في اليوم السّادس والعشرين من الحرب الإسرائيليّة على لبنان، تتسارع وتيرة المواجهات الميدانيّة في ظلّ غياب أيّ أفقٍ دبلوماسيٍّ جدّيٍّ خاصٍّ بالملفّ اللّبناني. وفي هذا المشهد، برز التحرّك المصريّ بوصفه أوّل دخولٍ عربيٍّ على خطّ الوساطة، من خلال زيارة وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي إلى بيروت، حاملاً أفكارًا لم ترق إلى مستوى مبادرةٍ متكاملة، لكنها شكّلت محاولةً سياسيّةً مرفقةً بمساعداتٍ إنسانيّةٍ وجولةٍ على مراكز النّزوح.
وقال عبد العاطي لدى وصوله إلى لبنان إنّ "مصر مستمرّةٌ في تسخير شبكة اتّصالاتها بكافّة الأطراف الإقليميّة والدوليّة المعنيّة لوقف الاعتداءات على لبنان"، مضيفًا: "زيارتي للبنان اليوم لتقديم كافّة أوجه الدعم والتعاون للبنان، وتحمل أيضًا رسائل واضحة وصريحة".
ورغم أهميّة التحرّك المصريّ من حيث التوقيت، فإنّه لم يحدث، حتى الآن، خرقًا سياسيًّا واضحًا، في وقتٍ تبدو فيه الساحة اللّبنانيّة مكشوفةً أمام التصعيد، وسط غياب أيّ حراكٍ دبلوماسيٍّ فاعلٍ قادرٍ على كبح الاندفاعة الإسرائيليّة أو فرض مسارٍ تفاوضيٍّ جدّيّ.
ويعكس هذا الواقع استمرار الرهان الإسرائيليّ على الحسم بالنّار، بالتوازي مع عجزٍ سياسيٍّ ودبلوماسيٍّ عن مواكبة التحوّلات الميدانيّة المتسارعة.
توسّع رقعة الاشتباك
ميدانيًّا، يتواصل ارتفاع عدد ضحايا العدوان الإسرائيليّ المتنقّل على قرى وبلدات الجنوب والضّاحية الجنوبيّة لبيروت. وسجّل سقوط ما لا يقلّ عن 50 شهيدًا يوميًّا جرّاء غاراتٍ جويّةٍ وقصفٍ مدفعيٍّ استهدف عددًا كبيرًا من البلدات الجنوبيّة ومناطق في الضّاحية.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ 95 هجومًا ضدّ أهدافٍ إسرائيليّة، وزّعت على 87 بيانًا، مستخدمًا الصواريخ والمسيّرات والقذائف المدفعيّة لاستهداف مواقع وتجمّعاتٍ لقوّات الاحتلال في البلدات الحدوديّة جنوبيّ لبنان. كما أعلن، للمرة الأولى، استهداف طائرةٍ حربيّةٍ إسرائيليّةٍ في الجنوب.
وبحسب بيانات الحزب، تركزت الهجمات في القوزح والناقورة ومحيط مدينة الخيام ومحوري الطيبة والقنطرة، حيث استهدفت تجمّعاتٌ لجنود وآليّاتٍ إسرائيليّةٍ بصليّاتٍ صاروخيّةٍ ومسيّراتٍ انقضاضيّة.
القوزح والناقورة والخيام: محاور النّار المفتوحة
في محوري القوزح والناقورة، تحدّث الحزب عن هجماتٍ مكثّفةٍ شملت عشر صليّاتٍ صاروخيّةٍ تجاوز مجموعها 100 صاروخ، إلى جانب استهداف تجمّعاتٍ للجنود بمسيّراتٍ انقضاضيّة، ما أدّى، وفق بياناته، إلى سقوط قتلى وجرحى.
كما شملت الاستهدافات تجمّعاتٍ للجنود والآليّات في محيط معتقل الخيام، ومواقع المرج والضهيرة وحدب يارون وبلاط المستحدث، وتلّ أبو ماضي، وخراج بلدتي علما الشعب ومروحين، إضافةً إلى موقع البغدادي. وكان الحزب قد أعلن أيضًا استهداف مروحيّةٍ عسكريّةٍ إسرائيليّةٍ بصاروخ دفاعٍ جوّيٍّ أثناء محاولتها إخلاء إصابات، ما أجبرها على التراجع.
وامتدّت الهجمات إلى العمق الإسرائيليّ، إذ أعلن الحزب استهداف منطقة الكريوت شمال حيفا بصواريخ "نوعيّة"، إلى جانب قصف ثكناتٍ وقواعد عسكريّةٍ ومقرّاتٍ قياديّة، أبرزها ثكنة بيريا، ومقرّ قيادة المنطقة الشماليّة، "قاعدة دادو"، وقاعدة ميرون للمراقبة الجويّة، وقاعدة لوجستيّة في كرم بن زمرة، وثكنة شوميرا.
كذلك أعلن استهداف تجمّعاتٍ في مستوطنات شلومي ونهاريا وكريات شمونة والمطلة وبيت هلّل ومسكاف عام ودفنا، فضلًا عن مربض مدفعيّةٍ في مستوطنة ديشون، ضمن ما وصفه بـ"تحذيراتٍ مسبقة". وقال أيضًا إنّه استهدف مقرّ وزارة الدفاع الإسرائيليّة "الكرياه" وسط تل أبيب، وثكنة "دولفين" التابعة لشعبة الاستخبارات العسكريّة شمالي المدينة، بعددٍ من الصواريخ "النوعيّة"؟
رواية حزب الله لمعركة الطيبة – القنطرة
ونشر الإعلام الحربيّ في حزب الله بيانًا تفصيليًّا عن المواجهة التي دارت أمس الأربعاء على محور الطيبة، القنطرة في جنوب لبنان. وبحسب البيان، دفعت قوّاتٌ من اللواء السابع التابع للفرقة 36 في الجيش الإسرائيليّ، قبل يومين، جرّافةً تعمل بالتحكّم عن بعد بين منطقة المحيسبات في الطيبة وبلدة القنطرة، بهدف استطلاع مواقع دفاعات المقاومة، قبل أن يبقيها المقاتلون تحت المراقبة تمهيدًا لاستدراج القوّات الإسرائيليّة إلى كمينٍ محكم.
وأضاف البيان أنّه عند الساعة 18:50 من مساء الأربعاء، تقدّمت سريّة مدرّعاتٍ إسرائيليّةٍ بنسقٍ طوليٍّ من جهة المحيسبات باتجاه القنطرة تمهيدًا للسيطرة عليها، لكنّ مقاتلي المقاومة انتظروا دخول الآليّات إلى حقل الرماية، ثمّ أطلقوا صواريخ موجّهةً استهدفت الفصيل الأوسط المؤلّف من أربع دبابات "ميركافا" وجرّافةٍ عسكريّةٍ من طراز "دي9"، ما أدّى إلى تدميرها.
وتابع البيان أنّ الفصيل الخلفي، المؤلّف من أربع دبابات "ميركافا"، حاول الاحتماء بغطاءٍ دخانيٍّ كثيف، إلّا أنّه تعرّض لاستهدافٍ جديدٍ بصواريخ موجّهة، ما أدّى، بحسب رواية الحزب، إلى تدمير استعداداته بالكامل.
وأشار أيضًا إلى أنّ مجموعات الإسناد التابعة لسلاح المدفعيّة في المقاومة استهدفت، بالتزامن، مقارّ قياديّةً للقوّات الإسرائيليّة في مشروع الطيبة وربّ ثلاثين والعويضة، إضافةً إلى قوّات التعزيز التي وصلت لإخلاء الإصابات.
ووفق البيان، حاول فصيل المقدّمة التقدّم نحو مدخل بلدة القنطرة، إلّا أنّ المقاتلين استهدفوه بصواريخ مباشرة، ما أدّى إلى تدمير جرّافةٍ عسكريّةٍ من طراز "دي9" ودبابة "ميركافا"، إضافةً إلى دبابةٍ ثانيةٍ قرب الخزّان، الأمر الذي دفع الجنود الإسرائيليّين إلى ترك بعض الآليّات والانسحاب سيرًا على الأقدام باتجاه المحيسبات.
وختم البيان بالقول إنّ المقاتلين تمكّنوا من إفشال المناورة الإسرائيليّة وإلحاق خسائر بالقوّات المهاجمة، بلغت، وفق روايته، تدمير 10 دبابات "ميركافا" وجرّافتين عسكريّتين من طراز "دي9". كما أشار إلى أنّ المقاومة كانت قد أفشلت محاولةً مماثلةً قبل يومين من الطيبة باتجاه دير سريان، حيث قالت إنّها دمّرت ثماني دبابات "ميركافا".
إسرائيل تلوّح بمنطقةٍ عازلةٍ أوسع
سياسيًّا، تواصل إسرائيل التهديد بتوسيع رقعة العدوان، مع تكرار الحديث عن إقامة منطقةٍ أمنيّةٍ عازلةٍ واحتلال أراضٍ قد يلامس حدود مدينة صيدا. واعترف رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو بأنّ الغاية السياسيّة للحرب هي "توسيع" المنطقة العازلة في لبنان، في ما يؤشّر إلى انتقال إسرائيل نحو مرحلةٍ جديدةٍ عنوانها فرض واقعٍ حدوديٍّ جديد، واستثمار النّار في إنتاج خرائط وموازين وشروط تفاوضٍ مختلفة.
