بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

المدن - سياسةالأربعاء 2026/04/01
Image-1775064450
تظهر خريطة التوغل ثلاثة مساراتٍ واضحة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

بدا اليوم القتاليّ في جنوب لبنان يوم توسيع تماسٍّ وتثبيت ضغطٍ مكثّف. فالمشهد الّذي ثبّتته خرائط الصباح وتحديثات النهار يظهر إسرائيل وهي تدفع على ثلاثة محاور، غربًا على الساحل جنوب صور، ووسطًا في نطاق بنت جبيل، وشرقًا عند الخيام ومحور الطّيّبة، القنطرة، دير سريان، مع قتالٍ قريبٍ ومتقطّعٍ بالنار المباشرة، لا مع سيطرةٍ مريحةٍ أو نهائيّة. وبالمعنى الميدانيّ الدقيق، فإنَّ إسرائيل وسّعت نطاق حضورها الناريّ والبريّ، لكنّها اصطدمت أيضًا بقدرة حزب الله على تعطيل التقدّم في نقاطٍ حسّاسة، ولا سيّما حيث يتحوّل التوغّل من خريطةٍ نظريّةٍ إلى قتال قرى وتلالٍ وطرقات.

أبرز ما صدر إسرائيليًّا اليوم كان عمليًّا، فالجيش الإسرائيليّ أعلن أنَّ "اللواء 8" الاحتياطيّ يعمل تحت قيادة "الفرقة 91" من أجل توسيع "المنطقة الأمنيّة" في جنوب لبنان، وهي صياغةٌ تظهر أنّ هدف اليوم لم يكن مجرّد ردٍّ بالنار، بل دفعًا ميدانيًّا منظّمًا لتوسيع رقعة التوغّل. وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيليّ أنَّ الضربة البحريّة على الجناح في بيروت قتلت يوسف إسماعيل هاشم، الّذي وصفه بأنّه قائد "جبهة الجنوب" في حزب الله، ثمّ أضاف مساءً بعدًا آخر للضغط، بإعلانه استهداف مكتبي صيرفةٍ في بيروت قال إنّهما يموّلان الحزب، مع تحذير مؤسّساتٍ أخرى من الاستمرار في هذا النشاط. هكذا قدّمت إسرائيل يومها، توغّلٌ بريٌّ، واغتيالٌ قياديٌّ، وضغطٌ ماليٌّ في آنٍ واحد..

 

خريطة التوغّل الإسرائيليّ

حتى مساء 1 نيسان، تظهر خريطة التوغّل ثلاثة مساراتٍ واضحة. في الغرب، تشير المعطيات المتاحة إلى وجودٍ إسرائيليٍّ في الناقورة والبيّاضة مع ضغطٍ نحو شمع على الساحل الجنوبيّ لصور. في الوسط، يبدو أنَّ الجيش الإسرائيليّ يحافظ على محور ضغطٍ يلتفّ على بنت جبيل من القوزح باتجاه دبل ورشاف، ومن عيترون ومارون الرّاس باتجاه عيناتا. أمّا في الشرق، فهو المحور الأشدّ حساسيّةً، إذ تظهر الخريطة تقدّمًا على خطّ دير سريان، دير ميماس، والخيام، مع مؤشّراتٍ إلى بلوغ ضفاف الليطاني في هذا القطاع، فيما يبقى القتال مفتوحًا عند الخيام والطّرق المتّصلة بها. هذه هي، عمليًّا، حدود التوغّل المرسومة بتاريخ اليوم، لا كنقطة نهاية، بل كخطوط تماسٍّ متحرّكة.

Image-1775064316
 حدود التوغّل المرسومة بتاريخ اليوم، لا كنقطة نهاية، بل كخطوط تماسٍّ متحرّكة.

 

المحور الغربيّ

في المحور الغربيّ، بقيت شمع العنوان الأوضح. فالتغطيات الميدانيّة تحدّثت عن اشتباكاتٍ عنيفةٍ على الساحل قرب قلعة شمع، مع استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والصواريخ والمدفعيّة. وبالتوازي، سجّلت ضرباتٌ على المنصوري، والرّماديّة، وطريق المنصوري، كما أصيب مركزٌ لـ"الهيئة الصحّيّة الإسلاميّة" في المنصوري عند الفجر، وتعرّضت الرّماديّة لضربةٍ أسفرت عن قتلى، فضلًا عن استهدافاتٍ على طريق معروب، دردغيا. وهذا يعني أنّ الساحل لم يعد جبهة إسنادٍ فقط، بل صار مساحة ضغطٍ برّيٍّ وناريٍّ متداخل، تحاول إسرائيل عبرها شدّ الطوق جنوب صور، فيما يسعى حزب الله إلى إبقاء هذا التقدّم مكشوفًا ومكلفًا.

Image-1775064143
الساحل لم يعد جبهة إسنادٍ فقط، بل صار مساحة ضغطٍ برّيٍّ وناريٍّ متداخل، تحاول إسرائيل عبرها شدّ الطوق جنوب صور، فيما يسعى حزب الله إلى إبقاء هذا التقدّم مكشوفًا ومكلفًا.

 

المحور الشّرقيّ

أمّا المحور الشرقيّ، فكان الأكثر سخونة. ووفق التغطيات الميدانيّة، حاولت وحداتٌ إسرائيليّةٌ دخول الحيّ الشماليّ الشرقيّ من الخيام، وواجهت نيرانًا كثيفةً ورشقاتٍ صاروخيّة. كما تركز القتال على محور الطّيّبة، القنطرة، ودير سريان، حيث أعلن حزب الله استهداف تجمّعاتٍ لجنودٍ إسرائيليّين في القنطرة، ودير سريان، وتلّة العويضة في العديسة، فيما أكّدت التقارير الميدانيّة أصوات الرشّاشات والصواريخ والقصف المدفعيّ. وإلى الشرق أكثر، سجّلت التغطيات تموضعًا إسرائيليًّا قرب شبعا داخل الأراضي اللبنانيّة، قبل إطلاق ثلاث قذائف على الأطراف والانسحاب. بذلك، بدا الشرق محور المناورة الأخطر، لأنّه يجمع بين محاولة التقدّم نحو عقدة الليطاني، وبين قتالٍ مباشرٍ يحاول تحويل الطرق والتلال إلى مصائد ناريّة.

Image-1775064194
بدا الشرق محور المناورة الأخطر، لأنّه يجمع بين محاولة التقدّم نحو عقدة الليطاني، وبين قتالٍ مباشرٍ يحاول تحويل الطرق والتلال إلى مصائد ناريّة.

 

المحور الأوسط

في المحور الأوسط، لا تبدو الصورة صاخبةً بقدر الشرق، لكنّها ليست ساكنة. خريطة الصباح تظهر أنّ الضغط الإسرائيليّ يستمرّ من القوزح نحو دبل ورشاف، ومن عيترون ومارون الرّاس نحو عيناتا، أي في قوسٍ يضغط على بنت جبيل من جهاتٍ عدّة. وخلال النهار، سجّلت ضرباتٌ على حاريص، وحنين، والطيري، وعيناتا، كما دمّرت منازل بالعبوات على أطراف دبل وعيتا الشّعب، وقصفت براشيت وصفد البطيخ. لذلك، كان الوسط اليوم محور استنزافٍ بالنار والنسف أكثر منه محور اندفاعةٍ سريعة، مع محاولة تقطيع الجغرافيا القرويّة المحيطة ببنت جبيل قبل أيّ تثبيتٍ أوسع داخلها أو حولها.

Image-1775064232
الوسط اليوم محور استنزافٍ بالنار والنسف أكثر منه محور اندفاعةٍ سريعة، مع محاولة تقطيع الجغرافيا القرويّة المحيطة ببنت جبيل قبل أيّ تثبيتٍ أوسع داخلها أو حولها.

 

 

اشتباكات اليوم لم تكن قصفًا متبادلًا من بعيد فقط، بل معركةً مركّبةً على مستوياتٍ عدّة. في القتال البرّيّ، برزت الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، والرشّاشات، والصواريخ، والمدفعيّة، والصواريخ الموجّهة المضادّة للآليّات، كما ظهر استخدام المسيّرات الهجوميّة، ومن بينها مسيّرةٌ متفجّرةٌ استخدمت ضدّ قوّةٍ إسرائيليّةٍ في دير سريان، إلى جانب إعلان حزب الله إطلاق صاروخٍ أرض، جوّ على طائرةٍ إسرائيليّةٍ في أجواء منطقة صور. إسرائيليًّا، برز اللواء 8 الاحتياطيّ تحت قيادة الفرقة 91، مع إسنادٍ جوّيٍّ وبحريٍّ ومدفعيٍّ متواصل. 

لم يقتصر المشهد اليوم على الاشتباكات المباشرة، بل اتّسع إلى التفجيرات والنسف داخل القرى وعلى أطرافها. ففي القرى الحدوديّة، سجّل انفجارٌ كبيرٌ على أطراف الخيام في المنطقة الّتي تمسك بها القوّات الإسرائيليّة، كما دمّرت منازل عدّةٌ بالعبوات على أطراف دبل وعيتا الشّعب، فيما قالت رويترز إنّ أربعة منازل قريبةً من الحدود هدّمت، وإنّ شظايا اعتراضاتٍ جويّة سقطت داخل رميش. وفي القرى الأبعد نسبيًّا عن خطّ التماسّ المباشر، سجّلت ضرباتٌ وانفجاراتٌ في الرّماديّة، والزّراريّة، ووادي جيلو، وحميلة في حومين، وأطراف زوطر الغربيّة، وبين بنعفول وحومين تحتا، إضافةً إلى غاراتٍ على صهمور ومشغرة في البقاع الغربيّ. وبذلك، تمدّد العنف اليوم من القرى اللّاصقة للحدود إلى قرى داخليّةٍ وخلفيّة، في محاولةٍ لقطع الحركة والإمداد ورفع الكلفة الإنسانيّة والميدانيّة.

 

 

بيان الجيش اللّبنانيّ:  إعادة تموضعٍ تحت الحصار

بيان الجيش اللبنانيّ اليوم كان جزءًا من الحدث الميدانيّ نفسه، لا مجرّد تعليقٍ عليه. فالقيادة أوضحت أنَّ ما جرى ليس انسحابًا صامتًا، بل "إعادة تموضعٍ وانتشار" فرضها تصعيد التوغّل الإسرائيليّ حول البلدات الحدوديّة، بعد أن أدّى إلى "محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها". وفي الوقت نفسه، شدّد البيان على إبقاء مجموعةٍ من العسكريّين داخل تلك البلدات "للوقوف إلى جانب الأهالي وفق الإمكانات المتاحة". ثمّ ذهب أبعد من ذلك، محذّرًا من التحريض والتشكيك بدور المؤسّسة العسكريّة في الإعلام ومواقع التواصل، لأنّ ذلك يفاقم التوتّر الداخليّ في لحظة ضغطٍ شديد. المعنى السياسيّ والعسكريّ هنا واضح، التوغّل الإسرائيليّ لم يضغط على حزب الله فقط، بل فرض أيضًا على الجيش اللبنانيّ إعادة إدارة انتشاره تحت الحصار..

إسرائيل دفعت اليوم باتجاه توسيع تماسّها البرّيّ على المحاور الثلاثة، لكنّها لم تنتج صورة حسمٍ كامل. الغرب كان محور شدّ الساحل وقلعة شمع، الوسط محور ضغطٍ ناريٍّ ونسفٍ وتقطيع قرى، والشرق محور الاختبار الأصعب عند الخيام والقنطرة ودير سريان. وفي الخلفيّة، أظهرت التفجيرات ونسف المنازل وبيان الجيش اللبنانيّ أنَّ المعركة لم تعد محصورةً بخطّ الاشتباك المباشر، بل صارت معركة عمرانٍ، وإمدادٍ، وانتشارٍ، وأهالٍ أيضًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث