معراب 3 "إنقاذًا للبنان": الحرب والسيادة وحدود التنفيذ

بتول يزبكالسبت 2026/03/28
C:\Users\Rainbow10\Desktop\201507\20150723\سمير جعجع\13.jpg
حاول جعجع أن يقدم المؤتمر كأنه مبادرةٌ دفاعية لا هجومية. (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

رغم كارثيّته، يبدو الوضع الرّاهن مرشّحًا لمزيدٍ من التدهور. هذه، ربّما، الحقيقة اللّبنانيّة الوحيدة اليوم. ليس ما مرّ وانقضى وحده هو السّيّئ، على قسوته، بل ما يتقدّم الآن أيضًا. فالسنوات القليلة الماضية، بكلّ ما حملته من انهيارٍ ماليّ، وشللٍ سياسيّ، وتراجعٍ مؤسّساتيّ، لم تعد وحدها ما يُخيف. الخشية الفعليّة باتت من المرحلة الّتي تلي، من لحظةٍ تتداخل فيها الحرب مع النّزوح، ويتقدّم فيها القلق الأمنيّ على ما عداه، فيما تعود الهواجس الأهليّة إلى الواجهة كلّما اتّسعت رقعة الاستهداف الإسرائيليّ لمناطق لبنانيّةٍ لجأ إليها نازحون من الجنوب والضّاحية الجنوبيّة لبيروت والبقاع، وما تطرحه من فرضيات شقاقٍ أهليّ، أو ما هو أسوأ منه. 

في هذا المناخ، انعقد مؤتمر "معراب 3، إنقاذًا للبنان" في المقرّ العامّ لحزب "القوّات اللّبنانيّة"، بوصفه محاولةً سياسيّةً لتجميع موقفٍ معترضٍ على استمرار "حزب الله" في جرّ لبنان إلى الحرب، خارج قرار الحكومة والدّستور والبيان الوزاريّ. حضرته أحزابٌ وشخصيّاتٌ ووزراء ونوّاب، وغابت عنه قوى أخرى، في مقدّمها الحزب التّقدّميّ الاشتراكيّ (الذي زار وفدٌ منه معراب، أمس).  وهذا وحده يكشف أنّ المؤتمر، على أهمّيّته، لم يكن لحظة إجماعٍ وطنيّ، بل أقرب إلى محاولة ضغطٍ سياسيّ منظّمة، أرادت أن تقول إنّ هناك فريقًا واسعًا في البلد لم يعد مستعدًّا للتكيّف مع واقع السّلاح والحرب والوقائع المفروضة.

 

عرضٌ للمأزق

المؤتمر، في جانبٍ أساسيّ منه، لم يكن حدثًا استثنائيًّا بقدر ما كان تعبيرًا عن مأزق. فالقوى الّتي اجتمعت في معراب لم تكتشف فجأةً أنّ لبنان يعيش خارج منطق الدّولة، ولم تُفاجأ بأنّ قرار الحرب والسّلم ما زال خارج المؤسّسات. هذه مسألة تقولها منذ سنوات. الجديد ليس في التّشخيص، بل في توقيته وحدّته، وفي محاولة تحويله من خطابٍ سياسيّ متكرّر إلى ما سُمّي "خريطة طريق".

ففي كلمته الافتتاحيّة، وضع رئيس "القوّات اللّبنانيّة" سمير جعجع السّقف السّياسيّ للمؤتمر، حين شدّد على أنّ الإدارات اللّبنانيّة معنيّةٌ بتطبيق قرار الحكومة القاضي بإبعاد السّفير الإيرانيّ من لبنان، معتبرًا أنّ القرار اتُّخذ بالتّنسيق بين رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ووزير الخارجيّة، وأنّ عدم تنفيذه يعرّض البلاد لمزيدٍ من الأخطار. وقال أيضًا إنّ الاجتماع "ليس عداءً لحزب الله، بل لتجنيب لبنان ما هو أسوأ".

سياسيًّا، حاول جعجع أن يقدّم المؤتمر كأنّه مبادرةٌ دفاعيّة لا هجوميّة، وكأنّ المطلوب منع الانفجار لا توسيع الاشتباك. لكنّ هذا الخطاب، على تماسكه، يصطدم سريعًا بواقعٍ معروف: "حزب الله" لا يتعامل أصلًا مع هذا النّوع من المؤتمرات باعتبارها عنصر ضغطٍ فعليّ، بل بوصفها جزءًا من خصومةٍ سياسيّةٍ مستمرّة. ومن هنا، فإنّ قوّة الكلام تبقى مرتبطةً بقدرة الدّولة على تبنّيه. فإذا لم تتحوّل قرارات الحكومة إلى أفعال، يصبح كلّ ما قيل مجرّد تسجيل موقفٍ إضافيّ.

 

"خريطة طريق" مرتفعة السقف

البيان الختاميّ للمؤتمر جاء واضحًا وحادًّا (راجع "المدن"). حمّل المجتمعون "حزب الله" والنّظام الإيرانيّ مسؤوليّة إدخال لبنان في الحرب، واعتبروا أنّ قرار "إسناد غزّة"، ثمّ الانخراط في مواجهةٍ أوسع، جرى خارج المؤسّسات الدّستوريّة وبفعل فائض السّلاح. ودعوا الحكومة إلى توثيق كلّ الأكلاف النّاجمة عن الحرب، من نزوحٍ وإعادة إعمارٍ وخسائر اقتصاديّة مباشرة وغير مباشرة، تمهيدًا لمطالبة إيران بتسديدها أو اللّجوء إلى المرجعيّات الدّوليّة المختصّة. كما أعلنوا عزمهم المطالبة بإنشاء محكمةٍ خاصّة، وطنيّة أو مختلطة أو ذات طابعٍ دوليّ، لملاحقة المسؤولين عن إدخال لبنان في الحرب.

في ملفّ السّلاح، قال المؤتمر ما أراد كثيرون قوله منذ وقتٍ طويل بعبارةٍ أكثر صراحة، إنّ استمرار وجود سلاحٍ خارج إطار الدّولة لم يعد مسألة خلافٍ سياسيّ، بل خطرًا وجوديًّا. ودعا إلى التنفيذ الصّارم لقرارات مجلس الوزراء، ولا سيّما تلك الصّادرة في 5 و7 آب 2025 و2 آذار 2026، وإلى استكمال نشر الجيش في جميع المناطق، بدءًا من بيروت. كما لوّح بإمكان استعانة الدّولة بقوّاتٍ دوليّة إذا تعذّر فرض السّيادة بالقوّات الذّاتيّة، استنادًا إلى البند 12 من القرار 1701 والفصل السّابع من ميثاق الأمم المتّحدة.

 

الحضور السّياسيّ

وضمّت لجنة صياغة مقرّرات المؤتمر النّوّاب جورج عدوان، سليم الصايغ، ميشال معوّض، ميشال الدّويهي، والعميد جوني خلف، وصالح المشنوق، والإعلاميّين بشارة شربل، وعلي حمادة، ومروان الأمين. وهذا التّكوين عكس رغبةً في إعطاء المؤتمر طابعًا عابرًا لحزب "القوّات" وحده. كما أنّ حضور شخصيّاتٍ وأحزابٍ متعدّدة منح الحدث وزنًا سياسيًّا لا يمكن إنكاره.

إلّا أنّ الغياب بقي أكثر تعبيرًا من الحضور في بعض جوانبه. فغياب الحزب التّقدّميّ الاشتراكيّ، ومعه قوى أخرى، أظهر أنّ المسافة ما زالت قائمة بين منطق "الجبهة السّياديّة" الصّلبة، وبين محاولات إنتاج مساحةٍ أوسع للنّقاش الوطنيّ. صحيح أنّ زيارة وفدٍ اشتراكيّ إلى معراب في اليوم الذي سبق حملت إشارةً إلى عدم قطع الخيوط، لكنّها في الوقت نفسه دلّت على أنّ كثيرين يفضّلون النّقاش الثّنائيّ.

 

ماذا قالت المداخلات، وماذا أخفت؟

في مداخلاتهم لـ"المدن"، حاول المشاركون إعطاء المؤتمر مضمونًا يتجاوز الطابع التّعبويّ. النّائب السّابق باسم الشّاب قال إنّ لبنان في مأزق، وإنّ اللّحظة تحتاج إلى إجماعٍ وطنيّ وإلى خارطة طريق، معتبرًا أنّ أهمّيّة الاجتماع تكمن في أنّ معظم الحاضرين هم من صلب الدّولة. وهذه إشارة مهمّة، لأنّها تنقل المؤتمر من خانة الاعتراض إلى خانة محاولة التّأثير في القرار الرّسميّ. كما شدّد على أنّ لبنان لم يستنفد بعدُ خياراته الدّبلوماسيّة، وأنّ الوقت حان لتفعيلها بدل انتظار ما سيحدث.

أمّا النّائب غياث يزبك، فاعتبر أنّ المؤتمر هو مؤتمر "لإيقاظ لبنان"، وأنّ خطر عدم إنتاج اللّبنانيّين حلولهم بأنفسهم سيؤدّي إلى فرض حلول الآخرين عليهم. كلامه عبّر عن هاجسٍ قديمٍ جديد في آن، أنّ الفراغ الدّاخليّ هو الدّعوة المفتوحة لكلّ تدخّلٍ خارجيّ. لكنّ هذا المنطق، رغم وجاهته، يتجاهل جزئيًّا أنّ جزءًا من المأزق سببه أيضًا عجز القوى المعترضة نفسها عن بناء توازنٍ داخليّ مستدام، لا الاكتفاء برفع الاعتراض عند كلّ انفجار.

غسّان حاصباني ركّز على أنّ الحكومة اتّخذت قرارها، واعتبرت "حزب الله"، وجناحه العسكريّ تحديدًا، خارجًا عن القانون، وأنّ المرحلة التّالية يجب أن تكون مرحلة تطبيق هذا القرار من قبل أجهزة الدّولة. هذا، في الواقع، جوهر الاختبار. لأنّ المؤتمرات يمكن أن تُعقد كلّ أسبوع، لكنّ القيمة السّياسيّة الفعليّة تبدأ حين تُظهر المؤسّسات أنّها قادرةٌ على التّصرّف وفق قراراتها لا وفق ميزان الرّدع الذي يفرضه السّلاح.

كمال شحادة شدّد بدوره على أنّ الهدف هو الوصول إلى دولةٍ تملك السّيادة الكاملة على أراضيها، وتتّخذ قرار الحرب والسّلم بنفسها، وتحصر السّلاح بالقوى الشّرعيّة، مؤكّدًا أنّ القرار المتّخذ بحقّ السّفير الإيرانيّ لا تراجع عنه. لكنّ هذا الكلام، مثل غيره، يبقى معلّقًا على ما إذا كانت الحكومة ستذهب فعلًا إلى نهاية قرارها أم ستتوقّف عند حدود الرّمز.

أنطوان حبشي رفض الحديث عن شقاقٍ أهليّ، معتبرًا أنّ الصّراع الحقيقيّ هو بين الدّولة وفريقٍ خارج سلطتها، لا بين اللّبنانيّين أنفسهم. وغادة أيّوب ذهبت في السّياق نفسه، فرأت أنّ "معراب 3" يأتي في لحظةٍ شديدة الحساسيّة، وأنّ المطلوب دعم عهد الرئيس جوزاف عون وحكومة نواف سلام، وتمكين قراراتها من أن تجد طريقها إلى التّنفيذ. لكنّ نفي الشّقاق الأهليّ لا يكفي وحده لإزالته من الهواجس. فكلّ خطابٍ مرتفع السّقف في لحظة حربٍ ونزوحٍ وتعبٍ جماعيّ، يحتاج إلى دقّةٍ مضاعفة، لأنّ البلد لم يعد يحتمل كثيرًا من التّجارب النّظريّة.

 

ما الذي كشفه "معراب 3" فعلًا؟

في المحصّلة، أهمّيّة المؤتمر لا تكمن فقط في ما قاله، بل في ما كشفه. كشف أنّ هناك بيئةً سياسيّةً واسعة لم تعد تقبل بإدارة الانهيار على قاعدة التّكيّف مع السّلاح. وكشف أيضًا أنّ هذه البيئة تريد الانتقال من التّحذير إلى المطالبة بالتّنفيذ والمحاسبة. لكنّه، في الوقت نفسه، كشف حدودها. فهي قادرةٌ على جمع حلفاء، وعلى إنتاج نصٍّ سياسيّ واضح، وعلى رفع السّقف.غير أنّ القيمة الفعليّة للمؤتمر لا تُقاس فقط بارتفاع سقفه، بل أيضًا بقدرته على ملامسة الواقع من دون الانفصال عنه. فالمؤتمر نجح في تسمية المشكلة بوضوح، أي في القول إنّ أصل الأزمة لا يكمن في الحرب وحدها، بل في الجهة التي تقرّر الحرب خارج المؤسّسات. وهذه نقطة أساسيّة. لكنّ الانتقال من التّشخيص إلى التّنفيذ يبقى أكثر تعقيدًا.

فالمطالبة بتطبيق قرارات الحكومة، وبسط سلطة الدّولة، ونشر الجيش، وحصر السّلاح بيد المؤسّسات الشّرعيّة، كلّها مطالب مشروعة وضروريّة وتنسجم مع منطق الدّولة والدّستور. أي نجح "معراب 3" في توسيع الاعتراض، وفي إعطائه لغةً أكثر تنظيمًا ووضوحًا، وفي منح الحكومة دفعًا سياسيًّا إذا أرادت أن تبني عليه. لكنّه، في الوقت نفسه، فتح على سؤالٍ أكبر، هل تملك الدّولة اللّبنانيّة فعلاً الإرادة والقدرة لتحويل هذا المناخ إلى مسارٍ تنفيذيّ؟ هنا تبدأ المرحلة الأصعب، وهنا أيضًا يتحدّد ما إذا كان المؤتمر سيبقى حدثًا سياسيًّا مهمًّا، أو يتحوّل إلى نقطةٍ تأسيسيّة في مسار استعادة الدّولة.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث