في الثامنة من عمري، زرتُ معلولا للمرة الأولى، بلدةٌ سورية تقع شمال شرق دمشق بنحو 56 كيلومتراً، يحمل اسمها معنى "المدخل" في اللغة الآرامية، هناك، لم تكن الدهشة جغرافية فقط، بل لغوية أيضاً سكانٌ يتحدثون بلسانٍ غريب لم أسمعه من قبل ــ إنها الآرامية، اللغة التي يُنسب إلى السيد المسيح استخدامها، التي بقيت حيّة بلكنة محلية تستقطب علماء اللسانيات المهتمين باللغات السامية القديمة.
لكن المشهد الأكثر رسوخاً في الذاكرة لم يكن اللغة، بل ذلك الممرّ الصخري الضيّق الذي ينفتح فجأة على موكبٍ من الأطفال، كانوا يرتدون ثياباً بيضاء، يحملون أغصان الزيتون، ويمشون بشموعٍ مضاءة.
يومها، ظننت أن الشموع ليست أكثر من وسيلة للإنارة، لاحقاً فقط فهمت أنني كنت أمام طقس ديني عريق عيد الشعانين، أو "أحد السعف".
في التقليد المسيحي، يحيي هذا العيد ذكرى دخول السيد المسيح إلى القدس، حيث استقبله الناس بسعف النخيل وأغصان الزيتون، رمزاً للنصر والسلام، وتعود تسمية "الشعانين" إلى الكلمة العبرية "هوشعنا"، أي "يا رب خلّصنا".
اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، أعود إلى تلك الصورة ــ لكنها هذه المرة غائبة.
في ربيع هذا العام 2026، امتنعت غالبية الكنائس السورية عن إقامة احتفالات الشعانين ومواكب الأطفال، لم يعد هناك شموع في الشوارع، ولا أغصان زيتون تُرفع، ولا أصوات تراتيل تملأ الأزقة القديمة، القرار لم يكن طقسياً، بل أمنياً وسياسياً.
في 28 آذار 2026، أصدرت بطريركية أنطاكية وسائر المشرق توجيهاً يقضي بحصر الاحتفالات الفصحية داخل الكنائس، "نظراً للأوضاع غير المشجعة"، وبالتنسيق مع سائر الكنائس.
جاء القرار عقب أحداث عنف في السقيلبية، المدينة ذات الغالبية المسيحية، حيث شهدت هجوماً نفّذه مسلحون ملثمون، تخللته أعمال تخريب واعتداء على ممتلكات ومدنيين، واستخدام للسلاح، إضافة إلى استهداف رموز دينية.
الحدث لم يبقَ محلياً، فقد عبّر المتروبوليت إسحق، متروبوليت ألمانيا وأوروبا الوسطى للروم الأرثوذكس، عن "صدمة عميقة"، محذراً من أن ما جرى "ليس حادثة معزولة"، بل يأتي ضمن سياق أوسع من تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد العنف ضد الأقليات.
من الشعائر إلى المؤشرات
غياب الشعانين هذا العام لا يمكن قراءته كقرار ديني تقني، بل كمؤشر سياسي واجتماعي عميق الكنيسة لم تعد تشعر بالأمان الكافي للنزول إلى الشارع، والأطفال ــ الذين كانوا يحملون رموز السلام ــ باتوا غائبين عن المشهد العام.
مشهد ليس بالجديد وإن اتى هذه المرة بلبوس مختلف فحتى عام 2011، كان المسيحيون يشكّلون نحو 8–10% من سكان سوريا، موزعين على طيف كنسي واسع: روم أرثوذكس، سريان، موارنة، أرمن، آشوريون، كلدان وغيرهم، كانوا جزءاً عضوياً من النسيج الحضري في دمشق وحلب وحمص والحسكة، وفي بلدات تاريخية مثل معلولا وصيدنايا ووادي النصارى.
غير أن هذا الحضور لم يكن محصّناً، لقد قام على معادلة هشّة حماية مقابل صمت سياسي،. لم يكن استقراراً قائماً على حقوق متكاملة، بل على توازن قابل للانهيار وهو ما حدث فعلاً.
تاريخ طويل من التهجير
تهجير المسيحيين في المشرق ليس ظاهرة حديثة، من أحداث 1860 في دمشق وجبل لبنان، إلى مجازر سيفو 1915 في الدولة العثمانية، وصولاً إلى مذبحة سميل في العراق عام 1933 ــ يتضح أن ما يحدث اليوم ليس سوى حلقة في سلسلة تاريخية من الصدمات.
لكن ما بعد 2011 حمل تحولاً نوعياً، لم يكن التهجير نتيجة استهداف ديني مباشر فقط، بل نتيجة انهيار الدولة، وانتشار السلاح، والخطف، والابتزاز، والخوف من الطائفية، بدأت موجة هجرة مبكرة من الطبقات الوسطى والمتعلمة نحو لبنان والأردن وأوروبا وأمريكا الشمالية.
لاحقاً، ومع صعود تنظيمات مثل تنظيم داعش، أصبح العامل الديني أكثر وضوحاً، خصوصاً في مناطق مثل معلولا وقرى الخابور، حيث تحوّل النزوح إلى اقتلاع مباشر من الأرض.
اليوم، لا توجد أرقام دقيقة، لكن التقديرات تشير إلى تراجع نسبة المسيحيين إلى نحو 2% فقط من السكان، هذا الانخفاض لا يعود فقط إلى العنف، بل إلى عوامل اقتصادية واجتماعية عميقة انهيار العملة، فقدان الخدمات، غياب الأفق السياسي، لم تعد الهجرة مشهداً درامياً دائماً؛ بل أصبحت عملية صامتة، عائلات تبيع ممتلكاتها أو تتركها، شباب يغادرون ولا يعودون، ومؤسسات تفقد قاعدتها البشرية.
حتى بعد تراجع القتال في بعض المناطق، لم تتحقق عودة واسعة، فالعودة تحتاج إلى أكثر من وقف إطلاق النار تحتاج إلى أمان، واقتصاد، وتعويضات، وثقة بالمستقبل وهي عناصر لا تزال مفقودة.
هشاشة مفتوحة
بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024، ظهرت لحظة ترقّب، شارك بعض المسيحيين في القداديس علناً وسط وعود بالحماية، لكن سرعان ما تبددت هذه الآمال جزئياً.
تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، الذي أودى بحياة 25 شخصاً، شكّل صدمة جديدة، تبعته حوادث توتر طائفي، وصولاً إلى أحداث السقيلبية.
المرحلة الحالية لا يمكن وصفها بالاستقرار، ولا بالانهيار الكامل، إنها هشاشة مفتوحة حالة انتقالية قد تدفع مزيداً من المسيحيين إلى المغادرة إذا لم تتحول الوعود إلى ضمانات فعلية.
فالقضية اليوم لم تعد: كم بقي من المسيحيين؟ بل: كيف تغيّرت الجغرافيا المسيحية نفسها؟
ما نشهده هو انتقال من جماعات متجذّرة في مدن وقرى تاريخية، إلى أقليات أصغر، أكثر شيخوخة، وأقل قدرة على إعادة إنتاج وجودها داخل البلاد.
في هذا السياق، برزت محاولات تنظيم سياسي جديدة، مثل تأسيس "الحزب السوري المسيحي الديمقراطي"، كمسعىً لإعادة الصوت والتمثيل، والدفاع عن مفهوم الدولة المدنية القائمة على الشراكة لا الامتياز.
حين تختفي الشموع
حين تختفي الشموع من أيدي الأطفال، لا يكون الأمر مجرد تغيير في طقس ديني، بل علامة على تحوّل أعمق، الشعانين الذي كان يوماً احتفالاً عاماً بالحياة والسلام، بات اليوم صلاةً داخل جدران الكنائس.
أما الرسالة الأوضح، فهي أن الخوف لم يعد حدثاً عابراً، بل أصبح جزءاً من المشهد، وبالرغم من وعود الدولة بمحاسبة المسؤولين عن أحداث السقيلبية وحماية الأقليات، يبقى السؤال مفتوحاً هل تستطيع سوريا أن تستعيد نموذجها التاريخي كأرض للتعدد، أم أنَّ الشموع التي انطفأت هذا العام قد لا تعود قريباً؟
