أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الجمعة، أنّ نزع سلاح "حزب الله" ليس جزءًا من أهداف الحرب الحاليّة، مُقِرًّا بأنّ تحقيق هذا الهدف ليس ممكنًا في هذه المرحلة، فيما تتّجه خططه الميدانيّة نحو هدم قرًى لبنانيّة حدوديّة في الجنوب، وتهجير سكّانها قسرًا، لإقامة شريطٍ أمنيٍّ عازل يفرض واقعًا ميدانيًّا وحدوديًّا جديدًا.
وبحسب إحاطةٍ قدَّمها الجيش الإسرائيليّ لصحافيّين ووسائل إعلام إسرائيليّة، فإنّ نزع سلاح "حزب الله" لا يدخل ضمن أهداف العمليّة العسكريّة الحاليّة، على الرّغم من تقديراته بأنّ الحكومة اللّبنانيّة والجيش اللّبنانيّ غير قادرَين على تنفيذ هذه المهمّة. وأوضح أنّ تفكيك سلاح الحزب يتطلّب عمليّات تفتيشٍ واسعة تشمل كلّ قرية وبلدة في لبنان، وهو ما يجعله خارج أهداف العمليّة في مرحلتها الرّاهنة.
لاحقًا، قال النّاطق باسم الجيش الإسرائيليّ إنّه "بعد الإحاطة، نُوضّح أنّ الجيش الإسرائيليّ، كما صرّح رئيس الأركان سابقًا، ملتزم بالهدف طويل الأمد المتمثّل في نزع سلاح حزب الله، وهو هدف يشمل سلسلةً واسعةً من الجهود التي ستستمرّ مع مرور الوقت".
وأضاف أنّ "العمليّة الحاليّة تُضعِف حزب الله، وستُسهم، بمرور الوقت، في تحقيق هدف نزع سلاحه".
ويُفهَم من هذا التّوضيح أنّ الجيش الإسرائيليّ يميّز بين أهداف العمليّة المباشرة في المرحلة الحاليّة، وبين الهدف الاستراتيجيّ الأبعد المرتبط بإضعاف الحزب وتقليص قدراته تدريجيًّا.
خطّةٌ لتدمير القرى الحدوديّة
في موازاة ذلك، يستعدّ الجيش الإسرائيليّ لعرض خطّةٍ على المستوى السّياسيّ تقضي بتدمير القرى اللّبنانيّة الحدوديّة في جنوب لبنان تدميرًا كاملًا، وإنشاء منطقةٍ أمنيّةٍ خاليةٍ من السكّان، من دون السّماح بعودة اللّبنانيّين إلى القرى الواقعة على ما تسمّيه إسرائيل "خطّ التّماس".
ويقول الجيش الإسرائيليّ إنّ "حزب الله" حاول، خلال العام الماضي، إعادة بناء بنى تحتيّة على طول الحدود، ولذلك يجب، بحسب تقديره، تحويل المنطقة الممتدّة من ثلاثة إلى أربعة كيلومترات من الحدود إلى منطقةٍ أمنيّةٍ ذات خطّ دفاعيٍّ متقدّم.
وبحسب هذه المقاربة، فإنّ "القيود" القائمة حاليًّا لا تتيح نزع سلاح "حزب الله"، كما أنّ هذا الهدف ليس شرطًا لإنهاء العمليّة العسكريّة الجارية. ولذلك، تركّز الخطّة على التدمير الكامل للخطّ الأوّل من القرى في جنوب لبنان، وإنشاء "منطقة أمنيّة" جديدة خالية تمامًا من البنية التحتيّة والسكّان.
"تجريم" البنية المدنيّة
ولتَنفيذ هذه الخطّة، يرى الجيش الإسرائيليّ أنّ من الضّروريّ تدمير عشرات القرى اللّبنانيّة القريبة من البلدات الإسرائيليّة، بدءًا من كفركلا المقابلة للمطلّة، وصولًا إلى النّاقورة المقابلة لـ"شلومي"، بما يشمل إزالة جميع البنى التحتيّة ومنع السّكّان من العودة إليها بصورةٍ دائمة.
ووفقًا للجيش الإسرائيليّ، ستُعرَض الخطّة قريبًا على هيئة الأركان العامّة والقيادة السّياسيّة للحصول على الموافقات اللّازمة، مشيرًا إلى أنّها خضعت، بحسب وصفه، لمراجعاتٍ وموافقاتٍ قانونيّة. ويستند هذا التّوجّه إلى اعتبار القرى التي انطلق منها "حزب الله" سابقًا بيئةً تسمح بإعادة بناء بنيةٍ تحتيّةٍ عسكريّة في المستقبل، وهو ما يَستخدمه الجيش الإسرائيليّ لتبرير استهداف القرى بكاملها.
كما يزعم الجيش الإسرائيليّ أنّ عناصر من "حزب الله" عادوا، بعد وقف إطلاق النّار السّابق في تشرين الثّاني/نوفمبر 2024، إلى القرى القريبة من الحدود، مستفيدين من عودة جزءٍ من السكّان، وأنّه رصد كذلك محاولاتٍ لإعادة حفر بنى تحتيّة تحت الأرض، إلى جانب وجود أسلحةٍ لم تكن موجودة في تلك القرى خلال العدوان الإسرائيليّ السّابق.
نموذجٌ مستنسخٌ من غزّة
ويقول الجيش الإسرائيليّ إنّ النّموذج المقترَح في جنوب لبنان يستند إلى نسخةٍ من نموذج "الخطّ الأصفر" في قطاع غزّة، أي شريطٍ يتراوح عرضه بين كيلومترَين وأربعة كيلومترات، تبعًا للتّضاريس، يكون خاليًا تمامًا من السّكّان وتحت سيطرة الجيش الإسرائيليّ، مع إنشاء نقاطٍ أماميّة داخله.
وعمليًّا، تعكس هذه الخطّة مسعىً إسرائيليًّا إلى دفع خطّ المواجهة إلى عمقٍ أكبر داخل الأراضي اللّبنانيّة، بما يخلق واقعًا ميدانيًّا جديدًا في الجنوب.
وفي هذا السّياق، أشار الجيش الإسرائيليّ إلى أنّ عددًا محدودًا من القرى المسيحيّة الواقعة ضمن المنطقة المزمع تحويلها إلى "منطقة أمنيّة" قد لا يُدمَّر، وقد يُسمح لسكانه بالعودة، على أن يعيشوا ضمن منطقةٍ تخضع لسيطرةٍ أمنيّةٍ إسرائيليّة.
وقال ضابطٌ رفيع في الجيش الإسرائيليّ، في معرض شرحه للخطّة، إنّها "مختلفة تمامًا عن المنطقة الأمنيّة التي كانت لدينا في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن الماضي، وقد تعلَّمنا الكثير منذ ذلك الحين، والتّغيير الأبرز هو أنّه لن يُسمَح للسُّكّان بالعيش في تلك المنطقة".
وأضاف أنّ "وجود السُّكّان هو ما يسمح لحزب الله بالعودة إليها"، معتبرًا أنّ أحد الفوارق الأخرى عن "الشّريط الأمنيّ" السّابق يتمثّل في أنّ القوّات الإسرائيليّة لن تتمركز في عمق الأراضي اللّبنانيّة، بل في الكيلومترات الأولى فقط، ضمن منطقةٍ أمنيّةٍ ودفاعيّةٍ أماميّة.
تقديراتٌ لقدرات "حزب الله"
وفي إحاطةٍ أخرى، قال ضابطٌ في القيادة الشّماليّة بالجيش الإسرائيليّ إنّ "حزب الله" لا يزال قادرًا، بالوتيرة الحاليّة لإطلاق النّار، على مواصلة قصف المناطق الشّماليّة في إسرائيل لمدّة شهرٍ أو شهرَين إضافيَّين.
وأضاف أنّ الحزب يمتلك ما بين 8 آلاف و10 آلاف صاروخٍ وقذيفة، إضافةً إلى 300 إلى 400 منصّة إطلاق، مقارنةً بنحو 40 ألف صاروخٍ وقذيفة قبل 7 تشرين الأوّل/أكتوبر.
وأشار كذلك إلى أنّ 70% من عمليّات إطلاق النّار باتّجاه الشّمال تُنفَّذ من المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، مقرًّا بصعوبة تحديد مواقع منصّات إطلاق الصّواريخ التي وُضِعت في ساحات المنازل على أطراف القرى اللّبنانيّة، وصعوبة تعطيلها قبل انتهاء عمليّات الإطلاق.
نتنياهو: توسيع "الشّريط الأمنيّ"
من جهته، قال رئيس الحكومة الإسرائيليّة، خلال وجوده في مقرّ وزارة الأمن في تل أبيب: "مع أصدقائنا الأميركيّين، نواصل الضّغط على النّظام في إيران، نقضي على القادة، ونقصف الجسور، وندمّر البنية التحتيّة".
وأضاف أنّ "سلاح الجوّ دمَّر في الأيّام الأخيرة 70% من طاقة إنتاج الصّلب الإيرانيّة"، معتبرًا أنّ ذلك "إنجازٌ هائلٌ يحرم الحرس الثّوريّ من موارده الماليّة، وقدرته على إنتاج الكثير من الأسلحة".
وتابع: "بالتّنسيق الكامل بيني وبين الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وبين الجيش الإسرائيليّ والجيش الأميركيّ، سنواصل الضّغط على إيران. هذا النّظام أضعف من أيّ وقتٍ مضى، وإسرائيل أقوى من أيّ وقتٍ مضى".
وفي ما يتّصل بلبنان، قال نتنياهو: "نواصل توجيه ضرباتٍ قويّةً لحزب الله، ونواصل توسيع الشّريط الأمنيّ وتعزيزه، لحماية البلدات الشّماليّة".
كاتس: الهدف النّهائيّ نزعُ السلاح
بدوره، قال وزير الأمن الإسرائيليّ، يسرائيل كاتس، في ختام تقييمٍ للوضع: "سياسة إسرائيل في لبنان كانت، ولا تزال، واضحة: الهدف النّهائيّ هو نزع سلاح حزب الله بالوسائل العسكريّة والسّياسيّة، بغضّ النّظر عن إيران. تعهّدنا بتوفير الأمن للبلدات في الشّمال، وهذا ما سنفعله بالضّبط".
وأضاف أنّ "الجيش الإسرائيليّ يُكمل المناورة البرّيّة حتّى خطّ الدّفاع المضادّ للدّروع، لحماية البلدات الإسرائيليّة الحدوديّة، ومنع أيّ تهديدٍ مباشر لها".
كما أكّد أنّ "المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان ستُهدم، لأنّها تُعَدّ عمليًّا معاقل لحزب الله، على غرار نموذجَي رفح وخانيونس في غزّة، وذلك لإزالة أيّ تهديدٍ عن المستوطنات الإسرائيليّة".
وقال أيضًا إنّ القوّات الإسرائيليّة "ستُحكِم سيطرتها الأمنيّة على منطقة الليطاني"، مضيفًا أنّ عودة مئات آلاف النّازحين من جنوب لبنان إلى جنوب الليطاني لن تكون ممكنة، بحسب تصوّره، قبل ضمان أمن سكّان الشّمال في إسرائيل.
تقاريرُ إسرائيليّة: نزعُ السلاح غيرُ واقعيّ حاليًّا
ومع تصاعد العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة في لبنان، برزت تقديراتٌ جديدةٌ نقلتها صحيفة "هآرتس" العبريّة، أفادت، نقلًا عن مصادر في الجيش الإسرائيليّ، بأنّ "تجريد حزب الله من سلاحه لن ينجح من دون احتلالٍ كاملٍ للبنان"، وأنّ "احتلال كامل الأراضي اللّبنانيّة ليس هدفًا للحرب، والدّولة اللّبنانيّة وحدها قادرة على تفكيك سلاح حزب الله".
وبحسب هذه المقاربة، فإنّ نزع سلاح "حزب الله" ليس هدفًا قابلًا للتحقيق عسكريًّا في المرحلة الرّاهنة، فيما تتمحور الاستراتيجيّة الإسرائيليّة حول أهدافٍ أكثر واقعيّة، أبرزها تأمين الجبهة الشّماليّة بالكامل.
وفي هذا السّياق، تشير التّقارير الإسرائيليّة إلى أنّ هدف الحرب هو تأمين الشّمال، لا نزع سلاح "حزب الله" بصورةٍ شاملة، مع توقّعاتٍ بتكثيف العمليّات العسكريّة ضدّ الحزب بعد انتهاء المواجهة مع إيران، ومن دون ربطٍ مباشرٍ بين السّاحتَين الإيرانيّة واللّبنانيّة في حال جرى التّوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النّار.
"جيروزاليم بوست" وخطّة المنطقة العازلة
وتقاطعت هذه التّقديرات مع ما نشرته "جيروزاليم بوست"، التي أفادت بأنّ الجيش الإسرائيليّ يرى أنّ نزع سلاح "حزب الله" بالكامل هدفٌ غير واقعيّ من دون تنفيذ اجتياحٍ واسع النّطاق للبنان، في وقتٍ تواصل فيه قوّاته التقدّم باتّجاه نهر الليطاني.
وبحسب الصّحيفة، من المتوقّع أن تُنهي القوّات الإسرائيليّة، خلال الأسبوع المقبل، سيطرتها على منطقةٍ تمتدّ من ثمانية إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللّبنانيّة انطلاقًا من الحدود، في خطوةٍ من شأنها تقليص قدرات "حزب الله" على إطلاق النّار.
كما أشارت إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ لم يتمكّن من نزع سلاح مناطق جنوب لبنان بالكامل في أواخر عام 2024، لكنّه يسعى إلى تحقيق مكاسب ميدانيّة أوسع في المرحلة الحاليّة، وسط تقديراتٍ بأنّ التّحدّي الأكبر يتمثّل في مخازن الصّواريخ ذاتيّة الدّفع المنتشرة شمال نهر الليطاني.
ووفق التّقارير نفسها، تستعدّ خمس فرقٍ عسكريّةٍ إسرائيليّة لإتمام السّيطرة على مناطق قريبة من نهر الليطاني، حيث تتوغّل الفرقتان 36 و91 في عمق الأراضي اللّبنانيّة، فيما تعمل فرقتان أخريان بمحاذاة الحدود، بينما تنشط الفرقة 146 على السّاحل اللّبنانيّ.
وفي موازاة ذلك، كانت القناة 12 الإسرائيليّة قد نقلت عن الجيش الإسرائيليّ أنّ "تجريد حزب الله من السلاح ليس هدفًا من أهداف الحرب في هذه المرحلة"، فيما ذكرت "يديعوت أحرونوت" أنّ الخطّة العسكريّة تهدف إلى إنشاء منطقةٍ في جنوب لبنان تشبه "الخطّ الأصفر" في غزّة.
كما أعلن الجيش الإسرائيليّ سلسلة عمليّاتٍ شملت تدمير جسورٍ قال إنّها تُستخدَم لنقل السّلاح، واستهداف بنى ماليّةٍ وأصولٍ مركزيّة مرتبطة بالحزب، إلى جانب ضرب أكثر من 3500 موقع خلال فترةٍ قصيرة، مع تأكيده أنّه قتل نحو ألف مقاتل خلال شهرٍ واحد، في إطار تصعيدٍ يندرج ضمن سعيه إلى إعادة رسم معادلات الرّدع على الجبهة الشّماليّة.
أستطيع أن أصوغ هذا النّصّ أيضًا بنسخةٍ أكثر تكثيفًا وحدّة، على طريقة التّقارير السّياسيّة الافتتاحيّة في الصّحف.




