تتقدَّمُ القوّاتُ الإسرائيليّةُ، منذ اندلاع الحرب مع حزب الله، في مناطقَ لبنانيّةٍ محاذيةٍ لحدودها، وهذا ما يُثير مخاوفَ من عزمها على احتلال مساحاتٍ واسعةٍ من جنوب لبنان، وهو ما سبق أن فعلته لعقدين قبل انسحابها عام 2000.
ومنذ بدء الحرب في الثاني من آذار/ مارس، كرَّر مسؤولون إسرائيليّون أنّ الدّولة العبريّة تعتزم إقامة "منطقة أمنيّة" داخل لبنان وصولًا إلى نهر اللّيطاني، على مسافة نحو 30 كيلومترًا من الحدود، بهدفٍ مُعلَن هو وضع حدٍّ لتهديد حزب الله مناطقَ شمال إسرائيل.
في المقابل، يرى لبنان أنّ ما تقوم به إسرائيل يعكس "نيّةً واضحةً لفرض احتلالٍ جديدٍ لأراضٍ لبنانيّة"، بحسب ما قال وزير الدّفاع ميشال منسّى.
وسبق للجيش الإسرائيلي أن اجتاح جنوب لبنان مطلع العام 1978، ثم أتبع ذلك باجتياحٍ أوسع نطاقًا في العام 1982 وصل إلى بيروت، بهدفٍ مُعلَن هو إبعاد منظّمة التّحرير الفلسطينيّة. وتراجعت القوّات الإسرائيليّة تباعًا خلال الأعوام التّالية، إلى أن أقامت ما عُرف بمنطقة "الحزام الأمني" في جنوب البلاد.
ما الذي يجري على الأرض؟
تتقدَّم أربع فرقٍ عسكريّةٍ في جنوب لبنان، بحسب مصدرٍ في الجيش الإسرائيلي، للوكالة الفرنسيّة.
وقال مصدرٌ عسكريٌّ غربيٌّ في جنوب لبنان إنّ "الإسرائيليّين يتقدَّمون على محورٍ تلو الآخر"، ويُدمِّرون القرى الحدوديّة أثناء تقدُّمهم، مشيرًا إلى أنّ القوّات الإسرائيليّة سيطرت على بلدة الخيام المحاذية للحدود في جنوب شرق البلاد.
في المقابل، يُعلن حزب الله يوميًّا تنفيذ هجماتٍ متكرّرةٍ ضدّ القوّات الإسرائيليّة. لكنّ المصدر الغربي قال إنّ هذه الهجمات لا تصدّ تقدُّم القوّات، وإنَّ الحزب يسعى "إلى تحقيق انتصاراتٍ رمزيّة، مثل تدمير دبّابات ميركافا".
ويشرح الباحث المتخصّص في الملفّ اللبنانيّ في "مجموعة الأزمات الدّوليّة"، ديفيد وود، لوكالة فرانس برس، أنّه كلّما مضت إسرائيل أعمق داخل لبنان، "فإنّها تدخل نمطًا من الحرب قد يُلائم حزب الله أكثر، أي حرب العصابات القائمة على الكرّ والفرّ".
وفي موازاة التقدُّم الإسرائيلي، أعلن الجيش اللبناني "إعادة تموضع وانتشار" قوّاته في أجزاءٍ من جنوب لبنان. وأوضح مصدرٌ عسكريٌّ لبنانيٌّ أنّ الجيش، ذا الإمكانات المحدودة، يخشى أن يتعرَّض للاستهداف أو الحصار، مشيرًا إلى أنّ القوّات الإسرائيليّة توغَّلت في بعض الأماكن حتّى عشرة كيلومترات.
وأسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل جنديٍّ لبنانيٍّ في نقطةٍ عسكريّةٍ في الجنوب. أمّا قوّات الأمم المتّحدة "يونيفيل"، فهي غير قادرةٍ على وقف الاشتباكات، وقد خسرت ثلاثةً من جنودها منذ بدء الحرب.
ماذا تريد إسرائيل؟
صرَّح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس الأسبوع الماضي بأنَّ إسرائيل تريد السّيطرة على جنوب نهر اللّيطاني، مُحذِّرًا من أنَّ مئات الآلاف من السّكّان الذين نزحوا من المنطقة لن يعودوا قبل ضمان أمن شمال إسرائيل. كما توعَّد بأنّه "سيتمّ هدم كلّ المنازل في القرى المتاخمة للحدود في لبنان، على غرار نموذج رفح وبيت حانون في غزّة".
وحذَّر وكيل الأمين العامّ للأمم المتّحدة للشّؤون الإنسانيّة، توم فليتشر، من أنّ جنوب لبنان قد يصبح "أرضًا مُحتلّة" أخرى في الشّرق الأوسط.
ومنذ بدء الحرب، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراتٍ للسّكّان بإخلاء مناطقَ واسعةٍ في جنوب لبنان تتجاوز نهر اللّيطاني وتمتدّ إلى شماله.
ويرى الخبير في شؤون لبنان في جامعة تل أبيب، إيال زيسر، أنّه لا ينبغي التّعامل مع تصريحات كاتس على أنّها مسلَّمات.
وقال، في تصريحاتٍ لمكتب فرانس برس في القدس، إنّ كاتس "بارعٌ في إطلاق التّصريحات، لكن يجب دائمًا التحقّق أوّلًا ممّا إذا كانت تتوافق بالكامل" مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو.
وكان نتانياهو أمر القوّات بـِ "توسيع نطاق" ما يُسمّى "المنطقة الأمنيّة" في جنوب لبنان "من أجل تحييد خطر التسلّل نهائيًّا، من جانب مقاتلي حزب الله، وإبعاد نيران الصّواريخ المضادّة للدّروع عن الحدود".
ولم يأتِ رئيس الوزراء على ذكر احتلالٍ طويل الأمد لجنوب لبنان، أو تهجير سكّانه لفتراتٍ ممتدّة.
هل يبدو الاحتلال ممكنًا؟
احتلَّت إسرائيل أنحاءً من جنوب لبنان اعتبارًا من العام 1978، ووسَّعت نطاق ذلك خلال اجتياح 1982. وقد تراجعت تدريجيًّا، لكنّها أبقت على احتلالها لشريطٍ داخل الأراضي اللبنانيّة بعمقٍ يصل إلى 20 كيلومترًا حتّى عام 2000.
وجاء الانسحاب الأخير بعد أعوامٍ طويلةٍ من المواجهات مع مقاتلي حزب الله، الذي نشأ عقب اجتياح عام 1982، ونفَّذ هجماتٍ على مواقع القوّات الإسرائيليّة والمتعاملين معها في جنوب لبنان.
وقبل الحرب الرّاهنة، خاضت إسرائيل والحزب مواجهةً بدأت في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، وانتهت باتّفاقٍ لوقف إطلاق النّار في تشرين الثّاني/ نوفمبر 2024. وحتّى بعد الاتّفاق، ألحقت القوّات الإسرائيليّة أضرارًا واسعةً بقرى وبلداتٍ حدوديّة، أو دمَّرتها عبر القصف والتفجير وتجريف مساحاتٍ زراعيّة. كما أبقت على قوّاتها في خمس نقاطٍ لبنانيّة، وواصلت تنفيذ الغارات الجوّيّة في مناطقَ عدّة، مؤكّدةً أنّها لن تسمح للحزب بترميم قدراته.
ويشير المحلّل وود إلى أنَّ أيّ احتلالٍ جديدٍ لجنوب لبنان سيخلق "تهديداتٍ أمنيّةً جديدة" لإسرائيل.
ويقول: "إذا حرمت إسرائيل السّكّان من حقّ العودة إلى منازلهم وأراضيهم، فستظهر مجموعاتُ مقاومةٍ مسلّحة، أو ستواصل مجموعاتٌ قائمةٌ بالفعل خوضَ غمار هذا النّضال".
