في لحظةٍ لبنانيّةٍ شديدة الهشاشة، تتقدّم فيها نار الحرب على ما عداها، وتتمدّد معها خرائط النّزوح والهلع العموميّ، عادت الهواجس الأهليّة إلى الواجهة مع اتّساع رقعة الاستهداف الإسرائيليّ لمناطق لبنانيّةٍ لجأ إليها نازحون من الجنوب والضّاحية الجنوبيّة لبيروت والبقاع. ومع كلّ غارةٍ جديدة، لا تتضاعف المخاوف الأمنيّة فحسب، بل تتنامى أيضًا الخشية من انزلاق البلاد إلى اصطفافاتٍ داخليّةٍ حادّة، تعيد فتح جروحٍ لم تندمل منذ عقود.
وفي مقابل هذا المشهد العبثيّ، خرجت صباح اليوم، ومن بيروت، أقلّيّةٌ مدنيّةٌ وأخلاقيّةٌ لتقول "لا" في وجه الخطاب الطّائفيّ والتّحريضيّ الذي يضيق به الفضاء العامّ اللّبنانيّ. فقد دعا خرّيجو وطلّاب جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان "AUNOHR" إلى مؤتمرٍ صحافيّ في الجميّزة، أعقبته وقفةٌ رمزيّةٌ في الشّارع أمام المركز الإداريّ للجامعة، تحت عنوان مواجهة خطاب التّحريض الطّائفيّ في لبنان.
تفتيت التّوازن الهشّ
تحت ضغط النّار، يبرز في البلاد كثيرون يشيرون مباشرةً إلى مسؤوليّة "حزب الله" وتهوّره في جرّ لبنان إلى حربٍ من غير إشراكٍ أو استشارةٍ أو رضى سائر الجماعات اللّبنانيّة، تحت مبدأ "تقرير المصير". وفي موازاة ذلك، تتكثّف المحاولات الإسرائيليّة الدؤوبة لفتح "دفاتر الثّأر" الطّائفيّة القديمة، واستثمار التصدّعات الدّاخليّة، وتغذية مناخٍ يسهّل تحويل العدوان الخارجيّ إلى مناسبةٍ لتفجير الداخل.
وسط هذا التداخل، يحاول كثيرٌ من اللّبنانيّين لملمة ما تبقّى من روابط اجتماعيّةٍ وسياسيّة، وطيّ صفحةٍ فتحت قبل أربعين عامًا وما زالت آثارها المؤذية حيّةً في الذّاكرة العامّة. غير أنّ الوقائع الميدانيّة، وما يرافقها من خطابٍ تعبويٍّ متفلّت، تدفع تدريجيًّا نحو سيناريو لطالما سعى اللبنانيّون إلى تأجيله، أي سيناريو الشّقاق الأهليّ، باستدراجٍ خارجيٍّ خبيثٍ، وواقعٍ داخليٍّ هشٍّ وقابلٍ للاشتعال. ومن هنا، لا تعود المواجهة محصورةً بين عدوانٍ عسكريٍّ خارجيٍّ وبلدٍ منكوب، بل تصبح أيضًا مواجهةً مع خطابٍ داخليٍّ يهدّد السّلم الأهليّ، ويحوّل الألم الجماعيّ إلى مادّةٍ للتّحريض، بدل أن يكون مدخلًا إلى التّضامن الوطنيّ.
في هذا السّياق، اكتسب تحرّك طلّاب وخرّيجي "AUNOHR" دلالةً تتجاوز حجمه العدديّ، لأنّه جاء في لحظة "خجلٍ" وتردّدٍ تعيشها مدنٌ وعواصم كثيرةٌ إزاء ما يتعرّض له لبنان، وفي لحظةٍ تتجدّد فيها المخاوف من الفتنة أكثر ممّا تتقدّم فيها مبادرات الحماية والاحتواء.
وأشار منظّمو الوقفة، في حديثهم إلى "المدن"، إلى أنّ التحرّك يأتي "في ظلّ تصاعد الخطاب الطّائفيّ والتّحريضيّ، ولغة العنف، والانقسامات، والتّهديدات المتزايدة للسّلم الأهليّ"، مؤكّدين أنّ "أخطر ما يهدّد لبنان اليوم ليس فقط الحرب والتهجير، بل الانزلاق نحو التّفكّك الدّاخليّ والخوف من الفتنة"، وأنّ الوقفة تهدف إلى "التّعبير عن موقفٍ إنسانيٍّ ومواطنيٍّ في خضمّ الحرب الدّائرة والعدوان على لبنان". وهذه الرّسالة تنسجم مع ما تشدّد عليه الجامعة، بوصفها مؤسّسةً تعنى بثقافة اللّاعنف وحقوق الإنسان في لبنان.
ما بعد الوقفة
والحال فإنّ هذه الوقفة الرمزيّة لن تُغير في موازين الحرب، ولن توقف ماكينة التّحريض المتفلّتة من ضوابط الأخلاق والسّياسة، لكنّها قد تعيد التّذكير بأنّ ثمّة من لا يزال يتمسّك بإمكان قيام خطابٍ آخر، خطابٍ يرفض تحويل التنوّع اللّبنانيّ إلى مادّة اقتتالٍ دائم، ويرفض أيضًا أن تختزل المأساة الوطنيّة في بازار التّخوين والاصطفاف.
وفي بلدٍ يقف على حافّة أكثر من انهيار، يصبح هذا النّوع من المبادرات ضرورةً مدنيّةً لا ترفًا سياسيًّا. فحين تتراجع الدّولة، ويتقدّم السّلاح، وتتعاظم المخاوف، يغدو الدّفاع عن السّلم الأهليّ فعلًا مقاومًا بحدّ ذاته، لا سيّما حين يقال بوضوح: "لا" للفتنة، "لا" للثّأر، و"لا" لتحويل الحرب إلى مناسبةٍ لتفكيك المجتمع من داخله.
