبنان

الثابت الوحيد هو أنّ الحرب بين لبنان وإسرائيل، ليست منفصلة ما بين 2024 و2026، بل هي امتداد لمسار واحد، مع تغيّر في الأساليب. الهدف المركزي لإسرائيل بقي نفسه عبر السنوات، ربما منذ العام 1982 ولغاية اليوم حيث تسعى إسرائيل لدفع خط المواجهة شمالاً نحو لبنان، بذريعة حماية المستوطنات، مع طرح حدود أمنية جديدة تصل إلى الليطاني، بل الاستماتة بالتوسّع نحو مناطق أبعد مثل الزهراني. وبين العدوان الأخير واليوم، تحولت فكرة المنطقة العازلة إلى محور أساسي في الهدف الإسرائيلي، مع طرح إنشاء شريط داخل الجنوب بعمق متفاوت، هدفه إبعاد حزب الله عن الحدود ولاحقاً القضاء عليه تماماً. وفي إسرائيل، لم يعد الحديث فقط عن الحماية، بل ظهرت تصورات أوسع، وحتى طرح سيناريوهات تمتد نحو البقاع، ضمن مشروع إسرائيل الكبرى. وطبعاً مهما كانت الأثمان مكلفة.

ليصبح هذا الطرح ضمن أهداف إسرائيل، التي تسعى إليه وفرضه بقوة النار. على الرغم من أنّ الحرب على لبنان لم تعد محصورة فيه، بل مرتبطة بسياق أوسع يشمل إيران والمنطقة ككل، وضمنها أهداف إسرائيل التوسعية في سوريا أيضاً، وهذا ما يجعلها جزءًا من صراع أكبر يتجاوز الجبهة اللبنانية.

 

الديبلوماسية بلا هدف

محلياً، لبنان الرسمي يندد بالتصريحات الإسرائيلية التي لم تعد مجرد تهديدات، بل تعكس نية واضحة لفرض احتلال جديد لأراض لبنانية. ولكن الديبلوماسية والحشد الدولي وشبكة الاتصالات والردع، لم تؤدِ لليوم الغاية المرجوة منها. كذلك صدرت إشارات عن دول مثل فرنسا حذرت من مسألة التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان والحديث عن المنطقة الأمنية، بينما أميركا تغطي أفعال إسرائيل، وكل ما عدا ذلك يبقى في إطار الاستنكار. وكان كاتس صرّح في وقت سابق أنّه "مع انتهاء العملية، سيُقيم الجيش الإسرائيلي منطقة أمنية داخل لبنان، على خط دفاعي ضد الصواريخ المضادة للدبابات، وسيُحكم سيطرته الأمنية على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني، في عمق يمتد لمسافة تناهز 30 كيلومترا من الحدود". وكذلك أكد وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، أن "نهر الليطاني في جنوب لبنان يجب أن يصبح الحدود الجديدة لإسرائيل مع جارتها الشمالية".

فهل نحن أمام احتلال جديد، احتلال لن يقدر أن يقضي أصلاً على حزب الله، وعلى ماذا تستند إسرائيل في أهدافها التوسعية؟

 

قدرة المقاومة على الاستنزاف

في المقابل، تتباين التقديرات حول مدى قدرة إسرائيل على تنفيذ اجتياح بري واسع للجنوب اللبناني والبقاء فيه بعد انتهاء العمليات العسكرية، في ظل حرب توصف بالشرسة والمفتوحة على احتمالات متعددة. حزب الله من جانبه يرى أنّ القوات الإسرائيلية قد تتمكن من التوغل داخل الأراضي اللبنانية، إلا أنّ تثبيت وجود طويل الأمد يبقى مهمة شديدة التعقيد، في ظل طبيعة المواجهة وقدرة المقاومة على الاستنزاف.

في المقابل، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية المكثفة، لكن التساؤل الأساسي يتمحور حول قدرتها على الاستمرار في هذه الحرب لفترة طويلة، ما يطرح معادلة أساسية: من يملك القدرة على الصمود أكثر في الميدان؟ هنا تتراوح التقديرات بين سيناريوهات مختلفة، إذ يرى البعض إمكانية فرض احتلال مؤقت يمتد لأشهر، فيما ترجّح وجهات نظر أخرى احتمال استمرار هذا الوجود لفترة أطول، وفقاً لمسار المعارك والضغوط الميدانية والسياسية.

أما داخل إسرائيل، فتبرز انقسامات واضحة حيال هذه المسألة، مع وجود ثلاث مقاربات متباينة: الأولى تدعو إلى إنهاء الحرب مع الإبقاء على وجود عسكري في الجنوب، والثانية تطالب بالاستمرار في البقاء حتى تحقيق كامل الأهداف العسكرية، في حين تحذر المقاربة الثالثة من مخاطر التورط في حرب استنزاف، داعيةً إلى الانسحاب وعدم تثبيت القوات في بيئة ميدانية توصف بأنها "غير صلبة" بالنسبة للجيش الإسرائيلي.

 

أرض محروقة 

وفي ظلّ تصاعد الحديث عن نوايا إسرائيل في جنوب لبنان، وما إذا كانت تتجه نحو احتلال جديد، يقرأ السفير اللبناني السابق في واشنطن، رياض طبارة في حديث لـِ "المدن" خلفيات وأبعاد ما تطمح إليه إسرائيل، معتبرا ًأنّ "الأهداف الإسرائيلية في هذا الإطار ليست وليدة اللحظة، بل جرى الإعلان عنها مرارًا بأشكال مختلفة"، مع تأكيد "سعي إسرائيل إلى مشروع توسّعي أوسع يُعرف بـ"إسرائيل الكبرى"، يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب محاولة فرض واقع جديد في جنوب لبنان، عبر تحويل أجزاء من أراضيه، لا سيما في الجنوب، إلى أرض محروقة تُستخدم كمنطقة عازلة لحماية هذا المشروع".

ووفق طبارة، تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على إنشاء شريط أمني يحيط بإسرائيل، وهذا ما يفتح الباب أمام اقتطاع أراضٍ من دول مجاورة، من بينها لبنان وسوريا. ويشير إلى أنّ إسرائيل تحاول اليوم تثبيت وجودها في هذه المناطق، وتدرس كيفية البقاء فيها على المدى الطويل. ويذكّر طبارة في حديثه بأنّ إسرائيل سبق أن خاضت تجارب مماثلة في لبنان، أبرزها اجتياح العام 1982، ومن ثم إنشاء "الشريط الأمني" الذي استمر لنحو عشرين عامًا قبل أن تنسحب، بعد تكبّدها خسائر بشرية وعسكرية. ويضيف أنّها حاولت أيضًا السيطرة على كامل الجنوب اللبناني، إلا أنّها لم تنجح في ذلك.

أما اليوم، فيرى أنّ المقاربة الإسرائيلية تغيّرت جزئيًا، إذ لم تعد تسعى للسيطرة الكاملة على الجنوب، بل تركّز على السيطرة على التلال المشرفة والمواقع الاستراتيجية، بما يتيح لها حماية المناطق التي تسيطر عليها، وتأمين عمق دفاعي عبر المساحات المحيطة. وفي موازاة ذلك، يلفت إلى أنّ تصريحات صادرة عن مسؤولين إسرائيليين، بينهم وزيرا المالية والأمن، تتحدّث صراحة عن أفكار تتعلق بـِ "استعمار الأرض"، وهذا ما يعكس توجّهًا نحو فرض وقائع ميدانية جديدة.

 

من يردع إسرائيل؟

فمن يردع إسرائيل، وهل يمكن لها ببساطة أن تحتل أراضٍ من لبنان، برضا أميركي وصمت دولي، خصوصاً أنّ إسرائيل لا تحترم كما لا تعترف بقانون إنساني أو دولي. يقول طبارة إنّه عند المقارنة مع المراحل السابقة، ولا سيما اجتياح العام 1982، فإسرائيل لم تعد "الولد المدلل" للغرب كما كانت في السابق، موضحًا أنّ الدول الأوروبية أعلنت رفضها لفكرة التوغل أو الاجتياح الإسرائيلي للبنان. في المقابل، يلفت إلى أنّ الموقف الأميركي لا يزال مترقبًا، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور مع إيران، في ظلّ غموض يحيط بمسار أي اتفاق محتمل.

وبالرغم من أنّ الهدف المعلن إسرائيليًا هو إقامة شريط أمني حدودي، إلا أنّ طبارة يتوقّع أنَّ ما يجري قد يكون تأسيسًا لصراع طويل الأمد، قد يمتدّ لعقود، في إطار مشروع أوسع يقوم على السيطرة على الضفة والقطاع، إضافة إلى شريط أمني من لبنان وسوريا.

على المستوى الدولي، يوضح السفير أنّ القرارات الأممية والحدود القائمة واضحة، إلا أنّ المشكلة تكمن في أنَّ إسرائيل لا تعترف بها، ولا تلتزم بالقوانين الدولية، متسائلًا عمّا إذا كانت تلقي أصلًا أي اعتبار لقرارات الأمم المتحدة، في ظلّ الدعم الأميركي المستمر لها. ويضيف أنَّ إسرائيل، منذ بداية الحرب، قد تحقق بعض النجاحات المرحلية في المستقبل المنظور، لافتًا إلى أنّها تمكنت بالفعل من احتلال ثماني نقاط، معتبرًا أنّها قد لا تنسحب منها، كونها جزءًا من الخارطة التي تسعى إلى تكريسها.

كما يشير إلى أنَّ إسرائيل استخلصت دروسًا من أحداث السابع من أكتوبر، إذ باتت أكثر خشية من عمليات التسلل وخطف الجنود، وهذا ما يدفعها إلى السعي لإنشاء حزام أمني من عدة كيلومترات داخل جنوب لبنان، يكون بمثابة "أرض محروقة" تمنع أي اختراق أو عمليات خطف قد تنفذها المقاومة باتجاه الداخل الإسرائيلي.

ويؤكد السفير أنّ هذا الهدف، بالرغم من كلفته العالية، سيبقى ضمن أولويات إسرائيل في المرحلة الراهنة، باعتباره "الخطوة الأولى" الممكنة التنفيذ حاليًا، حتى إن كانت هناك خرائط وأفكار أكبر تصل، نظريًا، إلى مناطق أبعد بكثير.

وفي هذا السياق، يرى أنّ التحدي الأصعب أمام إسرائيل اليوم هو مسألة التراجع، إلا أنّه لا يستبعد، في حال التوصل إلى اتفاق مع إيران، أن يكون لبنان جزءًا منه، وهذا ما قد يفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي، خصوصًا تحت ضغط أميركي محتمل، بالرغم من التصريحات الإسرائيلية التي تؤكد نيتها البقاء في جنوب لبنان.

 

تسعى إسرائيل اليوم إلى فرض واقع أمني جديد على الحدود. الهدف المباشر يتمثّل في إنشاء منطقة فاصلة داخل الأراضي اللبنانية. أمّا الهدف الأوسع، فالمقاربة لا تقتصر على البعد العسكري مباشرة، بل ترتبط بإعادة رسم حدود النفوذ، وفرض شروط جديدة على الأرض، تجعل من الصعب العودة إلى الوضع السابق.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث