انتهت المهلة التي وضعتها وزارة الخارجية لمغادرة السفير الإيراني محمد رضا الشيباني الأراضي اللبنانية أمس الأحد، ولم يغادر. إذ لا يزال يمكث داخل مبنى السفارة الكائن في الجناح.
أثناء ذلك، رفضت مصادر مقرّبة من السفارة في بيروت التعليق على الأمر، وهو القرار نفسه المتّخذ في طهران، حيث لم يصدر، منذ اندلاع أزمة طرد السفير وسحب نظيره اللبناني من العاصمة الإيرانية، أي بيان عن وزارة الخارجية في طهران أو عن السفارة في بيروت، وهذا ما يُفهم على أن طهران ليست في صدد تعميق الأزمة.
في هذا الوقت، لا يبدو أن الحكومة اللبنانية، الفاقدة للقدرة على تنفيذ قرار إتخذه -كما تقول- وزير الخارجية يوسف رجّي، في صدد اتخاذ إجراءات إضافية كقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران، بل تنحو نحو اعتبار أن القرار المتخذ بوقف اعتماد السفير كافٍ، ولا مصلحة في الذهاب إلى خطوات تصعيدية. ويكفي، وفق هذا المنطق، نزع الغطاء الدبلوماسي عن السفير وتجريده من حصانته، حتى يمسي حبيس السفارة من دون قدرة على إجراء لقاءات رسمية خارجها. بهذا المعنى، أنتجت السلطة تسوية لبنانية كلاسيكية، على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"..!
اتصالات للاحتواء
يأتي ذلك ثمرة اتصالات وجهود طبعت مرحلة ما بعد اتخاذ القرار بحق السفير، في سبيل احتواء الأزمة. إذ ساد جوّ مفاده أن الدولة التي اندفعت نحو القرار ليست في وارد التراجع عنه، مخافة تسجيل سابقة تُفسَّر ضعفًا أمام الدول التي شكلت مظلة حماية عبر ترحيبها بالقرار.
في المقابل، لم يكن "الثنائي الشيعي"، الذي رفع سقفه إلى أعلى مستوى ممكن، في وارد التراجع عن دعم السفير عبر قرار رفض مغادرته، كما رفض الذهاب إلى مجلس الوزراء لاستتباع الإجراءات، مسجّلًا مقاطعة للجلسة الحكومية الأخيرة. غير أنَّ مصادر مطلعة ترجّح أن تبقى هذه المقاطعة محصورة بتلك الجلسة، دون أن تنسحب على الجلسات المقبلة، لا سيما أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء لم تدعُ بعد إلى جلسة جديدة، ربما بسبب قرب حلول الأعياد لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي.
يقول مصدر حكومي لـِ "المدن" إن المعالجة الأولى سُجّلت خلال الجلسة الماضية، إثر تجنّب رئاسة الحكومة بحث ملف طرد السفير الإيراني في الجلسة، والاكتفاء بما صدر عن وزارة الخارجية، على أن تُستكمل المعالجات عبر الاتصالات السياسية.
بعبدا تتهم معراب بالمشاغبة
في المقابل، بدت رئاسة الجمهورية، التي تورّطت في قرار طرد السفير أو كانت على علم به، كأنها تسجّل انسحاباً تكتيكياً من المشهد، تاركة وزارة الخارجية تتحمّل وزر النتائج والتبعات. هذا الأمر أزعج معراب، بصفتها الراعي السياسي لوزير الخارجية يوسف رجي، والتي أصرت، وفق ما بات معلوماً، على إشراك الرئاسة الأولى في القرار، من خلال التأكيد أن الرئيس جوزاف عون كان على علم به، ما أثار امتعاضاً في بعبدا من طريقة تعاطي معراب وتكرارها للاستهداف بلغ حد وصف ما تقوم به معراب بأنه "مشاغبة سياسية وقرار غير مفهوم بالاستهداف السياسي".
رجي يستنسخ إسلوب ترمب
في موازاة ذلك، سجّلت رئاسة الجمهورية اعتراضاً على الأسلوب الذي اعتمده الوزير رجي في إبلاغ القرار، عبر حسابه على منصة "إكس". وتؤكد مصادر مقرّبة من القصر أن الوزير لم يبلّغ موقفه وفق الأطر الرسمية المرعية، بل علم به عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في تصرّف شُبّه بأسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من دون مراعاة الأصول الدبلوماسية والهرمية.
السفارة "أرض إيرانية"
بموازاة ذلك، تكشف مصادر المعلومات أن القائم بالأعمال الإيراني، الذي استُدعي إلى وزارة الخارجية، أُبلغ شفهياً بمضمون القرار، من دون صدور أي بيان رسمي أو مذكرة خطية، ما دفع الخارجية الإيرانية إلى التعامل مع القرار اللبناني وكأنه غير موجود، في ظل غياب نص رسمي واضح.
بناءً على ذلك، تتعامل طهران، التي تعتبر أن سفيرها موجود على "أراضٍ إيرانية" بحكم وضعية السفارة وفق الاتفاقيات الدولية، مع هذا الواقع كمخرج عملي للأزمة، بحيث يبقى السفير داخل مقر السفارة، من دون مغادرة، مع ترك الاحتمال مفتوحاً على ممارسته نشاطاً سياسياً أو إعلامياً من داخلها، على أن تتعامل الدولة اللبنانية مع أي خرق محتمل.
طهران تفوّض الضاحية
صمت طهران فُسّر، في ضوء تصعيد الثنائي الشيعي، على أنه تفويض ضمني للضاحية الجنوبية، وشريكتها عين التينة، للتعامل مع الملف، باعتباره مسّاً بطائفة مكوِّنة ونزاعاً يأخذ طابعاً داخلياً أكثر منه مسألة دبلوماسية عالقة بين دولتين. وعليه، يُفهم أن إيران، التي تعطي خصوصية للملف اللبناني، تركت للحزب هامش القرار، واضعة نفسها في تصرّفه.
وفي هذا السياق، كان لافتاً موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تولّى الملف شخصياً، في الذهاب إلى حدّ أبعد من الحزب في الدعوة إلى بقاء السفير وعدم مغادرته، وهذا ما أفقد القرار جزءًا أساسيًا من غطائه السياسي الداخلي.
الشيباني ضابطاً في الحرس الثوري؟
في جانب آخر، يشي أداء وزارة الخارجية بمحاولة مستمرة لتبرير القرار، وآخرها ما يتردد من معلومات (لم تكشف مصدرها، وغالباً ليست لبنانية) تفيد بأن السفير الشيباني ليس دبلوماسياً فحسب، بل هو ضابط في الحرس الثوري الإيراني، وأن الهدف من القرار كان استبداله في ضوء الحرب المعلنة التي افتتحها رئيس الحكومة حول وجود ضباط الحرس على الأراضي اللبنانية. إلا أن هذا التبرير يضع الخارجية في موقع حرج وغير متوازن أو مفهوم. إذ شهدت بيروت سابقاً مرور سفراء من خلفيات أمنية واستخبارية من دون تسجيل أي اعتراض رسمي، فيما لا تزال على الأراضي اللبنانية أجهزة استخبارات أجنبية فاعلة تحت الغطاء الدبلوماسي وهناك محطات فاعلة، من دون قدرة الدولة على مواجهتها.
افتعال أزمة سياسية
عملياً، يُتوقع أن يتفاعل قرار رفض السفير الإيراني المغادرة، استناداً إلى غطاء رسمي لبناني يمثله رئيس مجلس النواب نبيه بري، وغطاء سياسي تقوده حركة أمل وحزب الله، إضافة إلى غطاء "الاكليروس الديني" ممثلاً بالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. في المقابل، تتجه "القوات اللبنانية" إلى تصعيد سياسي وإعلامي، معتبرةً أن تجاهل طهران لقرار الدولة يمسّ بالسيادة الوطنية، وسط تحضير لمواجهة سياسية مفتوحة قد تطال السفارة الإيرانية وكل من يغطي هذا الواقع.
