شهر أول للحرب: دولةٌ- "عدّاد" والجنوب من خط أزرق إلى خط أصفر

مانشيت - المدنالخميس 2026/04/02
Image-1773836790
رغم مرور شهر على الحرب الإسرائيلية على لبنان، لا تبدو في الأفق مبادرات خارجية جدية لوقفها. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ذكرى مرور الشهر الأوّل من الحرب، تبيَّن مجدَّدًا أن لا قدرة للمسؤولين إلا على صياغة بيانات النوايا وتعداد الخسائر. وهذا بديهي، لأن موازين القوى في لبنان لا تسمح إلا بذلك، فيما الآلة العسكرية الإسرائيلية تسابق الزمن لرسم جغرافيا جديدة على الأرض. فالخط الأزرق الذي كان هو الحدود المؤقّتة مع لبنان يتّجه إلى أن يصبح شيئًا من الماضي، ويتوجَّه الجيش الإسرائيلي إلى ما يسمّيه "الخط الأصفر"، على غرار ذاك الذي نشأ في قطاع غزة. فالعمليات الإسرائيلية في الجنوب تحوَّلت إلى استراتيجية تثبيت وتمدُّد تقودها أربع فرق عسكرية، 146 و91 و162 و36، والهدف المعلن هو إنشاء هذا "الخط الأصفر" الذي يمتدّ من منعطف الليطاني شرقًا، مرورًا بالخيام والطيبة، وصولًا إلى بنت جبيل والبياضة غربًا.
ولجوء الجيش الإسرائيلي إلى المعدّات الهندسية الثقيلة والذخائر الذكية لتدمير المنازل، بدلًا من الالتحام المباشر، يعكس قرارًا إسرائيليًا بتحويل القرى الحدودية إلى "أرض محروقة" غير قابلة للسكن، لضمان أمن مستوطنات الشمال "مرّة واحدة وإلى الأبد"، كما يقول بنيامين نتنياهو، على الرغم من أنَّ الإسرائيليين يواجهون صعوبات حقيقية في رصد منصّات الهاون والصواريخ التي خبّأها حزب الله في التضاريس الوعرة.
في المقابل، المشهد مختلف في بيروت. ففي حين خرج اليوم رئيسا الجمهورية والحكومة بمواقف تؤكّد نيّة الدولة الإمساك بقرارها، لأن لبنان قد "جُرَّ" إلى حرب لا قرار له فيها، يبقى هذا الكلام بلا فاعلية على الأرض. فالدولة اليوم في أضعف صورها، وهي تنتظر معجزة دبلوماسية يمكن أن تتحقّق قبل أن يتحوّل الجنوب إلى شريط أمني واسع وخالٍ من سكّانه الذين نزحوا، ويُقدَّرون بـِ 600 ألف، ومعهم نحو 600 ألف آخرون من سكّان الضاحية الجنوبية.

 

حربٌ بلا كوابح ودولةٌ بلا أدوات

بعد شهر كامل على اندلاع الحرب، لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يجري في الجنوب بوصفه مجرّد جولة عسكرية عابرة أو ردًّا متبادلًا مضبوط الإيقاع. ما يتكشَّف يومًا بعد يوم هو مشروع إسرائيلي واضح المعالم، يقوم على إعادة تشكيل الحدود بالنار، وفرض وقائع ميدانية جديدة تتجاوز "الخط الأزرق" نحو شريط أمني فعلي، يُراد له أن يكون منطقة عازلة واسعة، تُفرَّغ من سكّانها وتُسحق بنيتها العمرانية.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية كأنها تسجّل اعتراضًا سياسيًا على مسارٍ لا تملك أدوات وقفه. اللغة الرسمية موجودة، والمواقف تُطلق، والتأكيد على حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة يتكرَّر، لكن الفجوة بين القول والفعل تتّسع إلى حدٍّ يضع السلطة أمام امتحان وجودي: كيف لدولة تقول إنها تريد بسط سلطتها على كامل أراضيها، فيما الجنوب يُعاد رسمه بالقوة، والنازحون يُدفعون إلى الداخل اللبناني كأرقام في دفتر المأساة؟

 

الرهان على المعجزة

بالرغم من مرور شهر على الحرب الإسرائيلية على لبنان، لا تبدو في الأفق مبادرات خارجية جدّية لوقفها. أوروبا غائبة فعليًا، إلا من بيانات سياسية حمّلت حزب الله مسؤولية اندلاع المواجهة، فيما بقي الحراك العربي محدودًا، مع محاولة مصرية لم تنضج سياسيًا، واصطدمت سريعًا بجدار الوقائع الميدانية.

في هذا السياق، تلقّى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اتصالًا هاتفيًا من رئيس وزراء هولندا روب جيتن، الذي أكّد وقوف بلاده إلى جانب لبنان وشعبه في الظروف الصعبة التي يمرّ بها، وأبدى استعداد هولندا لتقديم الدعم لمساعدة اللبنانيين الذين اضطرّوا إلى مغادرة بلداتهم وقراهم. كما أكّد دعم بلاده للمبادرة التفاوضية التي أعلنها عون لوقف التصعيد وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، مشيرًا إلى استعداد هولندا لدعم الجيش اللبناني لتمكينه من القيام بمسؤولياته الوطنية.

من جهته، شكر عون رئيس الوزراء الهولندي على مواقفه، وعرض له الأوضاع الراهنة في لبنان، مؤكّدًا تصميم الدولة اللبنانية على تنفيذ القرارات المتّخذة للمحافظة على سيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها. كما أشار إلى الرغبة في تعزيز العلاقات اللبنانية الهولندية وتطويرها في مختلف المجالات.

وفي استقباله وفدًا من أبناء يارون، شدَّد عون على أنه يواصل اتصالاته المحلية والخارجية من أجل المحافظة على سلامة أبناء الجنوب الصامدين والمتمسّكين بأرضهم، ومنع هدم المنازل التي اضطرّ أهلها إلى النزوح منها، منوّهًا بتصميم أبناء يارون على إعادة إعمار منازلهم المهدَّمة فور انتهاء القتال وعودتهم إلى بلدتهم.

لكن، في السياسة كما في الحرب، لا تكفي الاتصالات لإيقاف الجرّافات. فالدعم المعنوي، مهما ارتفعت نبرته، لا يبدّل في حقيقة أنَّ إسرائيل تمضي في تنفيذ مشروعها الميداني بأقصى سرعة، فيما لبنان الرسمي لا يزال يراهن على نافذة تفاوضية لم تُفتح بعد.

 

بيروت تتكلَّم

في بيروت، عقد مجلس الوزراء جلسة حضرها وزراء "الثنائي الشيعي"، وسط مناخ سياسي مشحون، كانت قد سبقته معلومات عن احتمال التطرّق إلى مسألة السفير الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني، قبل أن يتبيَّن أن الملف لم يُبحث مباشرة داخل الجلسة، وفق ما أكّد وزير الإعلام بول مرقص.

رئيس الحكومة نواف سلام حاول أن يرفع السقف السياسي في كلمته خلال الجلسة، فأكّد أن الحكومة "لن تألو جهدًا في سبيل حشد الدعم العربي والدولي، في ظلّ الأوضاع الإقليمية المتفجّرة التي حوَّلت لبنان مرّة أُخرى ساحةً من ساحات النزاع المحتدم في المنطقة كلّها"، مُجدِّدًا التأكيد على الحرص على "تجنيب لبنان المزيد من المآسي والخسائر جرّاء الاعتداء على سيادته وعلى مدنه وقراه"، ومُشدِّدًا على "العمل بالوسائل المتاحة كافةً من أجل وقف الحرب".

وفي مناسبة مرور شهر على الحرب، قال سلام إنَّ "شهرًا انقضى على حربٍ مدمّرة حذَّرنا منها، وخشي معظم اللبنانيين اندلاعها، ورأوا أنها فُرضت على بلدنا"، مُذكّرًا بأنَّ مجلس الوزراء أعلن منذ البداية "رفضه التام لأي عمل عسكري خارج مؤسّسات الدولة الشرعية"، وأنَّ "قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصرًا بيد الدولة".

هذا الكلام، على أهمّيته السياسية، يعكس في الوقت نفسه حجم المأزق. فالحكومة تقول بوضوح إنَّ لبنان زُجّ في حرب لا قرار له فيها، لكنها لا تملك حتى الآن سوى تثبيت هذا التوصيف في الخطاب العام، من دون القدرة على تحويله إلى معادلة ضغط داخلية أو خارجية توقف الانهيار الجاري على الأرض.

 

سلام يضع الإصبع على الجرح

الأكثر دلالة في خطاب سلام لم يكن فقط الإدانة السياسية للعدوان الإسرائيلي، بل توصيفه الصريح لطبيعة المرحلة المقبلة. فقد قال إن العدوان "لن يقتصر على مواصلة العمليات العسكرية التي عرفناها طيلة ستة عشر شهرًا؛ أي بعد الإعلان عن اتفاق وقف العمليات العدائية في تشرين الثاني 2024"، وإن مواقف المسؤولين الإسرائيليين وممارسات جيشهم "تكشف عن أهداف أبعد مدى"، تتضمّن "توسّعًا كبيرًا في احتلال الأراضي اللبنانية"، و"كلامًا خطيرًا عن إنشاء مناطق عازلة أو أحزمة أمنية"، و"تهجيرًا تجاوز أكثر من مليون من اللبنانيين".

بهذا المعنى، لم يعد النقاش في بيروت يدور حول كيفية احتواء جولة تصعيد، بل حول كيفية مواجهة مشروع إعادة هندسة الجنوب ديموغرافيًا وعسكريًا. وهذا هو جوهر اللحظة: إسرائيل لا تكتفي بالردّ، بل تؤسّس لواقع طويل الأمد، والدولة اللبنانية تعترف ضمنًا بخطورة المسار، من دون أن تمتلك وسائل ردع موازية.

سلام مضى أبعد حين قال إن لبنان أصبح "ضحية حرب لا يمكن أن يجزم أحد بنتائجها أو موعد انتهائها"، داعيًا إلى مضاعفة المساعي السياسية والدبلوماسية لوقف التعدّيات المتواصلة على السيادة اللبنانية، وإدانة الخروقات الفاضحة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. كما شدَّد على أن "لا شيء يكرّس ربط الصراع على أرضنا بحروب الآخرين التي لا مصلحة وطنية لنا فيها، لا من قريب ولا من بعيد، أكثر ممّا يُعلن عنه من أعمال عسكرية كعمليات مشتركة ومتزامنة مع الحرس الثوري الإيراني".

هذه العبارة تحديدًا تختصر جوهر الخطاب الحكومي: محاولة رسم مسافة سياسية بين الدولة اللبنانية وبين قرار الحرب الفعلي، ووضع المسؤولية في مكانها الإقليمي، من دون القدرة على ترجمة هذا التموضع إلى تغيير في الميدان.

 

النزوح الكبير: بلدٌ يتداعى إلى الداخل

على المستوى الإنساني، تتفاقم الكارثة يومًا بعد يوم. ففي اليوم الثلاثين للحرب، لا يزال غالبية النازحين يواجهون أوضاعًا مأساوية على الطرقات، وفي مراكز الإيواء، وتحت الخيم، وسط عجز رسمي واضح عن الاستجابة لحجم الكارثة.

سلام قالها بوضوح: النازحون هم "أوّل وأكبر ضحية لحرب لم يكن لهم رأي أو قرار في خوضها"، داعيًا إلى تعزيز قدرات الدولة للحصول على دعم أكبر لإيوائهم والاستجابة لاحتياجاتهم وتأمين حسن استضافتهم، بل "احتضانهم"، والسهر على أمنهم وأمن مستضيفيهم في أنحاء لبنان كافة.

غير أن الأرقام نفسها تقول إن الأزمة تجاوزت قدرات الاستيعاب. فمع نزوح مئات الآلاف من الجنوب، ونحو مئات الآلاف من الضاحية الجنوبية، لم تعد المسألة إغاثية فقط، بل باتت أزمة بنيوية تمسّ الاقتصاد والخدمات والأمن الاجتماعي والتوازنات الداخلية. ومع كل يوم إضافي من الحرب، تتقدّم احتمالات الانفجار الأهلي الصامت، سواء عبر الاحتقان الاجتماعي أو عبر الانقسام السياسي الذي يزداد حدّة تحت ضغط المأساة.

ومن هنا جاء تحذير سلام من "منطق التخوين والتشفّي وخطابات التخويف والكراهية"، في إشارة إلى أنَّ الخطر لم يعد فقط على الحدود، بل في الداخل أيضًا، حيث يمكن للحرب أن تُنتج شروخًا لبنانية عميقة إذا طال أمدها.

 

الضاحية والجنوب في مرمى الاستراتيجية الإسرائيلية

ميدانيًا، لم تكتفِ إسرائيل باستهداف البنية العسكرية التقليدية لحزب الله، بل وسَّعت بنك أهدافها ليشمل شبكات التمويل والبيئة الحاضنة والبنية الاجتماعية المرتبطة بالحزب. فبعد استهداف مؤسّسات "القرض الحسن" ومحطّات "الأمانة"، انتقلت إلى استهداف شبكات الصرافة والعاملين فيها، عقب رسالة إنذار وجّهتها إلى صرّافي الأموال المرتبطين بالحزب.

بالتوازي مع ذلك، نشر موقع "والا" الإسرائيلي تقريرًا تحدّث عن "معطيات دراماتيكية" عرضها الجيش الإسرائيلي على وزير الأمن يسرائيل كاتس، تتعلّق بحجم الضغط المفروض على حزب الله وعلى بيئته. ووفق التقرير، فإنَّ أكثر من 1.2 مليون لبناني غادروا منازلهم، بينهم نحو 621 ألفًا من الضاحية وحدها، ونحو 585 ألفًا من جنوب لبنان.

كما أشار التقرير إلى أن المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية تصنّف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم على أنه شخصية "شديدة التطرّف"، وأنه اتّخذ قرار الانخراط في الحرب استجابةً لمطالب إيرانية ولفرض واقع أمني جديد، فيما يجري تعريفه إسرائيليًا بأنه "المطلوب رقم 1" في لبنان.

 

من "منع التسلّل" إلى هندسة التهجير

وفق التقرير نفسه، فإن الهدف الإسرائيلي المباشر يتمثّل في منع عمليات التسلّل إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ومنع إطلاق النار المضاد للدروع، على أن تتركّز المرحلة الثانية من المناورة البرّية على التعامل المكثّف مع منصّات الإطلاق والبنية التحتية، وإحباط قيادات بارزة في حزب الله.

لكن الهدف الشامل يتجاوز البعد العسكري المباشر. فإسرائيل، وفق المنطق الذي يروّج له هذا التقرير، تريد منع إطلاق الصواريخ ومنع التسلّل، وفي الوقت نفسه عدم السماح بعودة السكّان الشيعة إلى جنوب لبنان، والمضي في تدمير البنية التحتية في القرى، بما فيها المنازل التي استُخدمت كنقاط عسكرية، على غرار ما جرى في بيت حانون ورفح.

هذا ليس تفصيلًا عسكريًا، بل عنوان مشروع كامل: تحويل التهجير من نتيجة جانبية للحرب إلى جزء من بنيتها السياسية. أي أن الحرب لا تُخاض فقط لإسكات الجبهة، بل لإعادة تشكيل المجال السكاني والجغرافي في جنوب لبنان، بما يضمن لإسرائيل شريطًا أمنيًا فعليًا لا يحتاج إلى اتفاق سياسي بقدر ما يحتاج إلى دمار كافٍ يمنع العودة.

 

السفير الإيراني: ملفّ مؤجَّل لا مُلغى

وفي ما خصّ ملف السفير الإيراني، نفى الوزير مرقص أن تكون الجلسة قد تطرّقت إليه بصورة مباشرة، موضحًا أن ما جرى هو تناول مسألة رفع لبنان كتابيًا ما قرّرته الحكومة اللبنانية في 2 آذار الماضي، وأن وزير الخارجية أوضح أن هذا الإجراء "إداري وروتيني" تقوم به الوزارة كلما صدر عن لبنان قرار أو إجراء يندرج ضمن نطاق تطبيق القرار 1701، شأنه شأن عشرات المراسلات التي تُرسل إلى الأمم المتحدة أصولًا.

وعن مضمون الرسالة، شدَّد مرقص على أن "على كل وزير في وزارته تطبيق قرارات مجلس الوزراء، لا أكثر ولا أقل"، مشيرًا إلى أن كل وزارة أو إدارة أو جهاز معنيّ ينفّذ ضمن صلاحياته القرار الحكومي الصادر في جلسة برئاسة رئيس الجمهورية.

لكن، سياسيًا، لا يمكن فصل هذا الملف عن السياق الأشمل. فالسجال حول السفير الإيراني ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل هو جزء من معركة تعريف موقع لبنان في الحرب: هل هو دولة تحاول انتزاع قرارها السيادي من بين أنياب المحاور، أم مجرّد ساحة تُدار فيها الرسائل المتبادلة بين إسرائيل وإيران؟

 

مبادرة رئاسية واضحة... لكن من يلاقيها؟

في ختام المواقف الرسمية، عاد مرقص إلى التشديد على أنَّ مبادرة رئيس الجمهورية "واضحة وصريحة وجريئة"، وأنَّ الرئيس يؤكّد عليها يوميًا، وأنَّ المطلوب هو ملاقاته في هذا المجهود مع القادة والدبلوماسيين حول العالم لوقف الاعتداءات الإسرائيلية ووقف الحرب. واعتبر أن هذه من المرّات القليلة، إن لم تكن النادرة، التي يكون للبنان فيها "موقف سياسي واضح" أو "مبادرة رئاسية" مطروحة بهذا الوضوح.

غير أن السؤال يبقى أكبر من المبادرة نفسها: من يلاقي لبنان فعلًا؟ حتى الآن، لا جواب حاسمًا. فالمجتمع الدولي يراقب، والعرب يتحسّسون، والأوروبيون يكتفون بالتعليقات، فيما إسرائيل تستثمر الوقت في تثبيت الوقائع، لا في انتظار التفاوض.

 

شهرٌ كشف الحقيقة كاملةً

بعد شهر على الحرب، تبدو الصورة أكثر قسوة من أيّ وقتٍ مضى. إسرائيل لا تخفي أنها تريد جنوبًا مختلفًا، أقلّ سكّانًا وأكثر دمارًا، وحدودًا جديدة تُفرض بالنار. والدولة اللبنانية لا تخفي بدورها أنها عاجزة عن المواجهة المباشرة، وتراهن على الدبلوماسية والضغط الدولي وتحصين الداخل.

لكن بين مشروع إسرائيلي واضح، وعجز لبناني معلن، يقف مئات آلاف النازحين كأكثر الشواهد فداحة على اختلال المعادلة. الجنوب يُقتلع من خرائطه البشرية، والضاحية تُدفع إلى مزيد من الاستنزاف، والحكومة تُمسك بخيط الخطاب فيما الأرض تنزلق تحت الأقدام.

إنه شهرٌ أوّل فقط، لكنه كان كافيًا لكشف الحقيقة كاملةً: في هذه الحرب، لا تدور المعركة على الحدود فحسب، بل على معنى الدولة نفسها، وعلى ما إذا كان لبنان لا يزال قادرًا على أن يكون وطنًا بقرار سيادي، أو أنه يُدفع، مرّةً أُخرى، إلى أن يكون مجرّد ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث