بخطى بطيئة ربما، ولكنها مكشوفة، تواصل إسرائيل في الجنوب اللبناني عملية نزع الأقنعة عن أهدافها العسكرية. فهي تخرج من عنوان "العملية المحدودة" لتكشف عن ملامح خارطة جيوسياسية جديدة تسعى إلى فرضها بقوة النيران، وفيها تَحول الميدان إلى منصة للدخول في سيناريوهات خطرة وطويلة الأمد.
فللمرة الأولى، أعلنت إسرائيل توغل قواتها في الجنوب اللبناني عبر الناحية السورية من جبل الشيخ. وهذا ما يثير المخاوف من مناورة الالتفاف الكبرى التي لطالما تحدث عنها الخبراء، والتي تسعى إسرائيل من خلالها إلى تطويق خطوط الدفاع الأمامية لحزب الله في الجنوب، والنفاد نحو البقاع الغربي وصولاً إلى البقاع الشمالي بهدف قطع الشرايين وضرب العمق الاستراتيجي ومخازن القدرة الصاروخية، بعيداً من المواجهة المباشرة في القرى الحدودية، ما يعني محاولة عزل الجنوب عن ظهيره البقاعي بالكامل.
وأما العنصر الثاني، الأكثر خطورة، الذي ظهر اليوم، فيكمن في التصريحات المسربة عبر الإعلام العبري نقلاً عن مسؤولين أمنيين، والتي تؤكد نية إسرائيل البقاء في الجنوب اللبناني لأشهر، وربما لسنوات. وأما ذريعة عدم قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله فلم تعد إلا غطاءً سياسياً لواقع ميداني تسعى إسرائيل إلى تثبيته. وهذا ما يعيد إلى الأذهان حقبة ما قبل العام 2000، ولكن بصيغة أكثر دموية وتوسعاً. وإذ كشفت إسرائيل كذاك إصرارها على البقاء حتى "ما بعد انتهاء الحرب"، فإنها عملياً تعلن تحويل الجنوب إلى "منطقة عازلة" دائمة، خاضعة لسيطرتها العسكرية المباشرة. وهذا ما يضع السيادة اللبنانية هناك أمام اختبار خطير. وأعلن بنيامين نتنياهو أنه أوعز بتوسيع المنطقة العازلة الأمنية الحالية في جنوب لبنان.
كل ذلك فيما الدولة اللبنانية تتخبط بمآزق داخلية، وبفشل الرهان على الدبلوماسية، حيث الحديث عن القرار 1701 والمفاوضات السياسية بات باهتاً جداً أمام اندفاع الآليات الإسرائيلية التي تكاد تلامس الليطاني في القطاع الشرقي، وفق ما أشارت مصادر عسكرية اليوم. وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الجغرافيا اللبنانية مستباحة من زوايا متعددة، ما يزيد الوضع تعقيداً. وفي ظل الاحتلال الطويل الأمد، سيكون لبنان في مواجهة مخاطر القضم التدريجي الذي لا يُعرف إذا كان سيتوقف عند حدود الليطاني.
تطورات الميدان
في تصعيد لافت، ادّعى الجيش الإسرائيلي أن قواته دخلت جنوب لبنان عبر الجولان السوري، في سابقة من هذا الاتجاه، مشيرًا إلى تنفيذ عملية خاصة لوحدة جبلية تابعة للواء 810.
ووفق ما قاله المتحدث أفيخاي أدرعي، فإن القوات عبرت من جبل الشيخ في الجانب السوري إلى جنوب لبنان، ونفذت عمليات تمشيط وجمع معلومات استخبارية في تضاريس جبلية معقدة.
وأضاف أن قوات الفرقة 210 تواصل انتشارها في المنطقة بهدف "حماية أمن سكان الشمال".
ميدانياً، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت مواقع وقوات إسرائيلية، شملت قصف قاعدة بيريا شمال صفد بالمسيّرات، واستهداف قوة مدرعة في دير سريان، إضافة إلى إطلاق صاروخ دفاع جوي على مروحية في أجواء العديسة ما أجبرها على الانسحاب. كما طالت الهجمات مواقع المالكية ومحفاه ألون، ومستوطنتي المطلة وشتولا، وموقع الغجر، إلى جانب قاعدة راوية في الجولان السوري المحتل.
في المقابل، تحدثت هيئة البث الإسرائيلية عن أضرار مادية كبيرة في المطلة جراء صواريخ أُطلقت من لبنان.
على الجبهة اللبنانية، استمرت الغارات الإسرائيلية، فسُجّل سقوط ضحايا في الحنية وجويا، فيما استهدفت غارات بلدات في قضاء صور وأطراف بعلبك، بينها دبعال وباتوليه ودير قانون رأس العين، بالتوازي مع قصف مدفعي طال البياضة وبنت جبيل. كما توغلت قوة إسرائيلية فجراً في كفرشوبا، حيث نفذت عمليات تفتيش قبل انسحابها.
نفق الحدود اللبنانية السورية
وفي تطور لافت، أعلنت وزارة الدفاع السورية اكتشاف نفق ثانٍ على الحدود مع لبنان خلال 24 ساعة، يُستخدم لعمليات تهريب، مؤكدة إغلاقه. وكان نفق مماثل قد عُثر عليه سابقًا قرب حوش السيد علي غرب حمص.
بالتوازي، عززت القوات السورية انتشارها على الحدود مع لبنان عبر وحدات من حرس الحدود والاستطلاع، بهدف ضبط الحدود ومكافحة التهريب، ونفت دمشق أي نية للدخول إلى الأراضي اللبنانية، مؤكدة أن الإجراءات تأتي لتفادي الانخراط في النزاعات الإقليمية.
البقاء في الجنوب
واعتبر تقرير لصحيفة معاريف، أن الصورة الميدانية مقلقة في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يعتمد ما يُعرف بـ"الدفاع المتقدم"، حيث حشد عشرات الآلاف من الجنود على الحدود وداخل الأراضي اللبنانية، لكنه اكتفى بالسيطرة على نقاط محدودة، متوقفًا على مسافات قصيرة من الخط الحدودي.
وبحسب التقرير، فإن هذا النمط القتالي يضع القوات في موقع حساس، إذ تكون الأولوية لتفادي الخسائر، ما يمنح حزب الله هامشًا أوسع للاستنزاف عبر تكثيف الهجمات بالصواريخ المضادة للدروع وقذائف الهاون، وهو ما انعكس في ارتفاع عدد الإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال الفترة الأخيرة.
في السياق نفسه، يطرح التقرير تساؤلات حول الأهداف الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن الخطة العسكرية تسعى للوصول إلى نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح حتى الخط الأزرق، في مسار يعيد إلى الأذهان نموذج "الشريط الأمني" الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان خلال الثمانينيات والتسعينيات، مع ما رافقه حينها من استنزاف طويل الأمد.
ويخلص كاتب التقرير إلى أن إسرائيل دخلت مجددًا إلى الجنوب بقوة عسكرية كبيرة، لكنها تفتقر إلى رؤية سياسية واضحة أو تصور لمرحلة "اليوم التالي"، وهو ما بدا جليًا مع توقف القوات تحت الضغط الميداني واستمرار تعرضها لإطلاق النار، بالتوازي مع تضرر الجبهة الداخلية في شمال إسرائيل.
هذا التقويم يتقاطع مع ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت، التي تحدثت عن توجه داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية للإبقاء على القوات في جنوب لبنان لفترة طويلة، تمتد لأشهر وربما لسنوات، في إطار محاولة فرض واقع أمني جديد على الحدود، ما يعزز فرضية الانتقال من عملية عسكرية محدودة إلى تموضع طويل الأمد يحمل ملامح الإحتلال أو إعادة إنتاج تجربة الشريط الأمني بصيغة مختلفة.
AUB و LAU
ونفت الجامعتين الأميركيتين في بيروت (AUB وLAU) صحة الأنباء عن إجراءات استثنائية بسبب تهديدات إيرانية، مؤكّدتين أنّ ما يُتداول مجرّد شائعات.
وأوضحت AUB أنها لم تتلقَّ أي تهديد مباشر، لكنها ستعتمد التعليم عن بُعد مؤقتًا كإجراء احترازي، فيما أكدت LAU عدم تلقي أي تحذيرات أمنية واستمرار العمل الأكاديمي بشكل طبيعي. هذا وكان "الحرس الثوري" قد هدد جامعات أميركية في المنطقة، ردًا على ضربات طالت جامعات في إيران.




