معركة "كسر عظمٍ" بين إسرائيل وحزب الله. في منتصف ليل أمس، وجّهت القوات الإسرائيلية ضربتين إلى قياديّين عسكريّين رفيعين في الحزب، وخلال النّهار أطلقت تهديداً جديداً باستهداف المزيد من المتعاملين معه في قطاع الصيرفة والمال. وأمّا في الجنوب، فيصرّ الإسرائيليون على مواصلة التقدّم، على الرّغم من المواجهة التي يلقونها من جانب حزب الله. والهدف هو خطّ الليطاني على الأقلّ، حيث يعلنون أنّهم باقون لشهورٍ أو سنين، ولو انتهت الحرب مع إيران.
إذن، لا أفق للحرب، سواءٌ في درجة العنف أو الأفق الزمني أو التوسّع الجغرافي أو حجم الخسائر البشريّة والمادّيّة. ولا مكان للمبادرات، لأنّ طرفي الصراع في جوهره، إسرائيل وإيران- ومن خلالهما حزب الله- يخوضان حرب "كسر عظم". ويعتقدان أن الحرب لا بد أن تنتهي بهزيمة العدو.
الرسائل تتجاوز الميدان
على مدى أربعٍ وعشرين ساعة، عاش لبنان يومًا عصيبًا تحت وطأة عدوانٍ إسرائيليٍّ دمويٍّ، توزّعت غاراته بين الضاحية الجنوبيّة لبيروت وبلداتٍ في الجنوب والبقاع، وهذا ما أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى. وفي حصيلة أمس، أعلنت وزارة الصحّة اللبنانيّة مقتل 21 شخصًا وإصابة 70 آخرين جرّاء الاستهدافات الإسرائيليّة، وهو ما يرفع عدد القتلى إلى 1268 منذ بدء الحرب على لبنان قبل نحو شهر.
وفي واحدةٍ من أعنف الضربات، استهدفت الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة منطقة الجناح، جنوبيّ العاصمة بيروت، بثلاثة صواريخ طاولت عددًا من السيّارات، وهذا ما أدّى إلى سقوط خمسة شهداء وإصابة 21 آخرين، وفق ما أعلنت وزارة الصحّة. وتحدّثت معلوماتٌ أوليّة عن عمليّة اغتيال، فيما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنّه استهدف "قائدًا كبيرًا في حزب الله وآخر" في غارتين منفصلتين في بيروت.
وجاءت هذه الغارة بعد ساعاتٍ قليلة من استهداف طائرةٍ مسيّرة سيارةً مقابل محلّ "عصير رمضان"، وبالقرب من محطة الأمانة في خلدة، حيث أطلقت أربعة صواريخ مباشرةً على السيارة. وأعلن مركز عمليّات طوارئ الصحّة التابع لوزارة الصحّة العامّة أنّ الغارة أدّت إلى استشهاد مواطنين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح.
وكان لافتًا أيضًا سقوط صاروخٍ إسرائيليٍّ على موقفٍ للسيّارات في منطقة المنصوريّة، وهذا ما أدّى إلى تضرّر عددٍ كبيرٍ من السيّارات، في إشارةٍ إضافيّة إلى اتّساع رقعة النار، وتفلّتها من حدود الجبهات التقليديّة.
ضغطٌ ماليٌّ موازٍ
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه قتل في بيروت قائد جبهة الجنوب في حزب الله، الحاج يوسف إسماعيل هاشم. وادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، أنَّ "جبهة الجنوب هي الوحدة المسؤولة في حزب الله عن تنفيذ مخطّطات ضدّ مواطني إسرائيل والقتال ضدّ قوّات الجيش في جنوب لبنان"، مضيفًا أنّ هاشم أشرف، خلال قيادته للوحدة، على إطلاق القذائف الصاروخيّة والمسيّرات نحو الأراضي الإسرائيليّة، كما قاد جهود إعادة إعمار بنية الحزب.
ووفق الرواية الإسرائيليّة، فإنّ هاشم يعدّ من أصحاب الخبرة الطويلة داخل البنية العسكريّة للحزب، وقد تولّى قيادة جبهة الجنوب بعد مقتل علي كركي إلى جانب حسن نصر الله خلال عمليّة "سهام الشمال". كما نسب إليه الإشراف على وحدات "نصر" و"عزيز" و"بدر"، وهي الوحدات التي تتولّى القتال ضدّ الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وإطلاق القذائف الصاروخيّة نحو إسرائيل.
لكنّ الأخطر من الإعلان العسكري نفسه، كان في الانتقال الإسرائيلي الواضح من الاستهداف الأمني إلى الحرب على الشرايين الماليّة. فقد كتب أدرعي، في منشورٍ عبر منصّة "إكس"، رسالة إنذار إلى صرّافي الأموال العاملين في خدمة حزب الله، رابطًا ذلك مباشرةً بالغارات التي شنّها الجيش الإسرائيلي في لبنان.
وأشار إلى أنَّ الجيش الإسرائيلي استهدف، خلال الحرب، مصادر تمويل الحزب، ومن بينها "جمعيّة القرض الحسن" وشبكات الوقود، معتبرًا أنّ شبكة الصرّافين تشكّل مصدرًا ماليًّا رئيسيًّا وأساسيًا له. وذكر بالاسم محمّد نور الدين وحسين إبراهيم، وقال إنّهما يعملان كصرّافين رئيسيّين لصالح حزب الله.
وأضاف أنَّ نور الدين رجل أعمالٍ لبناني ومالكٌ لعددٍ من شركات الصيرفة، بينها شركة Trade Point International S.A.R.L المسجّلة في لبنان، والتي تستخدم، وفق ادّعائه، منصّةً لتحويل الأموال من عدّة دول إلى حزب الله. كما قال إنَّ حسين إبراهيم يعدّ عنصرًا مركزيًّا في شبكة صيرفةٍ مماثلة، ويدير شركة BOA CHANCE العاملة خارج لبنان، مشيرًا إلى أنّ أنشطته تشمل، وفق الرواية الإسرائيليّة، استخدام شركاتٍ وهميّة ومسارات تجارةٍ دوليّة لغسل الأموال وتحويلها.
الرسالة هنا لا تبدو مجرّد تهديدٍ إعلامي. إنّها إعلان انتقالٍ إلى مرحلةٍ جديدة من الحرب، عنوانها استهداف البنية الماليّة للحزب، وتجفيف قنوات الحركة والتسليف والتحويل، بما يعني أنَّ إسرائيل لا تكتفي بإضعاف القوّة العسكريّة، بل تعمل على ضرب البيئة اللوجستيّة والاقتصاديّة التي تسمح لهذه القوّة بالاستمرار.
الجنوب تحت النار
في الجنوب، لا تبدو المعركة أقرب إلى التهدئة، بل إلى تثبيت وقائع ميدانيّة جديدة. الإسرائيليون يصرّون على مواصلة التقدّم، رغم ما يواجهونه من مقاومةٍ من جانب حزب الله. وما يعلنونه بوضوح هو أنّ الهدف لا يقتصر على دفع الحزب إلى الخلف، بل الوصول إلى خطّ الليطاني على الأقلّ، مع حديثٍ صريح عن بقاءٍ قد يمتدّ لأشهرٍ أو سنوات، حتّى لو انتهت الحرب مع إيران.
وهذا يعني، سياسيًّا وعسكريًّا، أنَّ المعركة لم تعد مجرّد ردٍّ متبادلٍ على الحدود، بل صارت حربًا على شكل الجنوب المقبل، وعلى قواعد الاشتباك المقبلة، وعلى من يملك القرار الأمني والعسكري في المنطقة الممتدّة بين الحدود والليطاني. ومن هنا، فإنّ أيّ حديثٍ عن احتواءٍ سريع أو وقفٍ قريبٍ للنار يبدو منفصلًا عن حقيقة ما يجري على الأرض.
الدولة تلاحق السلاح غير الشرعي
بموازاة النار المفتوحة، يبرز تطوّرٌ داخليٌّ شديد الحساسيّة. فتنفيذًا لقرار مجلس الوزراء بحظر العمل العسكري لحزب الله واعتباره خارجًا عن القانون، تواصل الأجهزة الأمنيّة ملاحقة كلّ من يحمل سلاحًا من دون ترخيص. وفي هذا الإطار، أوقف مواطنان في العاصمة بيروت، تبيّن، بعد التحقيق معهما، أنّهما ينتميان إلى حزب الله.
وتشير مصادر "المدن" إلى أنَّ شعبة المعلومات أوقفت شابّين في منطقة طريق الجديدة، وضبطت معهما مسدّساتٍ حربيّة غير مرخّصة، وبطاقاتٍ صادرة عن حزب الله، ذلكَ بموجب إشارةٍ قضائيّة صادرة عن المحكمة العسكريّة. وبعد التحقيق معهما، اعترفا بأنّهما عنصران تابعان للحزب، وأنّهما حصلا على المسدّسات منه، كما صودرت البطاقات التي كانت بحوزتهما. وأكّدا أنَّ وجودهما في منطقة طريق الجديدة كان بهدف استلام سيّارة للإيجار من أحد الشبّان هناك.
اختبارٌ لقرار الدولة؟
وفق معلومات "المدن"، فإنّ مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة، القاضي كلود غانم، تسلّم الملفّين، وسيدّعي على الموقوفين بجرم حيازة أسلحةٍ غير مرخّصة، على أن يحالا إلى قاضي التحقيق العسكري، ثمّ إلى المحكمة العسكريّة لتحديد جلسة محاكمتهما.
وتشير المعطيات إلى أنّ الشابّين لا يزالان موقوفين لدى شعبة المعلومات، ومن المتوقّع أن يتقدّم وكيلهما القانوني بطلب إخلاء سبيلٍ مقابل كفالةٍ ماليّة، وهو ما يحصل عادةً في قضايا حيازة السلاح غير المرخّص، إذ يكون التوقيف مؤقّتًا تمهيدًا لإخلاء السبيل لاحقًا.
