إذا كان ميزان غسان سلامة يشرح كيف تموت الدول، فإنَّ الامتحان اللبناني يبدأ من سؤال أبسط وأقسى: لماذا بقي الدستور نصًا مؤجل التنفيذ، وكيف يمكن تحويله إلى مسار إنقاذ عملي؟
عدسة نواف سلام: دستورٌ مكتوب… ونظامٌ مُمارَس يناقضه
إذا كان ميزان سلامة يشرح كيف تموت الدول، فإنَّ كلمة نواف سلام في المؤتمر نفسه تضع اليد على لبّ المسألة اللبنانية: المشكلة ليست نقص نصوص، بل نقص تطبيق. كأن لبنان يعيش دستورًا مكتوبًا، لكنه يُدار بنظامٍ مُمارَس يناقضه.
ينطلق سلام من المادة السابعة: المساواة الكاملة بين اللبنانيين في الحقوق المدنية والسياسية والواجبات العامة. ثم ينتقل إلى منطقة الانكسار: في الأحوال الشخصية تتعدد الأنظمة بحسب الطائفة، فتتشقق وحدة المعيار القانوني. وقد يحتمل المجتمع المتعدد خصوصيات اجتماعية، لكن الخطر يبدأ حين تنتقل التجزئة من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي والإداري، فتتفاوت الحقوق السياسية وتتحول الوظيفة العامة إلى بابٍ محكوم بالمحاصصة.
هنا يستشهد سلام بالمادة 12: لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة "لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة". ثم يضع الحقيقة كما هي: الاعتبارات الطائفية، والسياسات الزبائنية، والمحسوبية، شوّهت هذا الحق. صار الوصول إلى الوظيفة العامة في الممارسة سؤال انتماء قبل أن يكون سؤال كفاءة.
ثم يذهب إلى المادة 95، قلب روح الطائف الإصلاحية: إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة واعتماد الاختصاص والكفاءة، مع استثناء محدد لوظائف الفئة الأولى ومبدأ المناصفة، ومن دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة مع التقيد بالكفاءة. لكن الذي حصل كان تطبيقًا بالمقلوب: الطائفية لم تُحصر حيث ينبغي، بل تمددت إلى كل فئات الإدارة حتى أدنى الرتب، وتحولت مواقع عديدة في الدولة إلى "تخصيصات" عرفية لطوائف ومذاهب.
بهذا المعنى يصبح قول "الدستور لم يُطبَّق منذ الطائف" وصفًا دقيقًا لا مبالغة: النص موجود، لكن روحه الإصلاحية عُلّقت، وما طُبق فعليًا كان نظام محاصصة يضرب المساواة ويقوّض المواطنة. ومع كل تمدد للمحاصصة تتراجع فكرة المواطن المتساوي: الفرد لا يعود مواطنًا كامل الحقوق بصفته "لبنانيًا"، بل عضوًا في جماعةٍ تتفاوت حقوقها في الممارسة. وهذه ليست أزمة إدارة فقط، بل أزمة شرعية دولة.
ويقترح سلام مخرجًا دستوريًا معروفًا ومؤجلًا: المادة 22، أي نظام المجلسين. مجلس شيوخ تُحصر فيه الهواجس والتمثيل الطائفي، ومجلس نواب محرر من القيد الطائفي ليؤمّن المشاركة الوطنية، أو المشاركة المواطنية. هذا ليس ترفًا نظريًا، بل محاولة لإعادة تركيب الدولة: نحفظ وسائل التعبير عن الهويات الجماعية، ونفتح في الوقت نفسه مساحة حقوق كاملة للأفراد كمواطنين متساوين.
المفارقة أن الخطاب الدستوري الذي نسمعه اليوم من داخل الحكومة يضع معيارًا عاليًا وصحيحًا، لكن معيار الدولة يُقاس في النهاية بما يُنجَز لا بما يُقال. أعرف حجم القيود وتوازنات البلد، لكن موقع رئيس الحكومة نواف سلام يفرض عليه -بحكم المسؤولية التنفيذية- أن يحوّل هذا المعيار إلى خطواتٍ صغيرة قابلة للقياس، وإلا بقيت الأفكار في مرتبة التشخيص.
من "الحوار المؤجل" إلى "حوار اللبنانيين الملزم"
قبل سنوات كتبتُ أن معظم النزاعات تنبع من سوء فهمٍ تم تضخيمه، وأن البديل عن الحوار هو الكباش المستمر في ظل أزمة وجودية لوطن اسمه لبنان. يومها كان عنوان المقال الذي لم أنشره: "حوار سويسرا المؤجل… حوار اللبنانيين الملزم". جاء ذلك إثر دعوة سفيرة سويسرا عددًا من ممثلي الكتل والأحزاب اللبنانية إلى عشاء لإطلاق حوار حول ضرورة تطبيق الدستور كاملًا.
وكان أصل الفكرة بسيطًا: إذا كنا نخشى زوال الدولة، فالحوار ليس ترفًا ولا مناسبة علاقات عامة، بل شرط لاستكمال السيادة وتطبيق الدستور واستعادة المواطنة. بدا السؤال عند البعض زائدًا عن الحاجة، وبدا عند آخرين كأنه حديثٌ خارج سياق الأحداث… لكن السنوات أثبتت أن الحوار بقي حاجةً مطلقة.
لكن أي حوار؟ ليس طاولة مستديرة إضافية. ليس حوارًا تقريريًا لتسجيل نقاط. وليس منصة لإدانة فريق وتبرئة آخر. الحوار المطلوب هو قرار انتقال من إدارة الانهيار إلى إدارة الدولة: تقريب مسافات، رصد مشتركات، استنباط حلول، ورسم خريطة طريق للخروج من المآزق المتناسلة.
وأهم ما تعلمناه في السنوات الماضية أن بعض العقد -وعلى رأسها عقدة السلاح- لم تعد محلية خالصة، بل صارت جزءًا من لعبة إقليمية ودولية كبرى، قد تطول أو تقصر بحسب تسويات المنطقة. هذا لا يعني الاستسلام ولا التطبيع مع العجز. يعني شيئًا واحدًا: لا يجوز تعليق حياة الناس، ومالية الدولة، وإصلاح الإدارة، وكرامة المواطن، على مواعيد التسويات الكبرى. الدولة مسؤولة الآن. وهذا معنى السيادة كمسؤولية.
خريطة طريق ممكنة، إذا توفرت الإرادة
لا أزعم أن خريطة الطريق سهلة. لكنها، إذا أردنا الجدية، تبدأ بثلاثة مسارات متوازية:
- مسار دستوري: تطبيق غير انتقائي للدستور، خصوصًا المواد التي تفتح باب المواطنة والكفاءة، وتفعيل ما بقي معلقًا منذ الطائف -وفي طليعته تطبيق المادة 95 من دون اجتزاء أو تشويه، ونظام المجلسين وإقرار قانون انتخابات يشكل المدخل الأول لحسن التمثيل الوطني إلى اللامركزية الإدارية.
- مسار مالي-اقتصادي: إعادة بناء الدولة المالية والرقابية والقضائية، لأن السيادة كمسؤولية تبدأ من حماية الناس وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
- مسار سيادي-أمني: مسار تراكمي لاستكمال السيادة الداخلية، بالصبر والتدرّج، ولكن ضمن جدول واضح ومقاربة دولة لا مقاربة أعراف.
هذه المسارات ليست "غربية" ولا "شرقية". ليست فرنسية ولا أميركية. هي لبنانية بحتة لأنها تتعلق ببيتٍ مهدد بالسقوط على رؤوس أهله. من حق اللبنانيين أن يختلفوا في السياسة. لكن ليس من حق أحد أن يختلف على معنى الدولة: مرجعية واحدة، حقوق متساوية، كفاءة في الإدارة، وحماية للناس.
خلاصة القول
أنا لا أكتب عن "زوال لبنان" من باب التشاؤم، بل من باب التحذير. لأن العنوان الصادم يصبح مفيدًا فقط إذا دفعنا إلى تسمية المرض ووضع علاجٍ واقعي. الزوال ليس قدرًا، لكنه احتمالٌ سياسي يزداد كلما تآكلت السيادة، وتراجعت المواطنة، وبقيت الدولة مشروعًا دائمًا بلا إنجاز.
الخلاصة بسيطة وقاسية: لبنان لن يُنقذ بخطاب سيادي وحده، ولا بخطاب إصلاحي وحده، ولا بتغيير وجوه وحده. يُنقذ فقط إذا اجتمعت ثلاثة أشياء معًا: إرادة سياسية جامعة، تطبيق كامل وغير انتقائي للدستور، ومسار تراكمي لاستكمال السيادة بأبعادها: من احتكار القرار والسلاح إلى حماية الناس ومعيشتهم.
ومن دون ذلك، سيبقى "الزوال" مسارًا لا عنوانًا. وسيبقى الحوار مؤجلًا… حتى يصبح التأجيل هو نفسه سبب السقوط.




