في تَحليلِ المَأزِقِ اللُّبنانيِّ المُتَفاقِمِ، لا يَكفي التَّوقُّفُ عِندَ مَظاهِرِ الأَزمَةِ أَو تَعدُّدِ أَبعَادِها، بَلْ يَقتَضي الغَوصَ في البُنيةِ الذِّهنيَّةِ الَّتي تُديرُها. فَثَمَّةَ فَرقٌ جَوهَريٌّ بَينَ سُلطةٍ تَتَعامَلُ مَعَ الأَحداثِ كَوَقائِعَ طارِئَةٍ تُعالِجُها بِرَدَّاتِ الفِعلِ، وَبَينَ سُلطةٍ تَتَموضَعُ ضِمنَ خِيارِ السِّياساتِ العامَّةِ، حَيثُ تُعادُ صِياغَةُ الأَحداثِ ضِمنَ مَسارٍ استراتيجيٍّ واضِحٍ. بَينَ هٰذَينِ المَنهَجَينِ، يَتَحدَّدُ مَصيرُ الدَّولةِ، لا كَإِطارٍ إِداريٍّ فَحَسبْ، بَلْ كَكيانٍ سِياديٍّ قادِرٍ على البَقاءِ والفِعلِ.
الاستلحاقُ الظَّرفيُّ لَيسَ مُجرَّدَ أُسلوبٍ فِي الحُكمِ، بَلْ هُوَ انزلاقٌ بِنيويٌّ نَحوَ فَقدانِ القُدرةِ على المُبادَرَةِ. هُوَ ذٰلِكَ النَّمطُ الَّذي يَجعلُ السُّلطةَ تَعيشُ في زَمَنِ الأَحداثِ لا فَوقَهُ، تَتَلقّى الصَّدماتِ وتُحاوِلُ امتصاصَها من دُونَ أَنْ تَمتلِكَ القُدرةَ على تَغييرِ مَسارِها. وَفي هٰذا السِّياقِ، لا تَعودُ السِّياسَةُ فِعلًا تَأسيسيًّا، بَلْ تَتحوَّلُ إِلى إِدارةٍ يَوميَّةٍ لِلأَزماتِ، تُراكِمُ التَّسوياتِ الزَّئبقيَّةَ الَّتي تُؤجِّلُ الانفِجارَ من دُونَ أَنْ تَمنَعَهُ.
في المُقابِلِ، تَقومُ السِّياساتُ العامَّةُ على نَقيضِ هٰذا المَنحى. فَهِيَ فِعلٌ يُعيدُ تَعريفَ الدَّولةِ مِن خِلالِ رُؤيةٍ شاملةٍ لِلأَمنِ القَوميِّ، تَدمَجُ بَينَ السِّيادةِ، والحَوْكَمَةِ، والاقْتِصادِ، والهُويَّةِ الوَطنيَّةِ. هٰذِهِ الرُّؤيةُ لا تُعالِجُ الأَعراضَ فَحَسبْ، بَلْ تَستَهدِفُ الأُسُسَ، وَتُعيدُ تَرتيبَ الأَولويّاتِ، وَتُنسِّقُ الأَدواتِ بِما يَضمَنُ فاعِلِيَّةَ القَرارِ السِّياسيِّ.
قِراءةُ التَّجرِبةِ اللُّبنانيَّةِ مُنذَ حَربِ الإسنادِ الأُولى القَسريَّةِ عامَ 2023 تُظهِرُ بوضوحٍ أَنَّ مَنطِقَ الاستلحاقِ الظَّرفيِّ كانَ الحاكِمَ. فَقَدْ زُجّ لُبنانُ قسراً صِراعٍ إِقليميَّ مُعقَّدَ، من دُونَ أَنْ يَمتلِكَ قُدرَةَ تَحديدِ مَوقِعِهِ السِّياديِّ، أَو رَسمِ حدّ حاسم للقوى التي قرّرت زجّه في هذا الصّراع. وَبَدَلَ أَنْ تُبنى سِياسَةٌ واضِحَةٌ تَمنَعُ اسْتِخدامَهُ كَمِنَصَّةٍ لِحروب الغَيرِ، تَحوَّلَتِ السُّلطةُ إِلى مُجرَّدِ مُديرٍ لِلتَّداعِياتِ، تُحاوِلُ احتِواءَ الأَضرارِ من دُونَ أَنْ تَمنَعَ أُسُسَها.
هٰذا النَّمطُ تَكَرَّرَ قبل حَربِ الإسنادِ الثّانِيَةِ القَسريَّةِ عامَ 2026، مَعَ تَضاعُفِ الكُلفةِ وتَعاظُمِ الأَثَرِ. فَالتَّكرارُ هُنا لَيسَ دَليلًا على الثَّباتِ، بَلْ دَليلٌ على العَجزِ عَنِ الانتقالِ إِلى مَستوى السِّياساتِ العامَّةِ. سعت الدّولة إلى تغيير السّرديّة، واتّخذت قرارات سياديّة؛ لكنّ التريّث والمناورة تسيّدتا هذه السّرديّة، خوفاً من. هكذا حينَ تَفشَلُ الدَّولةُ فِي استِيعابِ دُروسِ الأَزماتِ، فَإِنَّها تُعيدُ إِنتاجَها بِأَشكالٍ أَكثَرَ تَعقيدًا، ما يُدخِلُها في دائِرَةٍ مُفرَغَةٍ مِنَ التَّفاعُلِ الَّذي لا يُنتِجُ حُلولًا.
الفَرقُ الجَوهَريُّ بَينَ المَنهَجَينِ يَكمُنُ في مَفهومِ الأَمنِ القَوميِّ. فَفي مَنطِقِ الاستلحاقِ الظَّرفيِّ، يُختَزَلُ الأَمنُ إِلى بُعدٍ أَمنيٍّ ضَيِّقٍ، يُعالِجُ التَّهديداتِ المُباشِرَةَ دُونَ النَّظرِ إِلى أُسُسِها البِنيويَّةِ، أَمَّا فِي مَنطِقِ السِّياساتِ العامَّةِ، فَيُعادُ بِناؤُهُ كَمَنظومةٍ شاملةٍ تُعيدُ رَبطَ السِّيادةِ بِالحَوْكَمَةِ، وَتَربِطُ الأَمنَ بِالاقْتِصادِ، وَتَجعَلُ مِن الهُويَّةِ الوَطنيَّةِ عُنصُرًا فاعِلًا في تَثبيتِ الاستِقرارِ.
وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، يتَبيَّنُ أَنَّ أَزمَةَ لُبنانَ لَيسَتْ أَزمَةَ قُدُراتٍ، بَلْ أَزمَةَ خِياراتٍ. فَحينَ يَغيبُ الإِطارُ السِّياديُّ الجامِعُ، يَتَفكَّكُ القَرارُ السِّياسيُّ، وَيَتَوزَّعُ بَينَ مَراكِزِ قُوى مُتعدِّدَةٍ، ما يُضعِفُ القُدرةَ على التَّماسكِ الوَطنيِّ. في هٰذا التَّفكُّكِ، تَتآكَلُ السِّيادةُ تَدريجيًّا، لِتُصبِحَ مُجرَّدَ شِعارٍ لا يَملِكُ أَدواتِ تَحقيقِهِ.
إِنَّ أَخطرَ ما في الاستلحاقِ الظَّرفيِّ أَنَّهُ يُحوِّلُ الدَّولةَ إِلى كِيانٍ يُدارُ مِن خارِجِهِ. فَبَدَلَ أَنْ تَكونَ القَراراتُ ناتِجَةً عَن رُؤيةٍ وطنيَّةٍ، تُصبِحُ انعِكاسًا لِتَوازُناتٍ خارِجيَّةٍ، أَو لِضُغوطٍ داخِلِيَّةٍ مُتداخِلَةٍ. وَهٰذا ما يَجعَلُ الدَّولةَ عاجِزَةً عَنِ التَّخطيطِ، مَحصورَةً فِي دائِرَةِ التَّفاعُلِ، فَتَفقدُ قُدرَتَها على المُبادَرَةِ وَالتَّأثيرِ.
في المُقابِلِ، يَفتَرضُ الانتقالُ إِلى مَنطِقِ السِّياساتِ العامَّةِ إِعادةَ بِناءِ شاملةٍ، لا تَقتَصِرُ على الإِصلاحِ الإِجرائيِّ، بَلْ تَستَهدِفُ إِعادةَ تَعريفِ الدَّولةِ كَكيانٍ سِياديٍّ. هٰذا المَسارُ يَبدأُ بِتَكريسِ الدُّستورِ كَمَرجِعيَّةٍ حاكِمَةٍ، وَتَوحيدِ الخِطابِ السِّياسيِّ حَولَ الأَولويّاتِ السِّياديَّةِ، وَإِعادةِ تَفعيلِ المُؤسَّساتِ بِمَنطِقِ الكَفاءةِ وَالاستقلاليَّةِ، كَما يَشملُ إِعادةَ تَنظيمِ العَلاقاتِ بَينَ الدَّولةِ وَمُحيطِها، بِما يَضمَنُ عَدَمَ اسْتِخدامِها كَساحَةٍ لِصِراعاتِ الغَيرِ.
يَندَرِجُ ضِمنَ هٰذا المَسارِ إِعادةُ تَحديدِ السِّياسَةِ الدِّيبْلُوماسيَّةِ، بِما يُحَوِّلُها مِن أَداةِ تَفاعُلٍ إِلى أَداةِ مُبادَرَةٍ، تُعيدُ تَموضُعَ لُبنانَ كَدَولةٍ قادِرَةٍ على التَّفاوُضِ وَفْقَ مَصالِحِها الوَطنيَّةِ. وَلا يَكتَمِلُ هٰذا المَشهَدُ من دُونَ تَفعيلِ دَورِ الاغتِرابِ، كَكُتلَةٍ تاريخيَّةٍ قادِرَةٍ على التَّأثيرِ فِي عَواصِمِ القَرارِ، وَدَعمِ المَسارِ السِّياديِّ.
في الخِتامِ، تَبدو المَعادَلَةُ حاسِمَةً. إِمَّا دَولةٌ تُدارُ بِمَنطِقِ الاستلحاقِ الظَّرفيِّ فَتَتآكَلُ، وَإِمَّا دَولةٌ تُبنى بِمَنطِقِ السِّياساتِ العامَّةِ فَتَتَماسكُ وَتَستَعيدُ دَورَها. بَينَ هٰذَينِ الخِيارَينِ، لا مَساحَةَ لِلتَّردُّدِ، لأَنَّ التَّاريخَ لا يَرحَمُ الدُّوَلَ الَّتي تَختارُ أَنْ تَكونَ مُجرَّدَ ساحةٍ لِلأَحداثِ. لُبنانُ اليومَ أَمامَ مَفصَلٍ تاريخيٍّ لا يَحتَمِلُ التَّأجيلَ. فَإِمَّا أَنْ يَبقى أَسيرَ الاستلحاقِ الظَّرفيِّ، حَيثُ تَتَكرَّسُ مَقتَلَةُ الدَّولةِ، وَإِمَّا أَنْ يَختارَ مَسارَ السِّياساتِ العامَّةِ، حَيثُ يُعادُ بِناؤُهُ كَدَولةِ مُواطَنَةٍ سَيِّدَةٍ حُرَّةٍ عادِلَةٍ مُستقِلَّةٍ. التَّاريخُ لا يَنتَظِرُ، وَالدُّوَلُ الَّتي لا تُبادِرُ، تُستَبعَدُ. أَمَّا الَّتي تَمتلِكُ جُرأةَ تَحديدِ مَسارِها، فَهِيَ وَحدَها الَّتي تَبقى.
