الجيش يغادر قرى الحدود: الاجتياح يجعل بقاءه "غير واقعي"

نغم ربيعالثلاثاء 2026/03/31
GettyImages-2196651057.jpg
القرى الثلاث تستعد لعقد اجتماع مشترك للبحث في الخيارات المتاحة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظةٍ تتقدّم فيها المؤشرات العسكرية على ما عداها من إشارات سياسية، جاء قرار الدولة اللبنانية سحب الجيش والقوى الأمنية من بلدات رميش ودبل وعين إبل والطيري وبيت ياحونويُقرأ انسحاب الجيش من هذه القرى أيضاً كمؤشّر إلى احتمال سعي الجيش الإسرائيلي للتقدّم باتجاه رشاف والطيري وبيت ياحونوفي حال حصل تقدّم في هذا الاتجاه، يصبح وجود الجيش في عين إبل وغيرها من المناطق مهدّداً بخطر الحصار الميداني.

كما أنّه بعد استهداف حاجز العامرية أمس، عاد الجيش وانتشر في المنطقة، قبل أن يعمد إلى إخلائها مجدداً، إثر تلقيه رسائل تهديد أجبرته على إعادة الانسحاب. وتشير بعض المعلومات إلى أنّ أقصى حدّ قد ينسحب إليه الجيش، هو مدينة صور.

 

هذا التطوّر يفتح باباً واسعاً من الأسئلة، يتجاوز الإجراء الميداني نفسه إلى دلالاته السياسية والاستراتيجية، وإلى ما يمكن أن يعنيه في سياق الحرب المفتوحة جنوباً، وفي سياق موقع هذه القرى تحديداً داخل معادلة الاشتباك، خصوصاً أن حديثاً سبق أن صدر عن السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى حول وجود تفاهمات غير معلنة لتحييد القرى المسيحية الحدودية عن مسرح العمليات العسكرية. وإذا كانت هذه التفاهمات قائمة فعلاً، فبناءً على أي تقدير أُخلي الجيش؟ أم أن ما يجري يعكس تحوّلاً أوسع في ميزان الحماية الدولية والسياسية لهذه المناطق؟

 

تمهيد لاجتياح؟

يقول محلل عسكري على معرفة بطبيعة العمل في الجنوب لـ "المدن"  إنّ بقاء الوحدات العسكرية في مواقعها يصبح خياراً غير واقعي عندما يرتفع منسوب احتمال الاجتياح الإسرائيلي. "فهو غير قادر على القتال في هذه الحالة، وإذا بقي في موقعه ماذا سيحدث له؟ سيُستهدف عناصره ويُقتَلون، أو يؤسرون، أو يصبحون عملاء". 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يُعدّ انسحاب الجيش مؤشّراً فعلياً على اقتراب اجتياح إسرائيلي لمناطق أبعد من حدود الزهراني؟

 

"حراس الأرض": قرار البقاء

القرى الثلاث تستعد لعقد اجتماع مشترك للبحث في الخيارات المتاحة، وسط ترجيحات بأن يخرج عنه توجه لرفع مذكرة تطالب بحماية دولية.

وإذا حصل ذلك، فهو يعكس انتقالاً واضحاً في لغة الخطاب السياسي المحلي: من التعويل على الدولة اللبنانية إلى البحث عن مظلة حماية خارجية، وهو انتقال لا يحدث عادة إلا في لحظات الانكشاف الكبير أو عند الشعور بتبدّل قواعد الحماية القائمة.

في رميش، جاء موقف كاهن الرعية الأب نجيب العميل حاسماً ومعبّراً عن مزاج عام يتجاوز اللغة الدينية إلى موقف سياسي-وجودي واضح: "يا منموت كلنا وبتروح ضيعتنا، يا منعيش كلنا وبتحيا ضيعتنا. ولن نغادر".

هذا الموقف لا يُقرأ فقط كإصرار على البقاء، بل كرسالة مزدوجة: رفض النزوح من جهة، ورفض تحويل القرى إلى مناطق فراغ أمني من جهة أخرى، خصوصاً أن أبناء هذه البلدات لطالما نظروا إلى أنفسهم بوصفهم "حراس الأرض" على تخوم الحدود. يقول لـ "المدن" "نتكل على الله، وباقون في أرضنا، أساسا إذا أردنا المغادرة الطرق مقفلة". يضيف "الله أعلم بنوايا نتنياهو، هذه حرب لا أحد يعلم ما يحدث فيها".

في الموازاة، يقول جاد، أحد أبناء رميش، إن الأهالي باقون كما أعلن الأب العميل، "خصوصاً أننا معزولون ولا أي اتجاه للمغادرة". 

 

صدمة محلية وحدود قدرة الدولة

الانطباع السائد لدى الأهالي أن ما حدث لم يكن متوقعاً. رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش عبّر عن ذلك بوضوح حين قال إن قرار انسحاب الجيش شكّل صدمة، مضيفاً أن ما يجري "أكبر منا ومن الدولة". ويضيف خريش أن فكرة المغادرة غير واردة، مؤكداً أن الأهالي "لا يريدون النزوح، ولا يريدون إلا البقاء في منازلهم"، والخيار هو "الموت في الأرض".

 

القرى الحدودية ومعادلة التعدد اللبناني

في المحصلة، لا يمكن فصل انسحاب الجيش من هذه القرى عن السياق الأشمل للحرب جنوباً، ولا عن إعادة رسم خرائط النفوذ والحماية في المنطقة الحدودية.

فالقرى المسيحية الحدودية لم تكن يوماً مجرد بلدات طرفية في الجغرافيا اللبنانية، بل شكّلت دائماً جزءاً من معادلة رمزية وسياسية تتصل بفكرة التعدد اللبناني نفسها. ولذلك فإن أي تغيير في وضعها الأمني لا يُقرأ فقط كمناورة عسكرية، بل كمؤشر إلى تحولات أعمق في المشهد اللبناني، وفي موقع الدولة داخل الحرب الدائرة على حدودها.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث