مزيج من الشعر والسياسة

يوسف بزيالخميس 2026/04/02
Image-1775118058
حرب خالية من القصص (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أرى بشراً يأكلون أرصفة وبنايات وشجراً يابساً وملصقات قديمة، سيارات ضخمة رباعية الدفع بزجاجها الداكن، في داخلها سياسيون منتفخون واثقون في انطلاقهم نحو المعركة. سباقاً سماوياً بين سقوط ملائكة وصعود أنبياء. سفراء وجنوداً على مائدة مذبوحين. تلال شظايا وآليات محترقة وأوكار دبابير. ثياب مغادرين على عجل منسية على حبال عاصفة نيسان. الأسود الكبير في ضواحي الغبار حيث يُطهى الحزن تحت الأرض.

 

يصغر شأني إلى مسافة شارع واحد: صيدلية، بائع خضار، متجر حلويات، بائع أدوات كهربائية، اللحّام، "ميني ماركت" باسم قديسة. بعد ذلك يبدأ المجهول المخيف. حياة بحجم كف، أضأل من أن تُسمى "حياة". السعادة أيضاً تُختصر في خزان مياه ممتلئ وتيار كهربائي. يا للحبور بكأس المساء.

 

تصلني أغنية مصورة عن بيروت: كيتش محزن وجذاب وساذج. ماضٍ مستولد بالذكاء الاصطناعي. فكرة البلد في مونتاج فاسد. الفن نفسه يمشي إلى المقصلة. أفتح كتباً وأغلقها، القراءة سهو متواصل.

 

مَن الأبله الذي "ينتظر" المستقبل؟ من يأمل العودة إلى هناك؟ الحرب الأهلية كسيدة مهيبة وشهية، تجلس على الشرفات، بكامل إغواءاتها، فاحشة وصبورة. الجمرة الكبيرة للنار المؤجلة بين يديها. حطب الطوائف متكدس أمامها. المسدس ملتصق بصدغ المدينة. 

 

خرجوا من أرض الزعتر والزيتون محبوسي الأنفاس. بأطفالهم وصور أمواتهم ولهجتهم وتلك الذخائر القديمة التي أحتفظ آبائهم بها صكاً لوجودهم. خرجوا حين اختفى الشجر بليلة واحدة. الرايات الصفراء وحدها تنمو في هذا الربيع الدموي. شعب جديد يولد على ضفة مدينة، ناظراً الآن طوال النهار في البحر، بلا نصر ولا استسلام ومن غير حكمة أيضاً.

 

الغيوم المرسومة على الجدران تتحرك. صواريخ إضافية تعبر في التلفزيون. الريح داخل الإسمنت، داخل غرف النوم، في القلب، وفي المقبرة بالتأكيد. هدير ماجن يخضّ العتمة يتبعه صراخ الخائفين. 

رائحة الطبخ ورائحة القذائف ورائحة اللواتي ينمن في الخيم منذ شهر ورائحة البنزين المحترق في الازدحام الصباحي. رائحة بربرية. رائحة سميكة كأنها ستأخذ لوناً.

 

لن أكون مع أحد، معزولاً عن أصحاب اليقين، في مكتب يطل على الغارات وعلى أعشاش اليمام وزاوية النفايات. سأكون شخصاً لا معادل موضوعياً له، لكن أبعد قليلاً عن الأموات الصاخبين، المتفائلين منهم والمتشائمين، الذين يكتبون بثقةِ عاشقة وغباء مقامر. 

بتّ بلا عينين، ولا سمع، ولا فكرة تقدح في الذهن عند الاستيقاظ.

 

في البلد المأزوم، وعلى عكس ما يشاع، اللاشيء هو السيد والملك. اللاشيء كما انتهاء الوقت كما اختفاء التذوق.. وانعدام اللطافة. 

من أجل البقاء علينا أن نستهلك كمية أكبر من الخيال والبطاطا المقلية. 

حتى المشي في الشوارع أكثر صعوبة من سفينة تشق طريقها في الجليد. 

وفي هذا اللاشيء نخترع وجوهاً لنا، أقنعة لإخفاء زومبيتنا.

 

لو يعرفون: بمزيج من الشعر والسياسة نصنع قنبلة أكثر فعالية.

 

حرب خالية من القصص. تجريدية إلى أقصى حد. الآلام العظيمة ممحية. إنهم ينظفون الشاشة، فيما الطيور المهاجرة في نهاية آذار تعبر إلى حتفها. حشود متلفعة بالعويل المكتوم. حشود "تمثّل" كذبتها. 

هل كانوا ذات يوم جميلين وأنقياء؟ 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث