حدود الدولة في زمن الحرب: قراءة في الحالة اللبنانية

رأيربيع دندشليالأربعاء 2026/04/01
Image-1774709730
وجود "حزب الله" يجعل أي قرار يتعلق بالحرب أو السلم خارج السيطرة الكاملة للمؤسسات الرسمية
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة إقليمية تتسم بأعلى درجات الانكشاف وعدم اليقين، لم يعد لبنان يواجه فقط تداعيات حرب تدور حوله، بل بات يختبر تحوّلاً أعمق يمسّ تعريفه كدولة ووظيفته في الإقليم. ما يجري اليوم يتجاوز بكثير حدود المواجهة العسكرية الدائرة، ليضع لبنان أمام معادلة أكثر تعقيداً، وهي: كيف يمكن لدولة أن تحافظ على كيانها عندما تصبح عاجزة عن اتخاذ قرار الحرب والسلم، وفي الوقت نفسه غير قادرة على تحييد نفسها فعلياً عن صراع يفرض عليها؟

في هذا السياق، يبرز مفهوم "الحياد القسري" بوصفه العنوان الأبرز للمرحلة. لكنه ليس حياداً سياسياً بالمعنى التقليدي، ولا خياراً استراتيجياً كما في تجارب دول أخرى، بل هو نتيجة مباشرة لاختلال موازين القوى داخلياً وخارجياً. الدولة اللبنانية لا تختار النأي بالنفس، بل تُدفع إليه دفعاً، لأن كلفة أي خيار آخر تتجاوز قدرتها على الاحتمال.

والجيش اللبناني يقف في قلب هذه المعضلة. فمنذ اندلاع الحرب في الثاني من آذار، وجد نفسه أمام معادلة شبه مستحيلة: بيئة داخلية تتوقع منه الدفاع عن السيادة والرد على الاعتداءات، مقابل قرار سياسي واضح بعدم الانخراط في مواجهة عسكرية مع إسرائيل. هذا القرار لم يكن خياراً تكتيكياً عابراً، بل تعبيراً عن إدراك عميق لعدم تكافؤ موازين القوى، وخطورة الانزلاق إلى مواجهة قد تؤدي إلى تدمير المؤسسة العسكرية نفسها.

لكن ما يعقّد الصورة أكثر هو أن هذا "الضبط السياسي" لأداء الجيش ترافق مع رسائل ميدانية مباشرة من إسرائيل، رفعت سقف التهديد إلى مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك التلويح باستهداف وزارة الدفاع، وفرض وقائع ميدانية عبر التوغّل، مقرونة بدعوات صريحة للجيش إلى الانسحاب من مواقع متقدمة. 

هذه الرسائل لم تترك هامشاً واسعاً للمناورة، بل وضعت القيادة العسكرية أمام خيارين كلاهما مكلف: إما المواجهة غير المتكافئة، أو الانكفاء المدروس لحماية ما تبقى من قدرات المؤسسة.

اختيار الخيار الثاني قد يبدو واقعياً من منظور عسكري، لكنه يطرح إشكالية سيادية عميقة. فحين تصبح "حماية المؤسسة" أولوية تتقدّم على "حماية الأرض"، فإننا نكون أمام تحوّل في وظيفة الجيش نفسه، من قوة دفاعية سيادية إلى قوة استقرار داخلي بالدرجة الأولى. وهذا ليس تفصيلاً، بل هو مؤشر على إعادة تعريف غير معلنة لدور الدولة.

هذه الإشكالية لا تنفصل عن السياق السياسي الداخلي. فالدولة اللبنانية، في جوهرها، تعاني من ازدواجية بنيوية في مسألة احتكار القوة. وجود "حزب الله" كقوة عسكرية موازية، ذات امتدادات إقليمية، يجعل أي قرار يتعلق بالحرب أو السلم خارج السيطرة الكاملة للمؤسسات الرسمية. وهذا ما يفسّر أن خططاً مثل تلك التي وُضعت لجنوب الليطاني، رغم ما حققته من تقدم نسبي، بقيت محدودة الأثر، لأنها اصطدمت بسقف سياسي لا يمكن تجاوزه.

بمعنى أدق، الجيش يتحرك ضمن هامش ضيق ترسمه التوازنات السياسية، فيما يُطلب منه في الوقت نفسه تحقيق أهداف استراتيجية كبيرة، كحصر السلاح بيد الدولة أو ضبط الحدود بشكل كامل. هذه المفارقة بين الإمكانات والمهام ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر حدّة في ظل الحرب.

على المستوى الداخلي، يوازي هذا العجز السياسي تصاعد خطير في التوترات المذهبية والسياسية. الخطاب العام يشهد انزلاقاً متزايداً نحو التحريض، فيما تتراجع قدرة المؤسسات على ضبط الإيقاع. في هذا المناخ، تصبح أولوية الجيش والأجهزة الأمنية منع الانفجار الداخلي، ولو على حساب الانكفاء عن المواجهة الخارجية. وهنا تكمن مفارقة أخرى، الدولة التي تعجز عن حماية حدودها، تصبح منشغلة بحماية نفسها من التفكك الداخلي.

سياسياً، تبدو الحكومة في موقع إدارة الأزمة لا أكثر. القرارات الكبرى، مثل مسألة طرد السفير الإيراني، تتحول إلى ملفات تجاذب، ينتهي معظمها إلى التسويات أو التعليق بدل الحسم. هذا النمط في إدارة الملفات يعكس توازناً هشاً داخل السلطة، حيث لا يملك أي طرف القدرة على فرض خياره بالكامل، ما يؤدي إلى إنتاج حلول وسط غالباً ما تكون مؤقتة وغير مكتملة.

في موازاة ذلك، يبرز مسار التفاوض كأحد العناوين المطروحة، لكن من دون أن يتحول إلى خيار فعلي حتى الآن. الحديث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لا يزال رهينة تطورات الميدان، فيما تتداخل فيه حسابات دولية وإقليمية معقدة. الولايات المتحدة تدفع في هذا الاتجاه، لكنها في الوقت نفسه تربط أي تقدم بنتائج المواجهة مع إيران، ما يجعل لبنان مرة أخرى في موقع المتلقي لا الفاعل.

إقليمياً، تتكرّس معادلة باتت واضحة: الحرب والمفاوضات يسيران بالتوازي، لا بالتتابع. واشنطن تستخدم الضغط العسكري لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، فيما تسعى إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، لتحسين موقعها التفاوضي. في هذه المعادلة، يتحول لبنان إلى جزء من سلّة تفاوضية أوسع، وليس ساحة مستقلة بذاتها.

الأخطر من ذلك أن إيران، خلافاً لجولات سابقة، باتت تربط أي وقف لإطلاق النار بشمول كل الجبهات المرتبطة بها. وهذا يعني أن مصير الجبهة اللبنانية لم يعد يُحسم في بيروت، بل في سياق تفاهمات أكبر تتجاوزها. بمعنى آخر، لبنان فقد ليس فقط القدرة على المبادرة، بل حتى القدرة على الفصل بين ساحته والساحات الأخرى.

في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن لبنان يمرّ بمرحلة إعادة تشكيل قسرية لدوره ووظيفته. لم يعد "دولة مواجهة" كما في بعض المراحل، ولا "دولة حياد" بالمعنى الكامل، بل هو كيان يتأرجح بين الاثنين، من دون أن ينجح في تثبيت أي منهما.

السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط كيف ستنتهي هذه الحرب، بل ماذا سيبقى من الدولة بعدها. فاستمرار هذا النمط من إدارة الأزمات، القائم على تجنّب الخيارات الصعبة بدل مواجهتها، قد يحمي الاستقرار على المدى القصير، لكنه يراكم عناصر ضعف بنيوية على المدى الطويل.

الحياد القسري قد يكون، في هذه اللحظة، الخيار الأقل كلفة. لكنه، إذا تحوّل إلى حالة دائمة، سيعيد تعريف لبنان ليس كدولة ذات سيادة، بل كساحة مضبوطة الإيقاع ضمن توازنات إقليمية أكبر منها. وعندها، لن يكون السؤال كيف نحمي الدولة، بل كيف نعيد بناءها من جديد.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث