هل نحتاج إلى انتقال فوق-سياسي لإنقاذ الدولة اللبنانية؟

مصطفى علّوشالخميس 2026/04/02
Image-1769533841
حزب الله عرَض لمرض بنيوي وليس سبباً (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

"ومن أنا لا تسل سمراء منبتها    في ملتقى ما التقت شمس وشطآن

لي صخرة علقت بالنجم أسكنها    طارت بها الكتب قالت تلك لبنان" 

(سعيد عقل)

 

يقول الباحث الفلسفي رينيه جيرارد أن حاجة المجتمعات لكبش محرقة تلقى على عاتقه الشرور والحلول معاً ضرورة تأسيسية لتمويه العنف البشري البنيوي، ومن ثم تمكين البنية الاجتماعية من الاستمرار من دون الدخول في الفوضى العنيفة التي قد تدمر المجتمع. من هنا تأتي نظرية "الغريب" الذي تسبب بكل المآسي في التركيبة اللبنانية. واليوم، هذا الغريب هو "الإيراني" و"حزب الله"، لكنه كان في مراحل سابقة "السوري" و"الفلسطيني" و"العثماني" لتمويه لفظ المسلم "الذي لا يشبهنا". فيما يلي، ومع تأكيدي على أن أي حل يجب أن يبدأ بتوحيد السلاح في سلطة واحدة، فإن تكرار اختراع أكباش محرقة يشير إلى خلل أعمق يحتاج إلى مقاربات خارج التقليد. فيما يلي بعض من هذه الأفكار. 

 

لم يعد السؤال في لبنان اليوم كيف يمكن إصلاح النظام، بل ما إذا كان هذا النظام نفسه لا يزال قابلًا للإصلاح من داخله. فالمسار الممتد منذ اتفاق الطائف حتى اليوم، مرورًا بالانهيار المالي في العام 2019 وما تبعه من شلل سياسي ومؤسساتي، يكشف بوضوح أن آليات التمثيل السياسي، المدعو ديموقراطي، لم تعد تنتج حلولًا، بل باتت تعيد إنتاج الأزمة ذاتها بأشكال مختلفة. هذا الاستعصاء البنيوي لم يعد مجرد خلل في الأداء أو فساد في الإدارة، بل تحوّل إلى بنية مكتملة تعيد إنتاج نفسها عبر الأدوات التي يُفترض أنها صُمّمت لتغييرها.

اليوم، يتفاقم هذا الواقع تحت ضغط عاملين متداخلين يصعب فصلهما. أولًا، استمرار وجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية تتجاوز منطق الدولة وتحتفظ بقرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها، وثانيًا، التصعيد العسكري مع إسرائيل، الذي يعيد وضع لبنان في قلب صراع إقليمي مفتوح ويحوّل أي هشاشة داخلية إلى خطر وجودي. في هذا السياق، لا يعود النقاش حول الإصلاح مجرد نقاش إداري أو دستوري، بل يصبح مرتبطًا بسؤال أعمق، وهو هل يمكن لدولة منقوصة السيادة أن تُصلح نفسها عبر أدواتها نفسها؟

 

غير أن اختزال الأزمة اللبنانية بوجود حزب الله وحده، رغم مركزيته، يظل تبسيطًا مضللًا. فالأدق نظريًا هو النظر إلى هذا الوجود بوصفه عارضًا مرضيًا، لا السبب الأولي. أي أنه نتيجة لاختلال أعمق في البنية الوطنية، لا مصدره الوحيد. فالدولة التي تعجز عن احتكار العنف المشروع، وعن إنتاج شعور جامع بالانتماء، وعن تأمين حد أدنى من العدالة والفعالية، تفتح المجال تلقائيًا لظهور قوى موازية تملأ هذا الفراغ. بهذا المعنى، لا يمكن فهم حزب الله خارج السياق الذي أتاح نشوؤه واستمراره، وهو اختلال في العقد الوطني، ضعف في مؤسسات الدولة، وانكشاف دائم على صراعات إقليمية.

هذا التوصيف لا يبرّر الظاهرة، لكنه يغيّر زاوية النظر إليها. فالتعامل مع حزب الله كمشكلة يجب إزالتها، يقود إلى مقاربات صدامية أو تبسيطية، فيما فهمه كعرض لمرض بنيوي يفرض مقاربة مختلفة، مبنية على أساس معالجة الشروط التي أنتجته، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة إلغائه. إذ إن إزالة العرض من دون معالجة المرض قد تؤدي إلى إعادة إنتاجه بأشكال أخرى، وربما أكثر خطورة.

 

المفارقة أنَّ الديمقراطية اللبنانية، كما تُمارس فعليًا، لم تعد تؤدي وظيفتها الأصلية كآلية تداول على السلطة، بل تحوّلت إلى آلية تثبيت لها. فالانتخابات لا تنتج تغييرًا في الخيارات السياسية بقدر ما تعيد توزيع الحصص داخل الطبقة الحاكمة نفسها. الناخب لا يصوّت لبرامج بقدر ما ينخرط في شبكات حماية طائفية ومالية، ما يجعل العملية الانتخابية جزءًا من النظام الزبائني بدل أن تكون وسيلة لتفكيكه. وهكذا، تصبح الديمقراطية نفسها جزءًا من المشكلة، لا لأنها مرفوضة من حيث المبدأ، بل لأن شروط ممارستها في لبنان أفرغتها من مضمونها.

في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن الإصلاح من داخل المؤسسات المنتخبة أقرب إلى رهان دائري. فهذه المؤسسات تستمد شرعيتها من النظام نفسه الذي يفترض أن تغيّره، وهذا ما يجعلها عاجزة عن إنتاج تحوّل بنيوي. هنا يبرز سؤال غير مريح لكنه ضروري، هو هل يمكن إنقاذ الدولة عبر الآليات التي ساهمت في تفكيكها؟ أم أن الأمر يتطلب كسرًا مؤقتًا لهذه الحلقة، ولو بثمن سياسي مرتفع؟

يزداد هذا السؤال حدّة حين ننظر إلى مفهوم السيادة في لبنان. فبينما يُرفع هذا المفهوم كشعار مطلق، تكشف الممارسة اليومية عن سيادة معلّقة أو منقوصة. الدولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم، ولا تملك السيطرة الكاملة على حدودها، ولا القدرة على إدارة اقتصادها أو حماية نظامها المالي. في هذه الحالة، تصبح السيادة أقرب إلى توصيف قانوني منها إلى واقع فعلي. وهذا ما يضع لبنان أمام معادلة صعبة هي إما التمسك بسيادة شكلية لا تترجم قدرة فعلية، أو القبول بآلية استثنائية قد تساعد على إعادة بنائها من أساسها.

 

في هذا الإطار، يمكن التفكير، لا كخطة تنفيذية جاهزة بل كفرضية نظرية، في صيغة انتقالية استثنائية، محددة الزمن والصلاحيات، تهدف إلى كسر الحلقة المغلقة التي يعيد فيها النظام إنتاج نفسه. هذه الفكرة، كما وردت في الطرح الأساسي، تنطلق من فرضية أن آليات التمثيل الحالية أصبحت جزءًا من بنية التعطيل، وأن الإنقاذ قد يتطلب تعليقًا مؤقتًا لهذه الآليات لصالح سلطة انتقالية إصلاحية محمية دوليًا.

هذا التصور لا يعني العودة إلى الانتداب ولا إلى مصادرة السيادة، بل يفترض نوعًا من الوصاية التعاقدية المؤقتة التي تنشأ بطلب داخلي وتحت غطاء دولي، وهدفها ليس الحكم المباشر بل فرض شروط الانتقال. أي أن المسألة ليست استبدال سلطة بأخرى، بل خلق إطار يمنع الطبقة السياسية القائمة من تعطيل الإصلاحات التي تهدد مصالحها.

يمكن تخيّل هذه المرحلة عبر بنية مؤسساتية مزدوجة. من جهة، يُنشأ مجلس نواب انتقالي صغير الحجم، يضم اختصاصيين مستقلين في القانون والاقتصاد والإدارة، وتكون مهمته محصورة بإقرار التشريعات الإصلاحية الأساسية. ومن جهة أخرى، يُنشأ مجلس شيوخ انتقالي تمثَّل فيه الجماعات الدينية والمناطق، لكن بصلاحيات محدودة ومحصورة في القضايا المصيرية مثل الهوية الدستورية، واللامركزية، والأحوال الشخصية، والسلم الأهلي. هذه الصيغة لا تلغي التعددية اللبنانية، بل تعيد تنظيمها بحيث لا تبقى أداة لتعطيل الدولة.

 

الوظيفة الأساسية لما يمكن تسميته الوصاية هنا ليست الحكم المباشر، بل ضبط شروط الانتقال. فهي تقوم على حماية استقلال القضاء، وفرض روزنامة إصلاح ملزمة، وربط أي دعم دولي بالتنفيذ الفعلي، ومنع استخدام المؤسسات الأمنية والإدارية لتعطيل المسار. بمعنى آخر، هي آلية لفرض قواعد اللعبة الجديدة، لا للعب مكان اللاعبين.

غير أن أي طرح من هذا النوع لا يمكن أن يتجاهل أن معالجة العَارض لا تتم إلا عبر معالجة المرض. فإذا كان وجود حزب الله هو تعبير عن خلل في البنية الوطنية، فإن أي مسار انتقالي لا ينجح إلا إذا أعاد بناء هذه البنية على أسس مختلفة هي دولة قادرة، قضاء مستقل، اقتصاد منتج، وعقد وطني يتجاوز الانقسام الطائفي. في غياب ذلك، لن يكون مصير أي محاولة لنزع أو دمج هذا الدور سوى إعادة إنتاجه بصيغ جديدة، ربما أقل انضباطًا وأكثر تفككًا.

 

في المقابل، لا يمكن إنكار أن استمرار الوضع الحالي يكرّس هذا العارض ويحوّله تدريجيًا إلى بنية قائمة بذاتها، وهذا ما يجعل معالجته أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة بأن يتحول المؤقت إلى دائم، والاستثنائي إلى قاعدة.

قد يبدو هذا الطرح مغريًا لأنه يعترف بما يتجاهله الخطاب التقليدي وهو أن النظام الحالي غير قادر على إصلاح نفسه، وأن الاستمرار في استخدام الأدوات نفسها لن يؤدي إلا إلى تعميق الانهيار. لكنه في المقابل يحمل مخاطر حقيقية لا يمكن التقليل من شأنها. أول هذه المخاطر هو المسّ بمفهوم السيادة وما قد يثيره من رفض وطني واسع. ثانيها احتمال تحوّل لبنان إلى ساحة صراع بين القوى الدولية والإقليمية. ثالثها خطر إنتاج نخبة تكنوقراطية بلا شرعية شعبية. رابعها ميل القوى الخارجية إلى تفضيل الاستقرار الأمني على الإصلاح الحقيقي. وخامسها، وربما أخطرها، احتمال أن يربح لبنان إدارة أفضل ويخسر السياسة نفسها.

لهذا، فإن نجاح أي صيغة انتقالية مشروط بأن تكون مؤقتة، محددة الصلاحيات، شفافة، ومقرونة بآلية خروج واضحة تعيد السلطة إلى مؤسسات منتخبة على أسس مختلفة. وإلا فإن العلاج قد يتحول إلى شكل جديد من الأزمة.

 

في النهاية، يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاد. لم يعد الخيار بين الإصلاح والانهيار، بل بين الاستمرار في إدارة الانهيار عبر أدوات مألوفة لكنها عاجزة، وبين التفكير في كسر جذري حتى ولو كان مكلفًا سياسيًا وسياديًا. في بلد لم تمت فيه الحياة الاجتماعية بقدر ما ماتت الدولة، قد يكون التحدي الحقيقي ليس فقط في إعادة بناء المؤسسات، بل في إعادة تعريف معنى السيادة نفسها: هل هي مجرد مبدأ قانوني يُعلن، أم قدرة فعلية على إدارة المصير؟

وفي هذا المعنى، فإن السؤال عن حزب الله ليس في جوهره سؤالًا عن تنظيم بعينه، بل عن الشروط التي تجعل قيام مثل هذا التنظيم ممكنًا وضروريًا في آن. معالجة هذه الشروط هي الطريق الوحيد لإعادة الدولة، وكل ما عدا ذلك يبقى إدارة لأعراض المرض لا أكثر.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث