حيث يعلو صوت الميدان، يغيب صوت المبادرات السّياسيّة. وحين يغدو العدوان الإسرائيلي عنيفًا ووحشيًّا، لا يستثني من اعتداءاته مسعفًا، أو إعلاميًّا، أو مراهقًا يلتقط صورة.
في يوم الشّهداء في لبنان، يُشيَّع مسعفٌ شهيدًا، فيصبح هو الشّهيد، وإعلاميٌّ ينقل الحدث، فيتحوَّل استهدافه إلى حدث. فيما تتوالى بيانات الإدانة والاستنكار، لكن ماذا بعد؟ لا شيء سوى حراكٍ سياسيٍّ خجول، بقي أسير المقرّات الرّئاسيّة، في وقتٍ انقطع فيه التّواصل بين الرّئاسات، وإن التقت على إدانة العدوان الذي استهدف الإعلاميّين في الجنوب.
وبعد ما يزيد على أسبوعين على مبادرة لبنان للتّفاوض المباشر مع إسرائيل، لم يتلقَّ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون جوابًا إيجابيًّا. وكان قد أبدى استعداده لإرسال السّفير سيمون كرم للتّفاوض منفردًا باسم لبنان، إلّا أنّ هذا الاقتراح لم يلقَ تجاوبًا. والرّسالة الوحيدة التي تلقّاها لبنان مفادها أنّ إسرائيل تريد تثبيت خطوط النّار بشروطها، وقد طوت صفحة "الميكانزم"، ولم يعد لاتّفاق وقف إطلاق النّار من أثر، وهي تُصرّ على تفاوضٍ تحت النّار وفق توقيتها.
أمّا في ما يتعلّق بالحراك المصري أو الفرنسي، فقد أكّدت مصادر سياسيّة مطّلعة لـ "المدن" أنّ الأفكار المصريّة اصطدمت برفض "حزب الله"، الذي أحال وفد المخابرات المصريّة إلى رئيس مجلس النّواب نبيه برّي. وتبيّن أنّ مصر لا تزال تبحث مع "حزب الله" في إمكانيّة فصل مساره عن الحرب على إيران، وتقترح تجميد عمله المسلّح، وتسليم مخازن أسلحته إلى الجيش، بحيث تكون تحت إشرافه.
يوم دمويّ بتوقيع إسرائيلي
وعلى الأرض، كان يومٌ دمويٌّ بتوقيعٍ إسرائيليٍّ واضحٍ للعيان. شهداء بالعشرات، حيث امتزجت دماء عسكريَّين من الجيش اللّبناني صودف مرورهما أثناء غارةٍ على دير الزّهراني، مع دماء مسعفين بعدما غدرت بهم إسرائيل، مرتكبةً مجزرةً في زوطر، لتستكمل سجلّ إجرامها باستهدافٍ مباشرٍ للجسم الإعلامي في جزّين، ما أدّى إلى استشهاد الإعلاميّين علي شعيب، وفاطمة فتوني، والمصوّر الصّحافي محمد فتوني، وأحمد عنيسة، وجرح آخرين.
ترجمت إسرائيل بنك أهدافها بجملة استهدافات، في تصعيدٍ لافتٍ يتجاوز كونه اعتداءً عابرًا. وجعلت استهداف الصّحافيّين ضمن مسار عدوانها على لبنان، في إطار نمطٍ ممنهجٍ ومتكرّر، يوازي في طبيعته وخطورته الاستهدافات التي تطال المسعفين، والقطاع الصّحي، والبنى التّحتيّة الحيويّة، من جسورٍ وطرقٍ ومرافق عامّة ومحطّات محروقات.
هذا النّهج يعكس مقاربةً عسكريّةً تقوم على توسيع دائرة الأهداف لتشمل كلّ من يساهم في توثيق ما يجري، وفضح الجرائم الإسرائيليّة. ولا يقتصر هدف إسرائيل على طمس الصّورة والصّوت والكلمة، بل تمعن في تحقيق مسارٍ أوسع يسعى أيضًا إلى إضعاف البيئة المدنيّة برمّتها، عبر ضرب الإعلام لمنع نقل الوقائع، واستهداف المسعفين لتعطيل الاستجابة الإنسانيّة، والضّغط على القطاع الصّحي لإرباك قدرته على الاستيعاب، إلى جانب قطع الشّرايين الحيويّة عبر تدمير الجسور والبنى التّحتيّة.
نموذج غزّة يتقدَّم
تريد إسرائيل فرض واقعٍ ميدانيٍّ قاسٍ، يقترب في أهدافه من نماذج شهدتها ساحاتٌ أخرى، تمامًا كما غزّة، وهو ما يؤكّده مسؤولون في إسرائيل بشكلٍ دائم عبر تهديد لبنان بتحويله إلى غزّة ثانية، حيث تسعى إلى تحويل مناطق بأكملها إلى مساحاتٍ منهكةٍ ومعزولة، تعاني من شللٍ تدريجيٍّ على مختلف المستويات.
إنّها صورة تختصر حجم التّصعيد واتّساع دائرة الاستهداف. ويأتي ذلك بالتّوازي مع تكثيف الغارات وإلقاء مناشير تحذيريّة، بما يعكس تصعيدًا منظّمًا يتدرّج بين الضّغط النّفسي والميداني، ويؤشّر إلى مرحلةٍ أكثر حدّةً من الاعتداءات. صورةٌ لا تقتصر على الخسائر البشريّة والماديّة فحسب، بل تتعدّاها إلى محاولة إعادة تشكيل المشهد الدّاخلي برمّته، عبر إنهاك المجتمع وضرب مقوّمات صموده.
جريمة حرب سافرة
بالموازاة، سُجّلت مواقف مندّدة باستهداف الصّحافيّين في كفرحونة. رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون اعتبرها جريمة حرب سافرة "تنتهك جميع الأعراف والمعاهدات التي يتمتّع الصّحافيّون بموجبها بحمايةٍ دوليّةٍ في الحروب، وفقًا لاتّفاقيّات جنيف للعام 1949 وبروتوكولاتها، وتحديدًا المادّة 79 من البروتوكول الإضافي الأوّل (1977)، والقرار 1738 لمجلس الأمن (2006)، ممّا يحظر استهداف الصّحافيّين والإعلاميّين، طالما لم يشاركوا مباشرةً في الأعمال العدائيّة". وأدان بشدّة الاعتداء، وطالب "الجهات الدّوليّة كافّة بالتّحرّك لوقف ما يحصل على أرضنا، ونكرّر العزاء لذوي الشّهداء وللجسم الصّحافي والإعلامي في لبنان".
وقال رئيس مجلس النواب نبيه بري إن" شهادتهم اليوم المعمدة بالدماء هي الحقيقة المطلقة حول طبيعة العدو الذي يستهدف لبنان ورسالية إنسانه ، هو بما لا يدع مجالا للشك جريمة حرب ترتكبها اسرائيل مع سبق الاصرار والترصد في مخالفة صريحة لكل القوانين والاعراف الإنسانية، نضعها برسم المجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية والانسانية لوجوب التحرك سريعا من اجل وقف الحرب التدميرية الاسرائيلية التي تستهدف لبنان وكل مقومات الحياة فيه، وهي دعوة للبنانيين لوجوب التمسك بالوحدة فيما بينهم، الوحدة ثم الوحدة".
من جهته، دان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام استهداف إسرائيل مجدّدًا للجسم الإعلامي. وقال: "إنّ استهداف الإعلاميّين يُشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدّولي الإنساني، وخرقًا واضحًا للقواعد التي تكفل حماية الصّحافيّين في زمن الحرب. إنّ لبنان، الذي يقدّر عاليًا حرّيّة الإعلام ودوره، يؤكّد تمسّكه بحماية الصّحافيّين، ويدعو إلى احترام قواعد القانون الدّولي، وصون حياة المدنيّين، ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة التي تطالهم. وباسم الحكومة، أتقدّم بأحرّ التّعازي إلى عائلات الشّهداء علي شعيب، وفاطمة فتوني، ومحمد فتوني، وزملائهم".
على المقلب الآخر، اعترفت إسرائيل بتعمّد استهداف الإعلامي في قناة "المنار" علي شعيب. وادّعى المتحدّث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أنّ "الجيش هاجم في جنوب لبنان وقضى على علي حسن شعيب، وهو عنصر في وحدة الاستخبارات التّابعة لوحدة قوّة الرّضوان في حزب الله". وزعم أنّ "شعيب عمل في صفوف حزب الله متخفيًّا بصفة صحافيٍّ في شبكة المنار، حيث دأب بشكلٍ منهجيٍّ على كشف مواقع قوّات جيش الدّفاع العاملة في جنوب لبنان وعلى خطّ الحدود، وكان على تواصلٍ مستمرٍّ مع عناصر أخرى في وحدة قوّة الرّضوان على وجه الخصوص، وفي حزب الله عمومًا". وأضاف: "إضافةً إلى ذلك، عمل علي شعيب على التّحريض ضدّ قوّات الجيش ومواطني إسرائيل، مستخدمًا منصّته كوسيلةٍ لنشر موادّ دعائيّةٍ لحزب الله".
مؤتمر معراب ورفع السّقف الدّاخلي
محليًّا، لم يمرّ مؤتمر معراب، المنعقد تحت عنوان "إنقاذًا للبنان"، بوصفه مجرّد موقفٍ حزبيٍّ عابر، بل شكّل محاولةً واضحةً لرفع سقف الاشتباك السّياسي في الدّاخل. وفي افتتاح اللّقاء، شدّد رئيس حزب "القوّات اللّبنانيّة" سمير جعجع على أنّ الإدارات اللّبنانيّة معنيّةٌ بتطبيق قرار الحكومة القاضي بإبعاد السّفير الإيراني من لبنان، مشيرًا إلى أنّ القرار اتُّخذ بالتّنسيق بين رئيسَي الجمهوريّة والحكومة ووزير الخارجيّة، ومعتبرًا أنّ عدم تنفيذه يعرّض البلاد لمزيدٍ من المخاطر. وقال جعجع إنّ ما يشهده لبنان اليوم هو نتيجة مسارٍ طويلٍ سبق أن حذّر منه خلال السّنوات الماضية، معربًا عن أمله في أن يكون "حزب الله" قد استخلص العبر ممّا جرى في العامَين الماضيَين، تجنّبًا للأسوأ، مؤكّدًا أنّ الاجتماع "ليس عداءً لحزب الله، بل لتجنيب لبنان ما هو أسوأ".
المؤتمر، الذي انعقد من دون حضور الصّحافيّين داخل القاعة، اختُتم بالإعلان عن بنود "خريطة طريق" اقترحتها "القوّات" بهدف إنهاء الحرب واستعادة قرار الدّولة. وفي بيانه الختامي، دعا المجتمعون الحكومة إلى توثيق جميع الأكلاف النّاجمة عن الحرب، من نزوحٍ وإعادة إعمارٍ وخسائر اقتصاديّة مباشرة وغير مباشرة، تمهيدًا لمطالبة الدّولة الإيرانيّة بتسديدها، أو اللّجوء إلى المرجعيّات الدّوليّة المختصّة. كما أعلنوا عزمهم المطالبة بإنشاء محكمةٍ خاصّة، وطنيّة أو ذات طابعٍ دوليٍّ أو مختلط، لملاحقة المسؤولين عن إدخال لبنان في الحرب واستخدام أراضيه خارج إرادة الدّولة.
وفي ملفّ السّلاح، أكّد البيان أنّ استمرار وجود سلاحٍ خارج إطار الدّولة "لم يعد مسألة خلافٍ سياسيٍّ، بل خطرًا وجوديًّا"، داعيًا إلى التّنفيذ الصّارم لقرارات مجلس الوزراء، ولا سيّما تلك الصّادرة في 5 و7 آب 2025 و2 آذار 2026، واستكمال نشر الجيش فورًا في جميع المناطق، بدءًا من بيروت. كما رأى المجتمعون أنّه، في حال تعذّر فرض السّيادة بالقوّات الذّاتيّة، يمكن للدّولة، بقرارٍ من مجلس الوزراء، الاستعانة بقوّاتٍ دوليّة انطلاقًا من البند 12 من القرار 1701 والفصل السّابع من ميثاق الأمم المتّحدة، "حمايةً للبنان من أن يبقى فريسةً لمن يستبيح أراضيه". كذلك جدّدوا تمسّكهم بالقرارات الدّوليّة 1559 و1680 و1701، وأعلنوا دعمهم مبادرة رئيس الجمهوريّة إلى "التّفاوض المباشر وصولًا إلى حلٍّ جذريٍّ ينقذ لبنان نهائيًّا".
وعلى المستوى الدّاخلي، حذّر البيان من تصاعد "مناخ التّرهيب الممنهج" بحقّ الحرّيّات العامّة، ولا سيّما حرّيّة الرّأي والتّعبير والإعلام والعمل السّياسي، معلنًا التّضامن مع عددٍ من وسائل الإعلام التي قال إنّها تتعرّض لتهديدات، ومطالبًا القضاء والأجهزة الأمنيّة بملاحقة كلّ من يحرّض أو يهدّد علنًا. وفي بندٍ منفصل، استنكر المجتمعون الاعتداءات الإيرانيّة على عددٍ من الدّول العربيّة، بينها السّعوديّة، والإمارات، وقطر، وسلطنة عُمان، والكويت، والبحرين، والأردن، معتبرين أنّه "لا منطق يبرّر هذه الاعتداءات"، ولا سيّما أنّ هذه الدّول اتّخذت، وفق البيان، موقفًا محايدًا من الصّراع القائم، وسعى بعضها إلى إيجاد حلٍّ دبلوماسيٍّ له.
ووجّه البيان رسالةً إلى أهالي الجنوب والبقاع والضّاحية الجنوبيّة لبيروت، مؤكّدًا أنّ الدّعوة إلى حصر السّلاح بيد الدّولة "ليست موجّهةً ضدّهم، بل هي حمايةٌ لهم ولجميع اللّبنانيّين"، ومعلنًا التّضامن مع المواطنين النّازحين، ومطالبًا الدّولة بتحمّل مسؤوليّاتها كاملةً في حفظ أمن النّازحين والمضيفين على حدٍّ سواء. وختم المجتمعون بالتّأكيد أنّ لبنان يقف اليوم "أمام خيارٍ من اثنين، إمّا دولة، وإمّا لا دولة"، مشدّدين على أنّهم اختاروا "الدّولة"، وسيخوضون مع المسؤولين فيها "معركة استعادتها حتّى النّهاية".
لكنّ أبرز ما سُجّل في بيان معراب، سياسيًّا وإعلاميًّا، كان غياب ذكر إسرائيل بالاسم، وعدم تضمّنه إدانةً مباشرةً لاستهداف الصّحافيّين، على الرّغم من أنّ جعجع كان قد استهلّ المؤتمر بالوقوف دقيقة صمتٍ عن أرواح ضحايا الحرب. وهي مفارقةٌ فتحت الباب واسعًا أمام التّساؤل عمّا إذا كان رفع السّقف في مواجهة "حزب الله" قد طغى على أولويّة تسمية المعتدي نفسه، في لحظةٍ كان فيها الجسم الإعلامي اللّبناني يدفع ثمنًا دمويًّا مباشرًا للعدوان الإسرائيلي.
بين جمود السّياسة ووحشيّة الحرب
هكذا، يتقدّم المشهد الميداني على ما عداه، وتبقى السّياسة في موقع المتفرّج، أو في أفضل الأحوال في موقع العاجز عن إنتاج مبادرةٍ قابلةٍ للحياة. إسرائيل تُواصل فرض وقائع النّار، وتوسّع لائحة أهدافها لتشمل الإنسان والصّورة والصّوت والبنية والمرفق، فيما لبنان الرّسمي يكتفي بالإدانة، ولبنان السّياسي ينقسم بين منطق الدّولة ومنطق تصفية الحسابات.
والنّتيجة أنّ البلد يُدفع أكثر فأكثر إلى حافّة نموذجٍ مروّع، تُصبح فيه الحرب أداةً لإعادة هندسة الدّاخل، لا مجرّد مواجهةٍ عسكريّةٍ على الحدود، فيما يُترك المدنيّون، والمسعفون، والصّحافيّون، في مواجهة آلة قتلٍ لا ترى في الكاميرا إلّا خطرًا، ولا في الحقيقة إلّا هدفًا مشروعًا.