غير أنّ قيمة هذا التطوّر لا تكمن في الملفّ القضائي وحده، بل في دلالته السياسيّة. فالدولة اللبنانيّة، ولو بخطواتٍ متدرّجة، تحاول أن تظهر أنّ قرار حصر السلاح لم يعد مجرّد شعارٍ سياديٍّ، بل صار موضع اختبارٍ تنفيذي. والسؤال الحقيقي ليس في توقيف عنصرين، بل في ما إذا كانت هذه المقاربة ستتحوّل إلى مسارٍ ثابت، أم ستبقى في حدود الرسائل الظرفيّة.
أوروبا وحزب الله
في موازاة التصعيد العسكري، دخل الموقف الأوروبي على خطّ الضغط السياسي المباشر. فقد دعت بعثة الاتحاد الأوروبي ووزراء خارجيّة عشر دولٍ إلى مفاوضاتٍ سياسيّة مباشرة بين لبنان وإسرائيل، معلنةً تأييدها للقرارات "التاريخيّة" للحكومة اللبنانيّة، ومحملةً حزب الله مسؤوليّة العواقب المأسويّة للحرب.
وجاء في البيان: "نحن، وزراء خارجيّة بلجيكا وكرواتيا وقبرص وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا وهولندا والبرتغال والمملكة المتحدة، والممثّلة العليا للاتحاد الأوروبي، نعرب عن دعمنا الكامل للبنان، حكومةً وشعبًا، الذي يعاني مرّةً أخرى العواقب المأسويّة لحربٍ ليست حربه". وأضاف البيان أنّ "المسؤوليّة عن هذا الوضع تقع على عاتق حزب الله"، مع إدانةٍ شديدة للهجمات التي يشنّها الحزب "دعمًا لإيران ضدّ إسرائيل"، والدعوة إلى وقفها فورًا.
هذا الموقف يتجاوز حدود التضامن الدبلوماسي. إنّه يضع لبنان أمام معادلةٍ دوليّة جديدة: الدعم الغربي للدولة اللبنانيّة مشروطٌ بتقدّمها في استعادة السيادة وحصريّة السلاح، فيما تحمّل مسؤوليّة الانهيار الأمني والإنساني إلى حزب الله بوصفه طرفًا يربط لبنان مباشرةً بالمواجهة الإيرانيّة الإسرائيليّة.
وأكّد البيان الأوروبي تأييد "القرارات التاريخيّة الشجاعة" التي اتّخذتها الحكومة اللبنانيّة، معتبرًا أنّه "لا وسيلة أخرى لحماية لبنان من التدخّل الأجنبي غير تقوية دولته ومؤسّساته وسيادته". وفي هذا السياق، دعا البيان إلى "مفاوضاتٍ سياسيّة مباشرة بين لبنان وإسرائيل"، من شأنها أن تسهم في وضع نهايةٍ دائمةٍ للنزاع وتهيئة الظروف لتعايشٍ إقليميٍّ سلمي.
كما شدّد على أنّ السلطة التنفيذيّة اللبنانيّة تحظى بدعمٍ كاملٍ في نهجها، مع تشجيعها على الاستمرار في هذا المسار من خلال تنفيذ تدابير ملموسة لا رجعة فيها، وعلى جميع المستويات، لاستعادة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانيّة، بما في ذلك حصريّة السلاح بيد الدولة.
ولم يقتصر البيان على البعد الأمني، بل ربط بين استعادة الدولة لقرارها السيادي وبين الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة، داعيًا السلطات اللبنانيّة إلى الاستمرار في تبنّي الإصلاحات اللازمة بما يتوافق مع متطلّبات صندوق النقد الدولي، ومؤكّدًا الالتزام بدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة اللبنانيّة عبر المشاركة الفاعلة في مؤتمر الدعم الدولي عندما تسمح الظروف بذلك.
تسويةٌ صعبة
في الخلاصة، لا يبدو أنّ لبنان يقف أمام جولةٍ عابرة من التصعيد، بل أمام حربٍ مفتوحةٍ على احتمالاتٍ أكثر خطورة. إسرائيل تصعّد بالنار والاغتيال والضغط المالي، وحزب الله يواصل القتال بوصفه جزءًا من معركةٍ إقليميّةٍ أوسع، فيما الدولة اللبنانيّة تتحرّك تحت ضغط النار من جهة، والضغط الدولي من جهةٍ أخرى.
إنّها، في جوهرها، معركة كسر عظمٍ حقيقيّة، لا مكان فيها لأنصاف الحلول. فإمّا أن تنتج موازين قوى جديدة على الأرض، وإمّا أن تفرض، بعد نزفٍ طويل، تسويةً قاسيةً على أحد الطرفين. أمّا لبنان، في هذه الأثناء، فيبقى الساحة الأكثر انكشافًا، والدولة التي تدفع كلفة حربٍ أكبر من حدودها، وأعمق من قدرتها على الاحتمال.
