بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

المدن - سياسةالجمعة 2026/03/27
Image-1774624560
ميدانيًا، يمكن القول إن إسرائيل وصلت هنا إلى أبعد نقطةٍ قتاليةٍ معلنةٍ في الجنوب اليوم. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ميدانيًّا، يمكن توصيف اليوم القتاليّ، بأنّه يوم "تثبيت تماسٍّ متقدّم" أكثر من كونه يوم اختراقٍ حاسم. الجيش الإسرائيليّ واصل التقدّم على أكثر من محورٍ في جنوب لبنان، لكنّ الصورة الّتي ترسمها المعطيات الميدانيّة تُظهر أنّ هذا التقدّم بقي محفوفًا باشتباكاتٍ مباشرة، وكمائن مضادّةٍ للدروع، ونيران مدفعيّةٍ وجويّةٍ كثيفة، بما حال دون تحويله إلى سيطرةٍ ميدانيّةٍ صافيةٍ وسريعة. الثقل الأوضح للمعارك بقي في القطاع الشرقيّ، على محور الطيبة، القنطرة، دير سريان، مع ضغطٍ متزايدٍ أيضًا على القطاعين الأوسط والغربيّ، ولا سيّما حول دبل، بيت ليف، البيّاضة، ومحيط بلدات صور الجنوبيّة..

الخلاصة الميدانيّة الأوضح اليوم هي الآتية: التوغّل الإسرائيليّ بلغ، محور القنطرة ودير سريان في قضاء مرجعيون، أي إلى عمقٍ يتجاوز القرى الحدوديّة الأولى، مع استمرار وجودٍ وضغطٍ ناريٍّ وحركيٍّ على محاور دبل، بيت ليف، القوزح، والبيّاضة، إضافةً إلى قصفٍ طال بلداتٍ أبعد في أقضية صور، النبطيّة، وبنت جبيل. بعبارةٍ أخرى، لم يعد التوغّل محصورًا بـ"ملامسة الحدود"، بل صار محاولة ربط عدّة جيوبٍ قتاليّةٍ داخل حزامٍ واحدٍ متدرّج..

 

المحور الشرقيّ: الأعمق والأكثر سخونةً

هذا هو المحور الأثقل اليوم بلا منازع. التقارير الميدانيّة أشارت إلى استمرار القتال على محور الطيبة، القنطرة، دير سريان، مع حديث عن اشتباكاتٍ متقطّعةٍ وانفجاراتٍ على هذا الخطّ منذ الصباح، وتأكيدٍ آخر على أنّ الجيش الإسرائيليّ دفع أعمق في هذا القطاع محاولًا الإمساك بالقنطرة ودير سريان، وهما بلدتان تبعدان أكثر من تسعة كيلومترات عن الخطّ الأزرق..

وعلى هذا المحور تحديدًا، كانت طبيعة الاشتباك هجوميّةً، مضادّةً للدروع، أكثر منها دفاعًا ثابتًا. "حزب الله" أعلن كمينًا في القنطرة، قال فيه إنّه استدرج وحدةً مدرّعةً إلى "منطقة قتل" قبل استهدافها بصواريخ موجّهة، وأعلن أيضًا تدمير دبابات "ميركافا" وجرافات D9 على محور الطيبة، القنطرة، واستهداف مروحيّةٍ كانت تحاول إجلاء الجرحى. وفي دير سريان، أعلن الحزب استهداف دباباتٍ إضافيّةً والاشتباك بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة مع قوّةٍ متوغّلة. هذه الروايات لا يمكن الجزم بكلّ أرقامها بشكلٍ مستقلّ، لكنّها تتطابق مع الإقرار الإسرائيليّ بوقوع قتلى وجرحى في هذا القطاع، ما يثبت على الأقلّ شدّة الاشتباك وفعاليّة النيران المضادّة للتوغّل..

ميدانيًّا، يمكن القول إنّ إسرائيل وصلت هنا إلى أبعد نقطةٍ قتاليّةٍ معلنةٍ في الجنوب اليوم، لكنّها لم تحوّل هذا الوصول إلى استقرارٍ مريح، بل دخلت في بيئة "تماسٍّ لزج" يكثر فيها الاستهداف القريب للمدرّعات والوحدات المتحرّكة. لهذا يبدو المحور الشرقيّ اليوم محور تقدّمٍ إسرائيليّ، لكنّه أيضًا محور نزفٍ واستنزاف.

Image-1774624161
الجيش الإسرائيليّ دفع أعمق في هذا القطاع محاولًا الإمساك بالقنطرة ودير سريان، وهما بلدتان تبعدان أكثر من تسعة كيلومترات عن الخطّ الأزرق..

 

المحور الأوسط:  قتال القرى المتداخلة وكسر الاندفاعة

في القطاع الأوسط، تمحورت الاشتباكات اليوم بين دبل، بيت ليف، والقوزح، مع امتداد القصف إلى عيناتا، حدّاثا، حارث، كفرا، ياطر، وصديقين. أمّا بيانات الحزب فأشارت إلى أنّ المعارك استمرّت ليلًا وصباحًا في دبل وبيت ليف، وأنّ مقاتليه استهدفوا جنودًا وآليّاتٍ قرب دبل وفي خلّة الجوار شرق بيت ليف، بينما تحدّثت تغطياتٌ أخرى عن استمرار الضغط الإسرائيليّ على هذا الحزام القرويّ في بنت جبيل..

أهمّيّة هذا المحور أنّه يشكّل "القلب الرابط" بين الشرق والغرب. فإسرائيل تحتاجه لربط تقدّمها في مرجعيون بضغطها في قطاع صور وبنت جبيل، فيما يحتاج "حزب الله" إلى إبقائه مشتعلًا كي يمنع هذا الربط. لذلك نرى هنا نمطًا مختلطًا من الاشتباك: رشقاتٌ صاروخيّةٌ على تجمّعاتٍ وآليّات، صواريخ موجّهة، قصفٌ مدفعيّ على الطرقات والمحاور، واستهدافاتٌ بالطائرات المسيّرة، كما حدث في عيناتا. هذا يعني أنّ المحور الأوسط ليس "أهدأ" من الشرقيّ، بل أقلّ وضوحًا من حيث حجم التوغّل المباشر، وأكثر أهمّيّةً من حيث وظيفته في تقطيع مسار أيّ اندفاعةٍ إسرائيليّةٍ متّصلة.

وبالتقدير الميدانيّ، لا يظهر أنّ الجيش الإسرائيليّ حسم هذا المحور اليوم، بل إنّه يتقدّم فيه بالنار أكثر ممّا يتقدّم فيه بالتمركز الثابت. أي إنّ حضوره هنا ما زال أقرب إلى "فتح ثغرات" و"جسّ دفاعات" و"منع إعادة التموضع"، لا إلى إمساكٍ مريحٍ بالقرى أو بخطوطها الداخليّة.

Image-1774624314
أهمّيّة هذا المحور أنّه يشكّل "القلب الرابط" بين الشرق والغرب. فإسرائيل تحتاجه لربط تقدّمها في مرجعيون بضغطها في قطاع صور وبنت جبيل.

 

المحور الغربيّ: الساحل تحت النار ومحاولة الالتفاف

في القطاع الغربيّ، برز اليوم محور البيّاضة، جنوب صور وعلى الساحل، بوصفه نقطة الاشتباك الأوضح. وأفيد بأنّ الجيش الإسرائيليّ حاول منذ صباح الجمعة التقدّم نحو البيّاضة، فيما أعلن "حزب الله" استهداف دبّابة "ميركافا" جنوب غرب البلدة بصاروخٍ موجّه، ثمّ استهداف جنودٍ قال إنّهم تسلّلوا إلى منزلٍ على أطرافها. بالتوازي، طاول القصف الإسرائيليّ مجدل زون، هنيّة، المنصوري، قليلة، والرماديّة، ما يكشف أنّ الضغط الغربيّ لا يقتصر على نقطةٍ واحدة، بل يشمل الشريط الساحليّ الجنوبيّ لصور..

هذا المحور مهمّ لسببين. أوّلًا، لأنّه يتيح لإسرائيل، إن نجحت، الالتفاف من الساحل وتخفيف العبء عن محاور الداخل. وثانيًا، لأنّه يضغط على خطّ صور الجنوبيّ، أي على عقدةٍ مدنيّةٍ ولوجستيّةٍ وسياسيّةٍ حسّاسة. 

وقد شكل تقدم الجيش الإسرائيليّ تغيرًا واضحًا في مخططاته التكتيكية، فالتقدم بات على شكل "دائري" في تغيير واضح عن الاستراتيجية التي اعتمدها عام 2024 عندما دخل من الضهيرة الى طير حرفا وصولًا الى شمع والبياضة، هذه المرة دخل من الناقورة، ونفذ التفافًا على القرى في الخط الامامي التي يعتبرها ساقطة عسكريًا ووصل الى اطراف البياضة التي يخوض فيها اشباكات مع حزب الله.

التوغل الاسرائيلي بات على عمق اكثر من 6 كلم داخل الاراضي اللبنانية على الأقلّ، وسط استبسال في محاولات صدّ التقدم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، الى اي مدى يريد الاحتلال الوصول داخل الأراضي اللبنانية، وبهدف ماذا، إحتلال نقاط دائمة، ام استخدام ذلك في ورقة المفاوضات، ام العودة الى الشريط الحدودي القديم؟

 

Image-1774624391
هذا المحور مهمّ لسببين. أوّلًا، لأنّه يتيح لإسرائيل، إن نجحت، الالتفاف من الساحل وتخفيف العبء عن محاور الداخل. وثانيًا، لأنّه يضغط على خطّ صور الجنوبيّ، أي على عقدةٍ مدنيّةٍ ولوجستيّةٍ وسياسيّةٍ حسّاسة. 

وفي هذا الإطار، فإنّ توجيه إنذارٍ إلى سجد، شمال الليطاني وجنوب الزهراني، لا يندرج فقط في باب الاستهداف الجوّيّ، بل يكشف أنّ إسرائيل تريد توسيع هامش التهديد في الخلفيّة الغربيّة والوسطيّة، بحيث لا تبقى المعركة محصورةً في الحافة الحدوديّة. وهذا تطوّرٌ يرفع منسوب الضغط على العمق المدنيّ، ويشير إلى رغبةٍ في تفريغ مساحاتٍ إضافيّةٍ بالقوّة أو بالإنذار.

 

الاشتباكات اليوم كانت من أربعة أنواعٍ متداخلة.

  •  أوّلًا، اشتباكات تقدّمٍ مدرّعٍ إسرائيليّ، شاركت فيها دبابات "ميركافا" وجرافات D9 ووحداتٌ بريّة، مع تغطيةٍ من المدفعيّة والطيران والمسيّرات، وهو ما يظهر في المحور الشرقيّ خصوصًا، وفي البيّاضة غربًا. 

  • ثانيًا، اشتباكات "كسر التقدّم" من جانب "حزب الله" باستخدام الصواريخ الموجّهة المضادّة للدروع، والعبوات الناسفة، والأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، ونيران الصواريخ على تجمّعات الجنود والآليّات.

  •  ثالثًا، استهدافاتٌ جويّةٌ إسرائيليةٌ واسعةٌ طاولت القرى والطرق والمنازل والسيّارات، من صور إلى النبطيّة فبنت جبيل. 

  • رابعًا، استمرار استخدام المسيّرات والإنذارات بالإخلاء كجزءٍ من إدارة المعركة..

 

أما أبرز ما صدر إسرائيليًّا اليوم كان تصريح المتحدّث العسكريّ للإعلام الأجنبيّ إيفي دفرين بأنّ القوات الإسرائيليّة "منتشرةٌ في مواقع متقدّمةٍ" في جنوب لبنان، في المنطقة الحدوديّة، مع تأكيده أنّ إسرائيل "لن تسمح لحزب الله بإعادة التسلّح"، وأنّه إذا لم تنزع الدولة اللبنانيّة سلاح الحزب، "فالجيش الإسرائيليّ سيفعل". 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث