لا يمكن لأيّ لبناني إلا أن يقف بإجلال أمام دماء سقطت في انتفاضة 6 شباط؛ فالشهادة فعل إيمان وطني لا يُناقش. وان كانت الفترة التي برز فيها الحديث عن السلام مع العدو الاسرائيلي في العام 1983، مغايرة تماماً في ظروفها وتوقيتها، ولربما كان لكل مواطن لبناني يحب وطنه أن يعارض ذاك الاتفاق آنذاك، إلّا أنه ينبغي الحديث عما كان يمكن لاتفاق 17 أيار أن يقدمه الى لبنان، لم تقدمه الاتفاقات والقرارات الدولية اللاحقة.
وبعيداً عن العاطفة الثورية، يطرح التاريخ سؤاله الصعب: هل كانت إطاحة اتفاق 17 أيار نصراً استراتيجياً أم انتحاراً دبلوماسياً؟ بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور، يبدو أن ذاك الاتفاق الذي رجمناه بالخيانة كان سيمنح لبنان سيادةً وحدوداً واضحة، وفرت علينا كل المخاض الذي عشناه بعد ذاك التاريخ.
من السيادة إلى الترسيم المنقوص
المقارنة بين الأمس واليوم تكشف عمق الفجوة. في حين كان 17 أيار يؤسس لإطار قانوني دولي، جاء "ترسيم الحدود البحرية" الأخير ليقضم من حقوقنا تحت مسميات "الواقعية". هل أثبت الزمن أننا برعنا في إسقاط الاتفاقات التي تحفظ الكيان، لنوقع لاحقاً على تفاهمات تنتقص من الثروات؟
حربا عامي 2000 و2006
في العام 2000 احتفلنا بالتحرير، لكن ما تبعها من تطورات دراماتيكية أسقطتنا بعضاً من حقوقنا في أرضنا؛ إذ تسللت "الخطوط الزرقاء" لتصبح حدوداً واقعية اقتطعت منا الكثير. وفي 2006، استعدنا أسرى بضريبة قاسية بلغت 1000 شهيد، لنجد أنفسنا اليوم في حرب 2024 وقد خسرنا أضعاف هذا العدد من الشهداء (أكثر من 3000) وآلاف الجرحى، مع وقوع أعداد أكبر من الأسرى في قبضة العدو.
السؤال المرّ: هل نحرر الأسرى لنفتح زنازين جديدة بانتظار شبابنا؟
مسمار جحا: الأرض والهوية الضائعة
نتذرع بالقرى السبع ومزارع شبعا كعناوين للمقاومة، بينما الحقيقة القانونية الدولية تضعها تحت القرار 242 كأراضٍ سورية بانتظار الترسيم. لقد بذلنا دماءً غالية لأجل عناوين جغرافية ملتبسة، والنتيجة كانت خسارة أراضٍ إضافية وتثبيت واقع حدودي أضعف مما كنا عليه قبل عقود.
فلسفة البقاء: الإنسان أم الوقود؟
هنا تكمن الفجوة الحضارية؛ الإسرائيلي يحسب حساباً لاقتصاده ويقدس حياة أفراده، بينما يُراد للإنسان اللبناني أن يكون مجرد "وقود" في محرقة لا تنتهي. نحن نراكم الشهداء، وهم يراكمون الأمان لمواطنيهم. لقد آن الأوان للاعتراف بأن القوة ليست فقط في فوهة البندقية، بل في القدرة على حماية الحياة.
المقارنة بين اتفاق 17 أيار 1983 والواقع الراهن يفترض منا أن نكرر السؤال نفسه، هل كانت اتفاقية 17 أيار سوف توفر علينا كل هذه الأثمان؟ هل كان قرار الرئيس أمين الجميل صائباً ومحقاً في الدخول في اتفاقية 17 أيار؟ وهل أخطأ قادة انتفاضة 6 شباط في اسقاط اتفاقية 17 أيار؟
من منطلق وطني، لا يمكن الحكم على تلك الفترة، فلكل زمن حكمه، ولكل ظرف حكمه. وانما الفرق التاريخي أن الاتفاقية في تلك الفترة كانت في ظروف مختلفة، ظروف كان فيها لبنان تحت الاحتلال، رغم أن الانقسام في الهوية وفي الوجهة ما زال لعنة ترافقنا.
لقد جاهرنا بتأييدنا لاسقاط اتفاقية 17 أيار، وهللنا أن لكل 17 أيار 6 شباط، ولو كنا أحياء في ذاك الزمن، لكنا من المؤيدين والمنتفضين في وجهها.
ولكن الظروف اليوم تبدلت، فبعد التحرير العام 2000، استدرج حزب الله إلى لبنان حربين واليوم ثالثهما، أفقدتنا التاريخ والجغرافيا، وسببت في العبث في حدودنا وخسارتنا للمكاسب التي حققتها المقاومة نفسها. وكأن الحزب نفسه لم يكن وفيا لمكتسباته وانجازاته، فغامر بها وقامر بها عند أوّل مفترق.
لتكون المحصلة، أنَّ 17 أيار الذي ولّى، والذي يسعى رئيس الجمهورية اليوم لاستعادة بعض ما فقد، تظهر فجوة هائلة بين "دولة المؤسسات" التي حاولت تثبيت حدودها قانونياً، وبين "واقع الميليشيات" الذي انتهى بخسارات جغرافية وسيادية متراكمة.
1. السيادة والاعتراف بالحدود
في اتفاق 17 أيار (1983): نصت المادة الأولى صراحة على أن الطرفين يحترمان سيادة واستقلال كل منهما، ويعتبران الحدود الدولية القائمة بين لبنان وإسرائيل غير قابلة للانتهاك. كان الاتفاق سيثبت الحدود التاريخية (ترسيم 1923) كمرجعية نهائية.
الواقع الآن: نعيش في ظل "الخط الأزرق" الذي وُضع عام 2000 كخط انسحاب لا كحدود دولية. هذا الخط تضمن "انحرافات عملانية" أدت لضياع نقاط جغرافية استراتيجية، وما زلنا نفاوض في عام 2025 و2026 لاستعادة نقاط حدودية "متحفظ عليها" كان 17 أيار قد حسمها سلفاً.
2. إنهاء حالة الحرب والترتيبات الأمنية
في اتفاق 17 أيار: نصت المادة الثانية على إنهاء حالة الحرب رسمياً. كانت الترتيبات الأمنية تهدف لنشر الجيش اللبناني في "منطقة أمنية" جنوبية لضمان عدم وجود أي سلاح غير شرعي، مما كان سيمنع تحول الجنوب إلى ساحة صراع دائمة.
الواقع الآن: نتحرك بين "وقف الأعمال العدائية" (كما في القرار 1701 واتفاق 2024) وبين "هدنة هشة"، من دون إنهاء رسمي لحالة الحرب. النتيجة هي حروب متكررة (1996، 2006، 2024) استنزفت البشر والحجر، مع بقاء حزب الله كطرف مقرر في الحرب والسلم بعيداً عن سلطة الدولة.
3. ملف الأسرى والشهداء
في اتفاق 17 أيار: كان الانسحاب الإسرائيلي سيتم بضمانات دولية واتفاق ثنائي يحفظ كرامة الدولة.
الواقع الآن: دخلنا في مقايضات دموية؛ ففي حرب 2006 سقط 1000 شهيد لاستعادة أسرى، وفي حرب 2024-2025 تجاوز عدد الشهداء 3000 شهيد مع وقوع أسرى جدد وتدمير كامل للقرى الحدودية، وهو ثمن باهظ جداً مقارنة بما كان يمكن تحصيله عبر القنوات الدبلوماسية.
4. الترسيم البحري والثروات
في اتفاق 17 أيار: لم تكن الثروات البحرية مطروحة، لكن منطق "الاتفاق بين دولتين" كان سيحمي الحقوق الاقتصادية ضمن إطار السيادة الكاملة.
الواقع الآن: اضطر لبنان لتوقيع "تفاهم بحري" (أكتوبر 2022) وُصف بأنه "فرصة ضائعة"، حيث تم التنازل عن الخط 29 الذي يمثل حق لبنان القانوني لصالح الخط 23 تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، وهو ما يُثبت أننا نخسر على طاولة "التفاهمات الضرورية" ما رفضناه على طاولة "الاتفاقات السيادية".
5. مزارع شبعا والقرى السبع
في اتفاق 17 أيار: لم تكن هذه الملفات عائقاً أمام تثبيت الحدود الدولية اللبنانية المعترف بها.
الواقع الآن: تُستخدم هذه المناطق (الخاضعة دولياً للقرار 242 كأرض سورية حتى يتم الترسيم بين لبنان وسوريا) كـَ "مسمار جحا" لاستمرار العمل المسلح، مما جعل لبنان يدفع أثماناً باهظة لأجل أراضٍ لا يملك صكوك ملكيتها الدولية الموثقة حتى اللحظة.
الخلاصة الجدلية
أثبت الواقع أن البدائل التي فُرضت على اللبنانيين (الخط الأزرق، القرار 1701، اتفاق 2024) منحت إسرائيل "أمناً واقعياً" على حساب سيادة لبنانية منقوصة، وأرضاً متآكلة، ودماءً لم تتوقف عن السيلان. التاريخ، الذي يترك له أن يحكم على الرئيس أمين الجميل، يكشف اليوم أن الدبلوماسية الرسمية قد تكون أكثر حرصاً على حدود الوطن من "البطولات" التي انتهت بضياع ملامح الجنوب.
ربما لم ينصف التاريخ الرئيس أمين الجميل آنذاك. فقد حاول الرجل، وسط غابة من السكاكين الإقليمية، أن يحجز للبنان مقعداً على طاولة القانون الدولي. اتُهم بالضعف والتفريط، لكن الزمن أثبت أنَّ "الواقعية السياسية" التي انتهجها، هي ما يستجديه النظام اللبناني اليوم لحماية شعبه من المزيد من هدر كرامته، وهي نفسها التي كانت ستحمي لبنان من سيناريوهات الخراب التي توالت لاحقاً.
التفاوض كفعل سيادة.. والهروب إلى الأمام
لطالما كان التفاوض في العرف الدولي أداة الأقوياء لحماية مكتسباتهم، إلا أنه في القاموس السياسي اللبناني تحول إلى سردية تُرفض تحت ذرائع واهية تارةً باسم "المقاومة" وتارةً بانتظار توازن القوى. إن مصلحة لبنان العليا تكمن في الجلوس إلى طاولة التفاوض لانتزاع حقوقنا بوضوح ووضع حد نهائي لهذا النزيف العبثي؛ فالدول لا تُبنى بانتظار معجزات الميدان، بل بحنكة الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، تبرز المواقف الوطنية المسؤولة التي جسدها الرئيسان جوزف عون ونواف سلام؛ فمن روحية الحفاظ على الكيان والشرعية، أدركا أن استقرار لبنان يمر عبر المؤسسات والالتزامات الدولية. في المقابل، يطل علينا حزب الله وحركة أمل بقيادة الرئيس نبيه بري، ليختطفا قرار الحرب والسلم ويجعلا من لبنان ورقة تفاوض إقليمية لا لبنانية. لقد برع هذا الثنائي في عرقلة أي مسار يؤدي إلى استقرار نهائي للحدود، مفضلين بقاء لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الكبرى، ضاربين عرض الحائط بآلام اللبنانيين الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى وطن يتبدد. إن رفض "الثنائي" للتفاوض الجاد ليس حماية للسيادة، بل هو هروب إلى الأمام للحفاظ على سطوة السلاح فوق منطق الدولة، وتغطية لتبعية عمياء لا ترى في الإنسان اللبناني سوى "رقم" في معادلات عابرة للحدود.
في الختام، إنّ الوطن الذي تضيع بوصلته بين أروقة طهران وميدان الجنوب ليس وطناً، بل هو رهينة. لقد حان الوقت لنعلنها صراحة: نعم للتفاوض الشجاع الذي يحمي الأرض ويصون الإنسان، لا لسياسات المحاور التي تحولنا إلى رماد. إن دماء شهدائنا تستحق دولة تحميها، لا ميليشيات تتاجر بها؛ فالدبلوماسية ليست ضعفاً، بل هي القوة الوحيدة التي تبني مستقبلاً لا يُشيع فيه الآباء أبناءهم كل عقد من الزمن.
إنّ الوطن ليس مجرد ساحة لاختبار البطولة، بل هو بيتٌ يُبنى بالبصيرة قبل الرصاص. لقد سئمنا من الانتصارات التي تتركنا بلا سقف، ومن الأمجاد التي تقتات على أعمار شبابنا.
