حتى الآن، لا يبدو لبنان، بحكومته وقواه السّياسيّة، مؤهّلًا لمواجهة التحدّي المصيريّ الذي يحتمه التوغّل الإسرائيليّ المتسارع جنوبًا، والذي يمكن أن يبلغ أهدافه خلال أيّام أو أسابيع، وهو يحمل عنوانًا صريحًا كشف عنه المسؤولون الإسرائيليّون أخيرًا: توسيع المنطقة التي تسيطر عليها القوّات الإسرائيليّة إلى عمق 8 كلم، أي إلى حدود مدينة صور، من حيث المبدأ. لكنّ التّسريبات الأخيرة ذهبت أبعد من ذلك لتعلن أنّ "منطقة الأمان" التي ستعمل لها إسرائيل ستصل إلى حدود صيدا. وهذا التوسّع ربّما يفسّر مغزى التّهديدات التي يطلقها النّاطق باسم الجيش الإسرائيليّ، والتي ما عادت تطالب الأهالي بالخروج من قراهم إلى شمال اللّيطاني، بل إلى شمال الزّهراني.
الحكومة اللبنانيّة لا تتحرّك اليوم من موقع المبادرة، بل من موقع الملاحقة. وهي تدور في حلقةٍ مفرغة بين 3 استحالات كبرى: استحالة إجبار إسرائيل على وقف الاعتداءات والانسحاب، واستحالة إقناع "حزب الله" بتسليم سلاحه إلى الدّولة وفتح باب التفاوض، لعلّ ذلك يوفّر مخرجًا للإنقاذ، واستحالة إقناع المجتمعين الدّوليّ والعربيّ بالضّغط الجديّ على إسرائيل.
هذه الاستحالات لم تعد مجرّد توصيفٍ سياسيّ، بل باتت تعكس الواقع كما هو. فالمواقف الأميركيّة والفرنسيّة لا توحي بأنّ ثمّة قرارًا دوليًّا حاسمًا بوقف الاندفاعة الإسرائيليّة، فيما جاءت الرّسالة المصريّة، عبر زيارة وزير الخارجيّة بدر عبد العاطي إلى بيروت، لتؤكّد المقاربة نفسها: نعم، يجب الضّغط على إسرائيل، ولكنّ حلّ الأزمة يمرّ أيضًا عبر معالجة ملفّ سلاح "حزب الله". وهنا بالضّبط تسقط الوساطات في الفراغ، لأنّ الحزب يرفض هذا الطّرح رفضًا قاطعًا، ما يجعل الدّبلوماسيّة تدور في المكان نفسه، من دون أيّ أفقٍ عمليّ.
من السفير الإيرانيّ إلى اختبار التّوازنات الدّاخليّة
وفوق هذا الانسداد، انفجرت مسألة طرد السّفير الإيرانيّ لتضيف إلى المشهد عنصرًا جديدًا من التّوتّر والانقسام. فالقضيّة لم تعد مرتبطة فقط بالعلاقات الدّبلوماسيّة، بل تحوّلت إلى مادّة اشتباكٍ داخليّ مفتوح، وإلى اختبارٍ مباشرٍ لحدود الاصطفاف الوطنيّ.
الواضح أنّ القوى السّياسيّة الشّيعيّة قرّرت أن تخوض معركة الدّفاع عن طهران، باعتبارها، في العمق، معركة دفاعٍ عن "حزب الله" نفسه. ومن هنا جاء غياب ممثّليها في الحكومة عن جلسة مجلس الوزراء رسالةً سياسيّةً صريحة: الفريق الشّيعيّ مستعدّ للذهاب بعيدًا في هذا الملفّ، والتعامل معه بوصفه خطًّا أحمر لا مجرّد تفصيلٍ دبلوماسيّ.
والأكثر لفتًا أنّ الجلسة انعقدت برئاسة رئيس الحكومة نوّاف سلام، في غياب رئيس الجمهوريّة، الذي بدا كأنّه يتجنّب الانخراط المباشر في نقاشٍ شديد الحساسيّة حول قرار طرد السّفير الإيرانيّ. وهو غيابٌ لا يمكن قراءته خارج مناخ التّحفّظ والحذر من انفجارٍ سياسيّ داخل مؤسّسات الحكم نفسها.
جلسة حكوميّة
بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، أعلن وزير الإعلام بول مرقص المقرّرات الرّسميّة، مشيرًا إلى أنّ الجلسة عقدت برئاسة رئيس مجلس الوزراء الدّكتور نوّاف سلام، وبحضور السّيّدات والسّادة الوزراء، مع غياب كلٍّ من وزير الماليّة، ووزير الصّحّة العامّة، ووزيرة البيئة، ووزير العمل.
وأوضح مرقص أنّ جدول أعمال الجلسة اقتصر على بندٍ واحدٍ تناول موضوع النّازحين، وتداعيات النّزوح، والاعتداءات الإسرائيليّة، وآثارها على المستويات الإيوائيّة، والإغاثيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والماليّة، وفي مقدّمتها المستوى العسكريّ.
وبحسب ما نقله عن رئيس الحكومة، فإنّ سلام حذّر، في أوّل مواقفه، من خطورة التّهديدات الإسرائيليّة المتكرّرة باحتلال المنطقة الواقعة جنوب اللّيطاني، مضيفًا أنّ الحكومة تعدّ هذه "الأفعال والأقوال، تحت أيّ عنوانٍ كان، مثل الحزام الأمنيّ أو المنطقة العازلة، أمرًا خطيرًا للغاية يهدّد سيادة لبنان وسلامة أراضيه وحقوق أبنائه".
وأشار إلى أنّ إسرائيل فجّرت أكثريّة الجسور الواقعة على نهر اللّيطاني، في مسعىً لفصل هذه المنطقة عن بقيّة الأراضي اللّبنانيّة، تزامنًا مع عمليّة تهجيرٍ جماعيٍّ لسكّان المدن والقرى الواقعة جنوب اللّيطاني، ومع "عمليّة قضمٍ يوميٍّ للأراضي وهدم المنازل، وأحيانًا تجريفها بالكامل، وكأنّها إشارةٌ إلى ألّا عودة للمدنيّين إلى منازلهم في القريب العاجل".
وأعلن سلام أنّه طلب من وزير الخارجيّة والمغتربين تقديم شكوى فورًا أمام مجلس الأمن في هذا الخصوص، كما سيتواصل مباشرةً مع الأمين العامّ للأمم المتّحدة بعد انتهاء الجلسة للهدف نفسه.
رسالة إلى الكويت، ورسالة إلى الخليج
في المحور الثّاني، أبدى رئيس الحكومة أسفه لورود أنباءٍ عن اكتشاف خليّةٍ إرهابيّةٍ جديدةٍ في دولة الكويت الشّقيقة، وأن يكون بين المتّهمين شخصان ينتميان إلى "حزب الله"، وفق ما أعلنته وزارة الدّاخليّة الكويتيّة. وقال: "ما يؤذي الكويت يؤذي لبنان"، مؤكّدًا أنّ العلاقة الثّنائيّة بين البلدين "ثابتةٌ وتاريخيّةٌ"، وأنّ الجالية اللّبنانيّة، بأكثريّتها السّاحقة، تحترم القوانين المرعيّة وتسهم بنشاطٍ في الحياة الاقتصاديّة الكويتيّة.
كما أعرب سلام عن أمله في أن تكون هذه "المرّة الأخيرة التي يرتبط فيها اسم لبنان في أمورٍ مثل هذه"، داعيًا اللّبنانيّين العاملين في الخارج، ولا سيّما في دول مجلس التّعاون الخليجيّ، إلى الاحترام المطلق للقوانين المرعيّة في الدّول التي يعملون فيها.
وكشف أنّه اتّصل بسموّ رئيس مجلس الوزراء الكويتيّ، وأعرب له عن استنكار لبنان الشّديد لهذه الأعمال الإرهابيّة، وعن تضامنه الكامل مع الكويت.
ولم يتوقّف رئيس الحكومة عند حدود التّضامن، بل ذهب إلى توصيفٍ أكثر حدّة حين قال إنّ "تركيز القصف الإيرانيّ تحوّل من إسرائيل إلى دول الخليج العربيّ"، مشيرًا إلى أنّ البيانات الرّسميّة الصّادرة عن الدّول المستهدفة أظهرت أنّ 83 في المئة من الهجمات الإيرانيّة، بالصّواريخ أو المسيّرات، منذ بدء الحرب، استهدفت دول الخليج العربيّ أساسًا، إضافةً إلى الأردنّ وتركيا وأذربيجان، مقابل 17 في المئة فقط على إسرائيل.
هذا الكلام لا يمكن فصله عن محاولةٍ لبنانيّة رسميّة لإعادة وصل ما انقطع عربيًّا، ولا عن رغبةٍ لدى سلام في تثبيت صورةٍ مختلفةٍ للبنان، تقول إنّ بيروت لا تريد أن تكون مظلّةً لسياساتٍ تدفع أثمانها في علاقتها مع عمقها العربيّ.
وفي المحور الثّالث، شدّد رئيس الحكومة على أنّ النّازحين "هم، مثلنا، ضحايا هذه الحرب التي فُرضت علينا، فلا هم استشيروا فيها، ولا كان لهم قرار الدّخول فيها"، معتبرًا أنّها "حرب الآخرين على أرضنا بامتيازٍ"، ولم يكن للبنان "مصلحةٌ فيها، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ".
هذا التوصيف يحمل في جوهره إدانةً مزدوجة: إدانةً للحرب الإسرائيليّة باعتبارها عدوانًا مفتوحًا، وإدانةً للمنطق الذي زجّ لبنان في مواجهةٍ لا يملك قرارها الكامل ولا أدوات ضبطها.
العنوان المعلن شيء والاختبار الحقيقيّ شيء آخر
الأنظار، في الواقع، لم تكن متّجهة إلى بند النّازحين وحده، بل إلى العنوان غير المعلن للجلسة: مناقشة قرار طرد السّفير الإيرانيّ، في ظلّ مقاطعة وزراء "الثّنائي" لها، في خطوةٍ تضفي على الجلسة طابعًا سياسيًّا بالغ الحساسيّة، من دون أن ترتقي، وفق المعطيات المتوافرة، إلى مستوى الاستقالة من الحكومة.
وبحسب المعطيات، فإنّ غياب وزراء "الثّنائي" لا يعني توجّههم إلى الخروج من الحكومة، بل يندرج في إطار اعتراضٍ سياسيّ على مسارٍ بعينه، بما يُبقي باب الاشتباك مفتوحًا داخل مجلس الوزراء، لا خارجه. وهذا تفصيلٌ شديد الأهمّيّة، لأنّه يعني أنّ الجميع يريد رفع السّقف، لكن من دون كسر الهيكل الحكوميّ بالكامل.
كما تبيّن أنّ لبنان تعرّض في السّاعات الماضية لضغوطٍ فرنسيّةٍ وأميركيّةٍ لعدم التراجع عن قرار طرد السّفير الإيرانيّ من بيروت. وفي المقابل، كان رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي قد اتّفق مع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون على إيجاد مخرجٍ يتيح التراجع عن القرار بما ينسجم مع الصلاحيّات الدّستوريّة، على أن يُنجز ذلك قبل جلسة مجلس الوزراء، إلّا أنّ الاتّصالات المكثّفة لم تُفضِ إلى النّتيجة المرجوّة.
مقاطعةٌ على إيقاع "حصريّة السّلاح"
تكتسب هذه المقاطعة دلالةً إضافيّة لأنّها تعيد إلى الواجهة مشهد الجلسات السّابقة التي خُصّصت لملفّ "حصريّة السّلاح". ففي جلسة 5 آب 2025، انسحب وزيران شيعيّان اعتراضًا على المسار المتّصل بحصر السّلاح، قبل أن يشهد 7 آب انسحاب الوزراء الشّيعة الخمسة من الجلسة التي أقرّ خلالها مجلس الوزراء أهداف الورقة الأميركيّة.
وبذلك، تبدو جلسة اليوم امتدادًا مباشرًا لذلك المسار، ولكن بعنوانٍ مختلف: من "حصريّة السّلاح" إلى "طرد السّفير الإيرانيّ". أمّا الثّابت في الحالتين، فهو أنّ الوزراء الشّيعة يلجأون إلى سلاح الانسحاب أو المقاطعة لتسجيل اعتراضهم السّياسيّ، من دون الذّهاب إلى خيار إسقاط الحكومة أو تفجيرها من الدّاخل.
وهذا يعني، سياسيًّا، أنّ الاشتباك قائم، لكنّه مضبوط. وأنّ الجميع يريد استخدام الحكومة كساحة مواجهة، لا كضحيّة مواجهة.
على الجبهة: إسرائيل ترسم الوقائع بالنّار
على الجبهة اللّبنانيّة، التّصعيد الإسرائيليّ مستمرّ، وبوتيرةٍ توحي بأنّ تل أبيب لا تدير مجرّد عمليّة ضغط، بل تعمل على إعادة رسم الخرائط الميدانيّة بالقوّة. فمع تقدّم القوّات الإسرائيليّة برّيًّا وتمكّنها من الدّخول إلى قرى الشّريط الحدوديّ الأماميّ، بدأت بالتحرّك نحو قرى الخطّ الثّاني، في وقتٍ يستعدّ فيه "حزب الله" لتوسيع نطاق استهدافاته وتكثيف إطلاق الصّواريخ باتجاه المستوطنات الإسرائيليّة والمدن الكبرى مثل عكّا وحيفا وتل أبيب.
ما يعني أنّ الحزب سيعمل على خطّين متوازيين: التّصدّي للتوغّلات البرّيّة، وتكثيف عمليّات إطلاق الصّواريخ والمسيّرات باتجاه الدّاخل الإسرائيليّ. أي إنّ الجبهة ذاهبة إلى مزيدٍ من التّوسّع، لا إلى الاحتواء.
دولةٌ تتلقّى الضّربات ولا تصنع القرار
ما يجري في لبنان اليوم ليس مجرّد أزمةٍ أمنيّةٍ أو خلافٍ حكوميٍّ عابر، بل لحظة انكشافٍ وطنيّ كاملة. إسرائيل تتقدّم على الأرض، وتُهدّد بتغيير الجغرافيا والوقائع السّياديّة. "حزب الله" يتمسّك بخياراته ويرفض أيّ مسارٍ يمسّ سلاحه. الحكومة عاجزة عن فرض معادلة ردعٍ أو تسويةٍ أو ضغطٍ خارجيّ فعّال. والانقسام الدّاخليّ يتّسع من ملفّ السّلاح إلى ملفّ العلاقة مع إيران، ومن الجبهة إلى مجلس الوزراء.
في المحصّلة، يبدو لبنان كأنّه يقف عند تقاطع عجزين: عجزٍ عن وقف الحرب، وعجزٍ عن إنتاج قرارٍ داخليّ موحّد. وبين العجزين، تتمدّد إسرائيل، ويشتدّ الاختناق، وتدخل الدّولة امتحانها الأخطر: هل تبقى إطارًا جامعًا لإدارة الانهيار، أم تتحوّل بدورها إلى ساحةٍ إضافيّةٍ من ساحات الصّراع؟
