أفادت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقريرٍ نشرته يوم 3 نيسان/أبريل 2026، بأنّ إسرائيل كثّفت قصفها لأجزاءٍ من لبنان، وأرسلت آلاف الجنود إلى داخل الأراضي اللبنانية، وسط حديثٍ إسرائيليٍّ عن خططٍ للسّيطرة على مناطق جنوب نهر الليطاني، ما يثير مخاوف من احتلالٍ طويل الأمد ونزوحٍ جماعيٍّ واسع.
وتقول إسرائيل إنّها تخطّط للسّيطرة على الأراضي اللبنانية الواقعة جنوب نهر الليطاني، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من نزوحٍ جماعيٍّ واسع، ومن ترسيخ واقعٍ عسكريٍّ جديد في منطقةٍ تعدّ من أكثر المناطق اللبنانية حساسيّةً وتعقيدًا.
وتظهر المعطيات الميدانية أنّ قلّةً فقط من مناطق جنوب لبنان بقيت بمنأًى عن الحرب، بعدما أفرغت قرًى بأكملها من سكّانها، إثر تحذيرات إخلاء إسرائيلية واسعة شملت معظم الجنوب. كما دمّرت الغارات الجوية منازل، وقطعت جسورًا، وسوّت أجزاءً من بلداتٍ بالأرض، فيما تقدّمت القوّات البرّيّة الإسرائيلية إلى عمقٍ أكبر داخل المنطقة، حيث دارت اشتباكات مع مقاتلي "حزب الله" في تضاريس وعرة وتلاليّة.
وقد خلّفت هذه الحرب حالةً شديدةً من عدم اليقين في الجنوب، وهو منطقة ذات أكثريّة شيعيّة ظلّ "حزب الله" يهيمن عليها لعقود.
خطّة للسيطرة على الشريط الجنوبي
خلال هذا الأسبوع، عرض مسؤولون إسرائيليون أكثر خططهم وضوحًا حتّى الآن، عبر الحديث عن احتلال شريطٍ من جنوب لبنان يمتدّ من الحدود إلى نهر الليطاني بعد انتهاء الغزو البرّي، وهو ما يعادل نحو 10% من مساحة البلاد.
وقال مسؤولون إسرائيليون إنّ الهدف يتمثّل في إقامة "منطقة أمنيّة" تمنع استخدام تلك الأراضي في شنّ هجماتٍ على إسرائيل.
وفي هذا السياق، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، يوم الثلاثاء، بأنّه لن يسمح لمئات آلاف اللبنانيين الذين نزحوا من الجنوب بالعودة إلى منازلهم إلى أن يتمّ "ضمان أمن وسلامة سكّان شمال إسرائيل".
في المقابل، أدانت الحكومة اللبنانية الحملة العسكرية الإسرائيلية، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخّل. كما حذّر رئيس الوزراء نواف سلام، الأسبوع الماضي، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من مخاطر ضمّ إسرائيل للأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني.
تدمير القرى الحدوديّة
كرّر كاتس، يوم الثلاثاء، أنّ خطّة إسرائيل في جنوب لبنان تشمل هدم بلداتٍ لبنانيةٍ كاملة على الحدود.
وكانت قرًى حدوديّة عدّة قد تعرّضت لدمارٍ واسع خلال جولة التّصعيد السّابقة في عام 2024، إذ شهدت ستّ قرًى على الأقلّ تدميرًا كبيرًا. كما جعلت الغارات الجوية الإسرائيلية، التي استمرّت بعد وقف إطلاق النار، من شبه المستحيل على السكّان إعادة إعمار تلك القرى.
وقال علاء سليمان، 40 عامًا، الذي نزح من منزله في كفركلا الحدوديّة: "لم يبق شيء نعود إليه بعد حرب 2024. حتّى عندما حاول الناس إقامة منازل جاهزة، تعرّضت للقصف. لم يكن هناك أيّ أملٍ في العودة".
ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة الشهر الماضي، عقب إطلاق "حزب الله" صواريخ باتجاه إسرائيل تضامنًا مع طهران، بدا أنّ إسرائيل سرّعت وتيرة تدمير البلدات الحدوديّة.
ويظهر مقطع فيديو متداول على وسائل التّواصل الاجتماعي، وثبّتت صحيفة "نيويورك تايمز" صحّته، سلسلة انفجاراتٍ كبيرة ومتزامنة في 17 آذار/مارس في بلدة عيتا الشعب، الواقعة على بعد نحو ميلٍ واحد من الحدود. كما أكّدت صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي لحق بالمنطقة، التي كانت قد تضرّرت بشدّة أصلًا في عام 2024.
وبحسب كاتس، فإنّ تدمير المجتمعات الحدوديّة يعدّ جزءًا من استراتيجيّةٍ متعمّدة للجيش الإسرائيلي، مشيرًا إلى أنّ تسوية المنازل بالأرض في جنوب لبنان "تتبع نموذج رفح وبيت حانون في غزة"، حيث استخدمت إسرائيل الجرّافات وعمليّات الهدم المنظّم لمحو أحياءٍ كاملة.
استهداف الجسور وعزل الجنوب
في آذار/مارس، دمّر الجيش الإسرائيلي معظم الجسور الرئيسيّة فوق نهر الليطاني، في خطوة قال إنّها تهدف إلى منع "حزب الله" من نقل التّعزيزات والمعدّات القتاليّة إلى جنوب لبنان.
ويعدّ هذا النهر، الذي يبعد في أقصى نقاطه نحو 20 ميلًا عن الحدود الإسرائيلية، خطًّا فاصلًا تقليديًّا بين جنوب لبنان وبقيّة البلاد.
ويقع جزءٌ كبير من مجرى الليطاني في وادٍ عميق، ما يجعل الجسور حيويّة، سواء لخروج المدنيين المتبقّين في الجنوب، أو لوصول الإمدادات الطبية والغذائية وغيرها من الضّروريّات إلى من بقي هناك.
ومن خلال تدمير الجسور الرئيسيّة التي تربط الشمال بالجنوب، أجبرت إسرائيل حركة المدنيين على المرور عبر عددٍ محدود من المعابر الصغيرة. وإذا ما استهدفت هذه المعابر، فسيصبح جنوب لبنان شبه معزولٍ بالكامل عن شماله.
ولم يوضّح المسؤولون الإسرائيليون ما إذا كانت القوّات ستصل فعليًّا إلى النهر، أم ستكتفي بالسّيطرة عليه عن بعد، ولا المدّة التي تعتزم البقاء خلالها هناك.
ويظهر مقطع فيديو صوّرته وكالة "رويترز"، وأكّدته "نيويورك تايمز"، انفجاراتٍ عنيفة على جسرٍ كبير في القاسمية جنوب لبنان، مع تصاعد سحب دخانٍ كثيفة وتناثر الحطام.
التوغّل البرّي وتعزيز المواقع العسكريّة
بعد انتهاء الحرب السّابقة بين "حزب الله" وإسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار أواخر عام 2024، احتلّ الجيش الإسرائيلي خمسة مواقع عسكرية قرب الحدود داخل لبنان.
ومنذ اندلاع الحرب الجديدة، دفعت إسرائيل بما لا يقلّ عن 5000 جنديٍّ برّي، وفقًا لمسؤولين إسرائيليين تحدّثوا بشرط عدم الكشف عن هويّاتهم.
وأظهرت صور أقمارٍ صناعية حلّلتها "نيويورك تايمز" وجود آلياتٍ إسرائيلية في مواقع عسكرية جديدة داخل أربع بلداتٍ لبنانية قريبة من الحدود. وحتّى أواخر آذار/مارس، لم تظهر هذه الآليات في عمق الأراضي اللبنانية بما يتجاوز كثيرًا المناطق التي وصلت إليها القوّات خلال غزو 2024.
وفي بلدة الخيام الحدوديّة، تكشف الصور عن مساحاتٍ مدمّرة ومبانٍ مهدّمة في أنحاء مختلفة من البلدة.
كما تظهر دبابات "ميركافا" وناقلات جندٍ مدرّعة في تلك الصور، وفقًا لجيريمي بيني، المتخصّص في شؤون الدّفاع في الشرق الأوسط لدى شركة "جينز" البريطانية.
وقد أثارت أخبار الدمار في الخيام قلقًا واسعًا بين السكّان الذين نزح معظمهم مع اندلاع الحرب.
وقال علي عكّار، 78 عامًا، وهو من سكّان الخيام: "بعد الحرب الماضية أعدنا بناء منزلنا وقلنا إنّ الأمر انتهى، لكنّ كلّ شيءٍ يدمّر مجدّدًا. في الحرب السّابقة كان لدينا بعض الأمل بالعودة، أمّا الآن فلا يوجد أيّ أمل".
كما تشير صور أقمارٍ صناعية أخرى إلى وجودٍ عسكريٍّ إسرائيلي قرب مستشفى في بلدة ميس الجبل، حيث ظهرت آلياتٌ مدرّعة في مواقع مختلفة حول المجمّع.
ورغم توفّر صور الأقمار الصناعية، فإنّ الغطاء السّحابي منذ 18 آذار/مارس أعاق التحقّق المستقلّ من مواقع القوّات الإسرائيلية في الفترة الأخيرة.
استهداف البنية التحتيّة وتفاقم المعاناة
استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية أيضًا منازل ومحطّات وقود وشركات صرافة وبنًى مدنيّة أخرى، تقول إسرائيل إنّ "حزب الله" يستخدمها.
وفي آذار/مارس، استهدفت إسرائيل ما لا يقلّ عن أربع محطّات وقودٍ تديرها شركة "الأمانة" للبترول، وهي موزّع رئيسيٌّ للوقود سبق أن فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات بسبب علاقاته المزعومة مع "حزب الله".
ويقول مسؤولون إسرائيليون إنّ هذه المحطّات تعدّ "بنيةً اقتصاديّةً مهمّة" للحزب.
وأظهرت لقطاتٌ لوكالة "فرانس برس" الأضرار التي لحقت بمحطّة وقود بين الناقورة وصور في جنوب غرب لبنان، حيث بدت لافتةٌ معلّقة من سقفٍ متضرّر جزئيًّا، مع حفرةٍ كبيرة في الأرض.
ورغم تأكيد إسرائيل أنّ هذه المحطّات تموّل "حزب الله"، فإنّها شكّلت أيضًا شريان حياةٍ لكثيرٍ من اللبنانيين، إذ كانت تبيع الوقود أحيانًا بأسعارٍ مدعومة، ولا سيّما مع ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الحرب في إيران.
وقد خلّف هذا الدمار حالةً من الألم العميق بين سكّان الجنوب الذين نزحوا وشاهدوا من بعيدٍ تدمير بلداتهم وقراهم.
وقالت هدى رجب، 28 عامًا، التي نزحت من منزلها قرب الخيام: "الدمار أكبر بكثير، والقتال أشدّ، ومخاطر هذه الحرب أعلى من سابقتها. الآن نسأل: هل سنتمكّن يومًا من العودة؟ وحتّى لو عدنا، هل سيبقى شيءٌ نعود إليه؟".