وفي السياق نفسه، كشفت القناة 14 الإسرائيليّة عن وجود اتّفاقٍ داخل إسرائيل على توسيع السيطرة البرّيّة في لبنان وصولًا إلى حدود مدينة صور، مع إقامة ما لا يقلّ عن 18 موقعًا عسكريًّا داخل الأراضي اللّبنانيّة. وبحسب ما أوردته القناة، فإنّ هذا التوجّه يندرج ضمن قرارٍ يتّصل بنزع سلاح حزب الله وفرض السيطرة حتى خطّ القرى الثالث. كما نقلت أنّ المستوى السياسيّ اتّفق على إبعاد الحدود الشماليّة مع لبنان بنحو ثمانية كيلومترات، وأنّ عمليّة التوسيع ستستمرّ حتى إشعارٍ آخر.
ولا يبدو هذا الطرح مجرّد تفصيلٍ عسكريٍّ عابر، بل يشير إلى سعيٍ إسرائيليٍّ لإعادة رسم الوقائع الميدانيّة في الجنوب اللبنانيّ، بما يوحي بمشروع احتلالٍ ممتدٍّ، أو في الحدّ الأدنى بفرض شريط نفوذٍ عسكريٍّ دائم.
مخاوف من أمرٍ واقع
في المقابل، بدا لافتًا الصمت الداخليّ إزاء هذه التهديدات، في ظلّ غياب تحرّكٍ لبنانيٍّ دبلوماسيٍّ فعّالٍ لمنع إسرائيل من تنفيذ خططها الرامية إلى الاستيلاء على أجزاءٍ من جنوب لبنان أو فرض وقائع ميدانيّةٍ طويلة الأمد.
ويثير هذا الصمت أسئلةً متزايدةً حول قدرة الدولة اللّبنانيّة على مواكبة التحوّلات الجارية، سياسيًّا ودبلوماسيًّا، في لحظةٍ تبدو فيها الحدود مفتوحةً على احتمالاتٍ أكثر خطورة.
مواجهات عند الخطّ الحدوديّ
في الميدان أيضًا، أعلن الجيش الإسرائيليّ مقتل مقاتلٍ في وحدة الاستطلاع التابعة للواء "غولاني" في جنوب لبنان، إلى جانب إصابة جنديٍّ بجروحٍ خطيرةٍ جرّاء قذيفة هاون، وإصابتين متوسّطتين، إحداهما نتيجة نيرانٍ صديقة، والأخرى بسبب الاشتباه بانخفاض حرارة الجسم خلال نشاطٍ ميدانيّ، إضافةً إلى إصابةٍ طفيفةٍ لضابطةٍ وأكثر من 13 جنديًّا، في ظلّ استمرار العمليّات البرّيّة في المنطقة.
وتتواصل، بالتوازي، العمليّات البرّيّة على طول الخطّ الحدوديّ، مع محاولاتٍ إسرائيليّةٍ للتقدّم إلى ما بعد خطّ القرى الأوّل، وسط اشتباكاتٍ مع مقاتلي حزب الله في عددٍ من المحاور، في مسعىً واضحٍ لفرض وقائع ميدانيّةٍ جديدةٍ داخل الأراضي اللّبنانيّة.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ نحو 30 هجومًا منذ منتصف ليل الأربعاء، الخميس، مستخدمًا الصواريخ والطائرات المسيّرة والقذائف المدفعيّة، واستهدف، بحسب بياناته، مواقع إسرائيليّةً عدّة، في مقدّمها مقرّ وزارة الدفاع "الكرياه" في تل أبيب وثكناتٌ عسكريّة، إلى جانب آليّاتٍ وقوّاتٍ إسرائيليّةٍ في جنوب لبنان. كما تحدّث عن استهداف دبابات "ميركافا" واندلاع اشتباكاتٍ مباشرةٍ "من مسافة صفر".
مشهدٌ مفتوحٌ
يبدو المشهد مفتوحًا على مزيدٍ من التّصعيد، مع استمرار الضربات الإسرائيليّة جوًّا وبرًّا، وتوسّع عمليّات حزب الله، ورفضه التفاوض "تحت النار"، مقابل سعي إسرائيل إلى توسيع "المنطقة العازلة" وتحويلها إلى أحد الأهداف السياسيّة المباشرة للحرب.
وبين عجز المسار الدبلوماسيّ عن فرض وقفٍ للاعتداءات، واستمرار الميدان في إنتاج وقائع جديدةٍ كلّ يوم، يقف لبنان أمام مرحلةٍ شديدة الخطورة، عنوانها حربٌ مفتوحةٌ تتجاوز حدود الاشتباك العسكريّ إلى محاولة إعادة تشكيل الجغرافيا السياسيّة والأمنيّة للجنوب بالقوّة.
