قبل أن تنتهي الحرب، انتهى شيء آخر، شيء لا تُعيده الهدنات ولا تُرمّمه اتفاقيات السلام. لبنان لا يعيش مجرد حرب، بل يعيش حربًا في داخله، في جغرافيته وتوازناته، حربًا تعيد تشكيله بصوت أعلى من القصف نفسه. فالمسألة تجاوزت حدود التداعيات العسكرية، لتتحوّل إلى لحظة تأسيس ديمغرافي وجغرافي بامتياز، عنوانها الأبرز والأكثر إيلامًا: التهجير.
ما يجري اليوم أشبه باقتلاع بطيء من الجذور. فكل يوم يطول فيه الغياب، تتآكل معه إمكانية العودة، وتضيق مساحة المؤقت حتى تكاد تختفي. مع الزمن، سيتحوّل التهجير من حالة انتظار إلى إقامة، ومن إقامة إلى واقع راسخ، في ظل حرب لا تتوقف، وأفق يكاد يكون معدومًا لإعادة الإعمار، أو حتى لمجرد وقف الانحدار. والأشد خطورة أن هذا التهجير لا يُغيّر أماكن الناس وحسب، بل يعيد كتابة توازناتهم وخرائطهم الداخلية. مناطق تتحول تحت ثقل أعداد تفوق طاقتها، فتختنق خدماتها وتتصدّع علاقاتها الاجتماعية. ومناطق أخرى تمحى حجارها وناسها وتُترك معدومة الحياة كالصحراء.
دُفع ما يقارب ربع الشعب اللبناني إلى التهجير، ليضاف إلى أعداد متراكمة من اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وإلى ملف المهجرين من الحرب الأهلية الذي لم يُقفل يومًا. فمنذ اندلاع المواجهات الأخيرة في الجنوب وامتدادها إلى بيروت والبقاع، باتت حركة النزوح تسير بوتيرة تتجاوز كل سابق: قرىً تُفرغ، وبيوت تُقفل على عجل، ومدن تستقبل أفواجًا متلاحقة من العائلات. وهذا كله لا يحدث في فراغ، بل في بلد أنهكته الأزمات المتراكمة واختلّت توازناته الهشة أصلًا، وهو ما يجعل كل حركة فيه مضاعفة الأثر، مركّبة التداعيات.
ثمة خطأ مفاهيمي شائع في قراءة ما يجري: النظر إلى التهجير باعتباره نتيجة للحرب، أثرًا جانبيًا يُعالَج بعد انتهائها. كما يُزال الركام بعد القصف. غير أن الوقائع تكشف صورة مغايرة تمامًا؛ فالتهجير في هذا السياق ليس هامشاً للحرب، بل هو أحد مساراتها العميقة، بل ربما أكثرها ديمومةً وأبعدها أثرًا. كلما طال أمد النزوح، تآكلت إمكانية الرجوع. وكلما تآكلت إمكانية الرجوع، أُعيد بناء الحياة في مكان آخر، حتى تتحول الإقامة المؤقتة إلى استقرار قسري لا يُعلَن عنه، لكنه يُكرَّس يومًا بيوم. عند هذا الحد بالذات يبدأ التحول الفعلي، حين لا يعود أحد يعرف موعد العودة.
لبنان الذي قام تاريخيًا على تداخل جغرافي واجتماعي بالغ التعقيد، يدخل اليوم تدريجيًا في مرحلة إعادة توزيع سكاني غير متوازن. مناطق تتضخم ديمغرافيًا بشكل مفاجئ فتتغيّر ديناميتها الاقتصادية والاجتماعية، ومناطق أخرى تنكمش أو تُفرغ فتفقد وزنها في المعادلة الوطنية. هذه العملية تحدث بشكل تراكمي، لكنها في جوهرها تعيد تشكيل البنية العميقة للبلد: من يسكن أين، وكيف تتوزع الجماعات، وكيف تتقاطع -أو تتصادم- مصالحها داخل الجغرافيا المشتركة.
يبدو الجنوب كنقطة ارتكاز لهذا التحول. فإذا استمر النزوح منه من دون أفق واضح للعودة، فنحن أمام احتمال حقيقي لتثبيت فراغ سكاني جزئي. لكن المشهد لا يتوقف عند الجنوب. فبيروت وجبل لبنان والبقاع تعيد هي الأخرى تشكيل نفسها تحت ضغط الوافدين: مدارس تتحول إلى ملاجئ، وقرىً صغيرة تتمدد على عجل، وأسواق عمل تختلط فيها الحاجة بالهشاشة. في المقابل، المناطق التي تستقبل المهاجرين لا تبقى بدورها على حالها. فهي تمتص أعدادًا كبيرة في وقت قصير، وهذا ما يفرض ضغطًا متصاعدًا على الخدمات والبنية التحتية، ويُنتج تفاعلات اجتماعية جديدة: بعضها تضامني، وبعضها الآخر يحمل في طياته بذور توتر ظاهر. ومع غياب إدارة مركزية فعّالة قادرة على استيعاب هذا الزلزال وتنظيمه، تتحوّل هذه التفاعلات من مرحلة انتقالية إلى واقع موازٍ يُعيد تعريف العلاقات المحلية والهويات الجماعية.
المسألة هنا تتجاوز بكثير بُعدها الإنساني، رغم فداحته. إنها مسألة بنيوية بامتياز. لأن استمرار التهجير من دون سياسات عودة واضحة وقابلة للتطبيق، يعني أنَّ لبنان لا يدير أزمة، بل يعيد تشكيل نفسه تحت ضغطها. فالخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب ذاتها؛ فالحروب، مهما اشتدّت، تنتهي باتفاق أو هدنة أو إرهاق مشترك. لكن ما تخلّفه وراءها من تبدلات ديمغرافية وجغرافية لا يرحل برحيلها، بل يترسّخ ويصبح أرضًا صلبة تُبنى عليها مرحلة جديدة كليًا.
لبنان اليوم لا يقف أمام أزمة عابرة تُحلّ وتُنسى. بل يقف أمام مفترق بنيوي، ربما الأخطر في تاريخه الحديث. فإذا تكرّس المسار الراهن، وتحوّل التهجير من استجابة طارئة لظروف استثنائية إلى آلية هيكلية دائمة لإعادة إنتاج البلد وتشكيله، فإن ما ينتظرنا ليس مجرد تغيير في موازين القوى السياسية، بل شيء أعمق وأشد وطأة وأصعب علاجًا: تغيير في الجيولوجيا الاجتماعية للبنان، في تلك الخيوط غير المرئية التي كانت تجمع المتباعدين في وطن واحد. وعندها، قد يتحوّل لبنان الى كتل سكانية متجاورة لكنها متباعدة في تطلعاتها وأبياتها، أكثر انغلاقًا على نفسها، وأكثر توترًا فيما بينها. فالذين يُبقون هذه الحرب مشتعلة يمحون لبنان كما عرفناه، وبأيدٍ تعرف تمامًا ما تفعل.
