في الرابع والعشرين من آذار 2026، اهتزت أروقة وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بقرار لم يشهد له "لبنان مابعد الطائف" مثيلاً؛ حيث أعلن الوزير يوسف رجّي سحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني، وإمهاله حتى 29 آذار لمغادرة البلاد. هذا الإجراء ليس مجرد "اشتباك إداري"، بل هو انفجار لمكبوتات سيادية تراكمت لعقود، مما يضعنا أمام سؤال جوهري: هل استعاد لبنان "أنيابه الدبلوماسية" أم أنه يغامر بالقفز في المجهول؟
الندية المفقودة: من "عقدة" دمشق إلى "انتفاضة" 2026
لطالما عانى لبنان مما يمكن تسميته "الدونية الدبلوماسية" تجاه الجيران، والمثل الأسطع على ذلك ما عاشه لبنان مع "شقيقته" سوريا في ظلال الأسد لمدة 65 عاماً (1943-2008) من دون علاقات دبلوماسية رسمية مع سوريا، التي كانت ترفض الاعتراف بحدوده كدولة مستقلة. لم تفتح السفارة السورية ببيروت إلا في تشرين الأول 2008، بعد نضال سياسي ودولي مرير، وهو ما جسد قمة المعاناة اللبنانية في انتزاع اعتراف بسيط بالندية. ولكن المفارقة اليوم، ينتقل لبنان من مرحلة "التوسل لفتح سفارة" (مع سوريا) إلى مرحلة "الجرأة على إغلاقها أو طرد طاقمها" (مع إيران) عند انتهاك الأصول
واذا ما أجرينا البحث في أرشيف المواجهات والعلاقات الدبلوماسية والسياسية المضطربة، يطرح السؤال: هل طُرد سفراء دول معتمدة من قبل؟ هل تجرأت الدولة اللبنانية بأجهزتها أن تتحمل تبعات هكذا قرار؟ وما هي مدلولات اتخاذ مثل هذه الإجراءات؟ هل فعلاً نحن أمام بداية نفق مظلم نعلم أين يبدأ ولا نعلم أين ينتهي؟ أم أننا أمام تكريس للدولة القوية ذات السيادة والقرار الوطني المستقل؟
خلافاً للاعتقاد السائد بأن لبنان "دولة بلا مخالب"، يحفل التاريخ بحالات تمرد سيادي وقد نشرت وسائل الإعلام مؤخراً عن سابقة العام 1983 (مع إيران أيضاً) حيث أثبت في الأرشيف الدبلوماسي اللبناني أنه في تشرين الثاني 1983، قام مدير عام الخارجية آنذاك، فؤاد الترك، باستدعاء القائم بالأعمال الإيراني وأمهله 72 ساعة للمغادرة، ما يعني أن طرد السفير الحالي له جذور تاريخية في التعامل مع طهران.
وفي العام 2021، اندلعت أزمة بين لبنان ودول الخليج حيث شهد لبنان طرداً جماعياً لسفرائه من السعودية والكويت والبحرين والإمارات، على خلفية تصريحات الوزير السابق جورج قرداحي. الفارق أن لبنان كان حينها "الطرف المعاقَب"، بينما اليوم هو "الطرف المحاسِب".
مع الدول الأوروبية: نادراً ما وصلت الأمور للطرد مع أوروبا، لكن الاستدعاءات لـِ "التوبيخ" كانت حاضرة، كما حصل مراراً مع السفيرة الفرنسية أو الأميركية عند التدخل في الشؤون الانتخابية أو القضايا القضائية الحساسة.
ومن الأمثلة على هذه الاستدعاءات:
- استدعاء السفيرة الأميركية دوروثي شيا بتاريخ حزيران 2020، من قبل وزير الخارجية اللبناني آنذاك ناصيف حتي، بسبب تصريحاتها لقناة "الحدث" التي انتقدت فيها دور حزب الله في الحكومة، واعتبرتها الخارجية اللبنانية "تدخلاً في الشؤون الداخلية.
- استدعاء السفيرة الأميركية دوروثي شيا، من قبل وزير الخارجية اللبناني الوزير ناصيف حتي بتاريخ 20 آذار من العام 2020، وذلك لتوجيه استيضاحات حول "تهريب" العميل السابق لجيش لبنان الجنوبي، عامر الفاخوري، عبر طائرة مروحية أميركية من مقر السفارة في عوكر إلى خارج لبنان، مما اعتُبر انتهاكاً للقضاء والسيادة اللبنانية.
- استدعاء السفير الألماني جورج بيرغلين بتاريخ 5 أيار 2020 للاحتجاج وطلب توضيح حول قرار البرلمان الألماني تصنيف حزب الله كـ"منظمة إرهابية" وحظر أنشطته، حيث أكد الوزير حتي حينها أن الحزب "مكون سياسي أساسي وممثل في البرلمان والحكومة
- استدعاء سفراء أوروبيين بسبب "التدخل في الانتخابات (2022)، حيث جرت عدة لقاءات "تحذيرية" لسفراء (من بينهم فرنسيون وبريطانيون) بعد لقاءات مكثفة أجروها مع قوى المعارضة و"تغييريين" في مناطق محددة، واعتبرتها دوائر القصر الجمهوري والخارجية حينها خروجاً عن العرف الدبلوماسي وتوجيهاً للناخبين.
كيف يمكن مقارنة هذه الاجراءات بالمقارنة والقياس مع ما أقدم عليه الوزير رجي تجاه السفير الايراني؟
أولاً، هنالك فارق كبير في الأسباب وخطورتها وأهميتها، على اعتبار أنّ السفير الإيراني بات يمثل الدولة الأكثر عبثاً في مصير لبنان، والممسك بقبضة الحكم الفعلية وبقرار الحرب والسلم فيه، خدمة لدولته.
ومن ناحية ثانية، توضح هذه الأمثلة أن لبنان يمتلك "ثقافة الاستدعاء" مع الغرب، لكنه لم يتجرأ يوماً على "الطرد"؛ ما يجعل إجراء الوزير رجي بحق السفير الإيراني قفزة نوعية من "العتاب" إلى "البتر".
وإضافة إلى ما سبق، فبينما كانت الاستدعاءات للأميركيين والأوروبيين غالباً ما تنتهي بـِ "توضيح" و"طي صفحة"، فإن الحالة الراهنة مع إيران وصلت إلى سحب الاعتماد، وهذا ما يوحي بوجود قرار سياسي بإنهاء "الاستثناءات" التي كانت تُمنح لمحور الممانعة في لبنان.
هل طرد السفير يعتبر "إعلان حرب"؟
التهويل في لبنان يسير على قدم وساق. حتى أن المساعي التي تجري على الصعيد السياسي بين الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط ورئيس الجمهورية لإجتراح مخرج لهذا الاجراء، إنما يضع لبنان في حالة حرجة.
إنّ خضوع لبنان للتهويل والتراجع عن هذا القرار سيجعل لبنان آلة طيعة لا يقيم أحدٌ له وزناً. وسيشرع الباب أمام التدخلات، أكثر ما هي مشرعة اليوم، وحتى من أضعف الدول.
ويروج الموالون للنظام الإيراني بأن إجراء الوزير رجي سيجر الويلات، لكن لغة الدبلوماسية العالمية تقول عكس ذلك، بحيث سنعطي الأمثلة التالية:
- بريطانيا وروسيا (2018): بعد تسميم الجاسوس "سكريبول"، طردت بريطانيا ومعها 20 دولة غربية أكثر من 100 دبلوماسي روسي. النتيجة؟ لم تندلع حرب، بل انحصر الرد في "المعاملة بالمثل".
- الولايات المتحدة والصين: تبادلت الدولتان إغلاق القنصليات (هيوستن وتشنغدو) في العام 2020. بقيت العلاقات قائمة بالرغم من التوتر، وهذا ما يثبت أنَّ "طرد السفير" هو وسيلة ضغط سياسية مشروعة وليس نهاية العالم.
بالمحصلة، فانّ التخويف والتهويل والتلويح بـِ "الانفجار الأمني" هو فقاعة دعائية؛ فالقانون الدولي (اتفاقية فيينا 1961) يحمي حق الدولة في اعتبار أي دبلوماسي "شخصاً غير مرغوب فيه" من دون إبداء الأسباب.
وعليه، وبناء لما سبق، يطرح السؤال ما هي الظروف التي دفعت الوزير رجي لاتخاذ هذا القرار؟ ماذا جرى بالكواليس؟ هل يعتبر ما أقدم عليه انتحاراً دبلوماسياً أم أنه خطوة مستندة على دعائم تمنع هبوط الهيكل فوق رأس قاطنيه؟
يرى معارضو القرار (حركة أمل وحزب الله) أنه يهدد الاستقرار الداخلي، لكن الخارجية اللبنانية تؤكد أن السفير شيباني انتهك الأعراف عبر التدخل الأمني والمتمثل برصد أنشطة غير دبلوماسية للحرس الثوري تحت غطاء السفارة. إضافة إلى تجاوز الدولة ومخاطبة قوى سياسية لبنانية كأنها "أدوات" تابعة للخارج، وليس كجزء من نسيج الدولة.
وبالتأكيد لا يمكن للوزير رجي اتخاذ مثل هذا القرار من دون التشاور مع أجهزة الدولة من فخامة رئيس الجمهورية، رغم نفيه، وحتى رئيس مجلس النواب، رغم الإفراط في التمثيل الذي يبديه في معارضته لهذا القرار، ورئيس الحكومة.
خاتمة: فقاعات هوائية أم فجر جديد؟
إنَّ المقارنة بين صمت لبنان الطويل على "الوصاية السورية" وبين "انتفاضة" الوزير رجي ضد التجاوزات الإيرانية، تكشف أننا أمام "بروفة" لسيادة حقيقية. الرد الإيراني (الذي تمثل في سقوط صاروخ غامض في الأجواء اللبنانية فور القرار) قد يكون "رسالة تحذير"، لكن تاريخ الدول يثبت أنَّ السيادة تُنتزع ولا تُهدى، وأنَّ الفقاعات الهوائية الحقيقية هي تلك التي تروج بأن لبنان لا يمكنه العيش من دون "رضا السفير".
ببساطة، لقد أعاد الوزير رجي الاعتبار لمبدأ "المعاملة بالمثل"، مبرهناً أن حقيبة الدبلوماسي اللبناني لم تعد خالية من أوراق القوة.
وأنَّ وزارة الخارجية، بفضل الوزير رجي على الأقل، رجعت لبنانية.
