الحرب الأخيرة: سقوط المسلّمات الموروثة

أحمد جابرالسبت 2026/03/28
Image-1774635346
القتال يدور الآن ضد عدو يستعيد احتلاله للأرض (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في سياق معركة طوفان الأقصى، كتبتُ: إنها الحرب الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة. وفي سياق حرب إسناد الأقصى، من لبنان، كتبت: إنها الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة، وفي السياقين ذاتهما، كتبتُ: الحرب بما هي أخيرة ليست ختاماً للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي سيستمرّ بأساليب مختلفة، من قبل أجيال مختلفة، تبدأ من الجديد الواقعي، الذي يجمع دروس التاريخ وخلاصات معاينة الحاضر.

الحرب الأخيرة، استمرت في لبنان بعد "اتفاقية وقف الأعمالال عدائية"، وها هي اشتعلت بعنف، في امتداد استهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في صيغة دعم من قبل الطرف اللبناني، لمركز مرجعيته، وفي صيغة ردٍّ على تمادي إسرائيل في عدوانها.

ومع ذلك هي الحرب الأخيرة التي أطفأ اشتعالها الأوّل الموروث الشعاري النضالي، والموروث التوظيفي السياسي، والموروث "الخيالي" الفكري – السياسي، الذي رافق العرب عموماً، واللبنانيين خصوصاً، على مدى أعمارٍ وأعمار.

 

جردَة سريعة، كي لا يطول الوقوف على الأطلال، نقرأ منها: التضامن العربي، الثورات العربية، الأنظمة التقدمية، دول الصمود والتصدّي، الكفاح المسلّح الطويل الأمد. الوحدة والحرية والاشتراكية. العروبة عروَة العرب الوثقى، لبنان الرسالة، الدولة المقاوِمة، المقاومة الضامنة، الوطنية اللبنانية، الحياد اللبناني... هذا في البيوت العربية، وفي الدساكر اللبنانية، أمّا دولياً فحدّث ولا تنسى عن النجدة الأممية التي لم تصلْ إلى بيروت المحاصرة، وحدّث إقليمياً عن الدعم الإيراني الذي لم يحصل إبّان حرب إسناد غزّة من لبنان، وحدّث وأطنب في الحديث، عن السياسة التوظيفية "للمنصّة" اللبنانية، من قبل القريب السوري العربي مثلاً، ومن قبل "النسيب" الإيراني البعيد، كمثلٍ ومثالٍ أيضاً.

لماذا افتتاح القول بذكر المسلّمات الموروثة، وبالتذكير بها؟ هذا للقول، إن الحرب الحالية، فقدت غطاءها الفكري الواسع، عربياً ولبنانياً بعد ثلاث محطات متتالية، أوّلها اتفاق كمب ديفيد، الذي أخرج مصر من ميدان القتال، فأخرج معها الآخرين، عمليّاً، وثانيةُ المحطات تاريخ اتفاق أوسلو الذي وضع حدّاً لسيرة "الكفاح المسلح"، أما المحطة الثالثة، فهي سنة استكمال تحرير الجنوب عام 2000، حيث كانت المفارقة إعلان النصر على المحتل، وإعلان الخروج على الداخل اللبناني، عمليّاً أيضاً، إنما بأساليب مواربة، ومن أبواب السياسة الخلفية. المفارقة أن اللبنانيين، عاشوا في ظل مقاومة مستدامة، من دون أرض محتلّة، طيلة ربع قرنٍ من الأعوام، وها هم يتابعون عيشهم في سنة زائدة عن "الربع"، تحيط بهم نيران القتل، ولوعة وسطوة الاقتلاع والارتحال.

 

هذا الواقع الناري، لا يعيد استنبات المسلّمات التي سقطت، في كل ميدان من ميادين المسلّمات، وكل استعادة في هذا السياق، تتخذ شكل تضليل سياسي مقصود، وتتخذ شكل افتراق فئوي موصوف، أما النتيجة فتعميق الافتراق في بنية الداخل المهترئة في أصلها، وتعميق الفرقة، حدّ العداء، مع دول خارجية، عربية وغير عربية، بسببٍ من جرّ لبنان إلى محورٍ ليس من اختياره، وإلى تحميله وزر سياسات المحور، فيصيبه من هذه السياسات، غُرْمُها، ويُمنعُ عنه غنمُها، كبلدٍ يحاول الإفلات من وطأة التوظيف، ومن ثقل أحماله.

ما سبق من تذكير وذكر، لا يختم القول، بل يمهّد له، فالراهن المتفجِّر يُلقي بمسؤولياته على الجميع، والمسؤولية السياسية فعلٌ حاضرٌ وراهن، من مدخل معاينة الحدث، في أسبابه وفي نتائجه، ومن مدخل السلوك الذي لا يطيل الوقوف أمام سبب الواقعة، ليذهب سريعاً إلى الانخراط في مواجهة نتائجها.

كما هو معلوم، انفجرت الحرب الدائرة بعد صواريخ "الثأر" التي أطلقت من لبنان، هذه إشارة إلى أن للمعركة الدائرة بدايتها، فإذا صار الأمر معلوماً، وَجَبَ الذهاب إلى شدّة المعركة وإلى بلوغ حركاتها الميدانية ما بلغته، للقول: إن للمعركة بدايتها ومراحلها البدئية والاستطرادية، في خزانة "غرف العمليات" الإسرائيلية. عليه، يمكن القول إن للمعركة الحالية بداية من قرارين: أحدهما أعلنته المقاومة الإسلامية، والثاني كان جاهزاً للإعلان لدى "الأركان" الإسرائيلية. والحال، أن السبب الطارئ، استتبع السبب الجاهز، لذلك، يجب الذهاب إلى متابعة الخطتين الجاهزتين، في حالة "غبّ الطلب" مقاوماتياً، وفي حالة الاستعداد المسبق، في الحالة العدوانية. 

 

يستدعي العرض، إلقاء نظرةٍ على سير المعركة، فالثقل السياسي انتقل إلى ميدان الحركة العسكرية، وما كان "مناوشة" على الحدود، صار قتالاً داخل الأرض اللبنانية. إذن ما القول التقريبي وليس التقريري في معادلة "الأرض"، التي يشغلها جيش نظامي، تواجهه مجموعات فدائية مقاتلة. قراءة الأمر من عنوانه، تنبئ باختلال ميزان القوى، وفي اختلاف أساليب إدارة القتال. يتفوق الجيش النظامي عدداً وعدّة ووسائل ضبط وسيطرة، ويتفوّق المقاتلون بقوّه الإرادة، وبعزيمة التصميم، وبشجاعة حقهم في أرضهم، وفي الدفاع عنها ضد المحتل، هذا أخلاقياً، وهم، أي المقاتلون، يتفوّقون بالهجوم السريع، وبالانسحاب السريع، وبالاختفاء بين تضاريس الأرض، التي هم أبناؤها.

لكن التفوّق الأخلاقي للمقاومة، لا يكفي وحده لكسر تفوق الآلة العسكرية المعادية، لذلك صارت النتيجة الآن، تقدّماً متواصلاً لتشكيلات العدو، وفق الخطط المرسومة سابقاً، ووفقاً للتعديل أو للتأخير الذي يحصل بسبب من المواجهة التي تلقاها هذه التشكيلات.

أسلوبان، يتواجهان: إضرب وانسحب، هذا حتى لا نعتمد جملة "إضرب واهرب" المعهودة. هذا يمكن تسميته اشتباكاً "تراجعياً"، وليس انسحاباً تصح نسبته إلى التشكيلات القتالية، وليس إلى المجموعات الفدائية. يضرب المقاوم على خطوط التقدم، مباشرة، أو تلغيماً، أو نسفاً، أو قصفاً، أو باللجوء إلى عوائق طبيعية.

 

ويضرب العدو بأسلحة تشكيلاته، تواكبه أسلحة تشكيلات الدعم الجوية والبحرية، فيعمد إلى السيطرة على مواقع "مفتاحية"، تتيح له التقدم على محاور فرعية، وفق حركة المناورة المباشرة، أو المناورة الالتفافية، أو الإنزال المتقدم... ودائماً حسب خطة التوغّل الأساسية.

خلاصة ذلك: خلاصة أولى، ووفقاً لبيانات المقاومة، هي أن العدو قد نجح في تقدمه إلى مواقع جديدة، وخلاصة ثانية، أن الداخل الإسرائيلي لم يحدث ردّ فعل شعبي، يعرقل خطة "الجيش" أو يدخل تعديلات عليها، وخلاصة ثالثة، هي أنه في حساب الخسارة "الأسلوبية"، يدفع اللبنانيون كلفة أعلى بكثير من تلك التي يدفعها الداخل الإسرائيلي... في هذا المضمار لا حاجة لشرح الأمر، فأمر اللبنانيين واضح للعيان، وما لا يكشفه بيان، يلمسه "الأهل" في بالعين وبالبنان.

لقد امتدت حسابات الربح والخسارة من خوض المعركة الحالية، لكن ومن حالة المواكبة، ومن دون جعل قتال العدو موضع خلاف بينما النار تحيط بالجميع، ومن موقع المسؤولية، ما الذي يمكن قوله حتى يكون ممكناً لاحقاً فعله؟

 

طلباً لصيانة شيء مما بقي من حالة "الوطنية" العامة، سيكون ضرورياً ومجدياً وجدياً طلب وقف الخلاف الحادّ في الداخل، حول المعركة المستمرّة في الجنوب. لماذا؟ لأن القتال يدور الآن ضد عدوّ يستعيد احتلاله للأرض اللبنانية التي أُخْرِج منها.

طلب وقف الخلاف من العموم، يرافقه طلب وقف قصف الداخل الإسرائيلي من قبل حزب الله، والالتزام بضبط الردّ على القوة العسكرية المعادية. هذا يعني وقف التراشق الصاروخي، فهذا كما سبق القول، قليل الجدوى في الداخل، وكبير الجدوى في الميدان.

نضيف فنقول: إن ضبط الرّد فوق الأرض الوطنية يكتسب شرعيته الكاملة، والرّد خارج الأرض الوطنية، سيظل مساهمة في الدفاع عن دولة أجنبية. نقص شرعية ورفض هنا، وشرعية وقبول هناك. هذا الأمر شديد الأهمية، لأنه يؤسس لوقف الانشطار الحاصل بين اللبنانيين، ولأنه يرفع ولو مؤقتاً، صفة الفئوية الأهلية عن المقاتلين، فالمعلوم المكتوم، كلّه، صار معلوماً بالجهر ببعضٍ من أجزائه. في السياق هذا، يجب أن يؤخذ على محمل "النذير" بدء الجهر بأن القتال قتال "الشيعة". الارتباط ارتباط "مذهب"، ولا علاقة للمصلحة الوطنية بذلك... هذا مزاج يتطلب استدراكاً، إذا كنّا نطلب بلداً مثل البلدان، وهذا مزاج مرشّح لفتح كل الاحتمالات، إذا وقع صوت النذير على آذان "الطرشان"...

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث