مساء من مطر وطائرات

يوسف بزيالخميس 2026/03/26
Image-1774517842
مسرح المسخرة القاتلة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أجلس في المقهى، ناظراً في الفراغ المظلم الكبير الذي يبتلع المدينة بسكانها وسياراتها وغيومها الدخانية المسمومة. فراغ أسود يمصّ ضجيج مليوني كائن يمضغون أفكاراً ميتة، فوقهم طنين تلك التنانين الصغيرة الالكترونية التي ترسم مستقبلهم.

 

أنظر في الهاتف، حيث القصف المتواصل، العشوائي والبهيمي، في عوالم الفايسبوك، كأرض خيالية من مشانق ومقاصل وإعدامات، كمهرجان في جهنم. طعنات متبادلة، ذبح من الوريد إلى الوريد، شظايا كلمات حارقة، قذائف لغوية، غارات أيديولوجية، صفحات من دماء وجثث. عطش ليقين المجازر الأهلية كحقيقة أخيرة ساطعة. أشاهد آخر فيديو لجسر منهدم وأشجار موز مبتورة الرأس. الوحش غير منظور، بلا إسم ولا وجه، يتقدم عبر الغبار والأنفاق والتلال إلى تخوم المدن المهجورة. 

العالم كله في هاتفي، مليارات الصور، آلاف مليارات الأصوات، اللغات والأحجار والكتب وأغنيات الشعوب، الوثائق السرية للدول، الحرب الأخيرة وما قبلها، خطابات سياسية، مؤتمرات صحافية، وصفات طبخ، كل التاريخ.. في هاتف بقياس 14 سنتيمتراً طولاً. 

قهوة قاتمة مرّة، لذيذة ودافئة، متعة لإبطاء الزمن وارتشافه على مهل، قبل أن يأتي الإنذار هناك، على بعد كيلومتر واحد، حيث يبدأ أوتوستراد الخميني. الزمن الآن يخضع لتقسيم جديد، إيقاع متوزع على الهدوء المريب والدويّ الزلزالي المباغت. وما بينهما وقت هلامي ومائع بلا معنى. 

 

حين يأتي منتصف الليل تتخثر الدقائق، يموت النوم وتتورم الجفون. سماء واطئة وعدوانية بعتمتها الخشنة، كأنها قماشة من جلد حيوان متفسخ. الفراغ بطعم معدني مملح بعرق النائمين، بعد ساعات تلفزيونية من هستيريا اللغو والأخبار المطبوخة بالتضليل والهذيانات الكبرى التي تطيح بشعوب البطولة والشرف والكرامة.

يخترق أصبعي جدار الصوت. عيني جامدة. على طاولة المقهى نملة نازحة إلى المجهول اللامتناهي في عالمها الشاسع. هل تسمع القصف؟ هل أتت هاربة من الشيّاح؟ أحدّق في نقاط المطر على أطراف الشجرة. يمر "موتوسيكل جهادي" وصبية تجر كلباً غير مبالية بأصداء غارة بعيدة. الكارثة والجمال معاً على الرصيف الشتائي.

النغمة المريعة لإشعارات الواتساب بلا توقف. "الأخبار العاجلة": هذا القيء الكوني، الذي يشربه مدمنوه بلا ارتواء وإلى الأبد. يا للحياة السابقة عليه. 

 

الرشفة الأخيرة من القهوة، ارتجاج عبر الهواء يأتي من السفوح المقصوفة، ربما من خبطة بناية انخسفت الآن، من صرخة لم تكتمل للميت للتو. الرائحة أيضاً تنتشر. وفوراً يعم الهدوء. مدينة صامتة ومريضة.

بقع ضوء تليها بقع عتمة. مغادراً المقهى بلحظة بدء موسيقى الحانات الخافتة أول المساء. المشي في أيام الحرب المبللة بشتاء آذاري مبعث سكينة لا أعرفها في صخب زمن السلم. مفارقة سيفسدها أي تفسير. في هذا الوقت يصدر الجدول الرسمي اليومي: عدد القتلى والجرحى، العدد التراكمي منذ بدء الحرب. 

كم عدد "السعداء" بينهم؟ كيف يكون "الارتقاء" في المصعد السماوي؟ الذي سيقرأ هذا الجدول العزرائيلي، لا بد أنه قرأ صباحاً جدول أسعار المحروقات، وجدول أسعار المعادن الثمينة. أرقام كل هذه الفواتير تتراكم حتى تتحول إلى ذاك الوحش غير المرئي، "غوتزيلا" جديد يغزو المدينة ويلتهمها.

 

في نهاية الشارع، عند المنعطف يباغتني قمر يتلصص من بين غيوم. هدير طائرة حربية يأتي من الخلف. عامل المحطة يستمر بتنظيف السيارة، سيخ الدجاجات المشوية في الواجهة الزجاجية يستمر أيضاً في الدوران فوق النار، سيارة إسعاف تمر متمهلة وصامتة كأنها تمشي على رؤوس أصابعها. كأني أمشي في فيلم رديء.

أقف عند الحد بين بيروت الشرقية والغربية، أقفز بين السنّة والشيعة والمسيحيين، أنطنط بلا مستقر منذ خمسين عاماً، هنا وهناك وبلا مكان. استأنف هذه الرياضة، مشي عبر خطوط التماس، عبر الكمائن الأهلية: خفيفاً وحراً وبمنتهى "الخيانة". 

 

الأفلام هي التي تسعفني في هذه الحرب. سابقاً كانت الكحول. مخرج طوارئ من مسرح المسخرة القاتلة: خامنئي وعصبته عراقجي وقاليباف وبزشكيان وقاآني. ترامب وأطفاله روبيو وويتكوف وكوشنير، نتنياهو وأتباعه سموتريتش وكاتس وبن غفير، ونعيم قاسم ورهطه رعد وقماطي وصفا.. ومعهم عبارات من نوع "الكلمة للميدان" أو "استهداف" أو "مسيّرات" وآخرها "المفاوضات". لغة البلهاء التي تجعل الصحافة رديئة وبشعة كل مرة في أوقات الحرب.  

لن أستسلم لهذا العالم. أنغمس مع زوجتي في فيلم "هامنت". أيها الحزن الجليل، أيها الشِعر المبجل. 

أغلق هاتفي، أُطفىء العالم. مرحبا أيها الحلم. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث